لبن أربيل


 
لبن أربيل.. للكاتب عماد عباس #عين_الطائر

باستثناء شربت الحاج زبالة لم يحظ مشروب عراقي بشهرة واسعة كما حظي لبن أربيل و هو زبادي مصنوع من حليب الأغنام أشتهرت به مدينة أربيل ( العراقية إلى حد الآن ) و ذاع سيطه بكل حواضر العراق

أشهر محل معروف لبيع هذا اللبن في بغداد كان دكاناً صغيراً مقابل وزارة الدفاع العراقية و مقر الحكومة العراقية أيام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم في الباب المعظم . و يقال أن لبن اربيل كان اشهر من وزارة الدفاع نفسها بحيث انك إن بعثت برسالة بريدية إلى الوزارة تكتب على ظهر المظروف ( وزارة الدفاع – مقابل لبن أربيل ) لمساعدة ساعي البريد في الإستدلال على الوزارة

كما اللحوم المجففة التي يعتمد سعرها على نوع وسعر الخشب المستخدم في تدخينها و الذي يمنحها نكهتها المميزة فإن لبن أربيل ، النوع المدخّن منه ، يستمد نكهته من خشب الشمال العراقي حيث تصنع الأنواع الجيدة منه بتدخينها بخشب البلوط
محل شربت الحاج زبالة يقع هو الآخرغير بعيد عن مبنى وزارة الدفاع ، في منطقة الحيدرخانة مدخل شارع الرشيد ، تباينت الروايات عن تاريخ تأسيسه بين 1900 و 1908 متزامنا مع كعك السيد المقابل له و الذي تأسس عام 1906 ، إكتسب شهرته بسبب جودة الزبيب المستخدم في صناعته و أستعان أصحابه على ديمومة وإستمرار بضاعتهم بكتمان أسرار المهنة التي لا يعرفها سواهم ، و طبعاً ( النفس الطيب ) كما يقول العراقيون

و رغم ان محل لبن أربيل أقرب جغرافياً الى وزارة الدفاع من شربت الزبيب حيث لا يفصل بين بوابة الوزارة الحديدية العالية و هذا المحل المتواضع غير شارع إلا أن كل من حكم العراق إبتداء من ملوكه مروراً بعبد الكريم قاسم و انتهاء بصدام حسين كانوا من أنصار شربت زبيب الحاج زبالة بل أنهم كانوا يضيفون كبار زوارهم من هذا المشروب المنعش وقد سقى الزبون الدائم الزعيم قاسم مرة ضيفه ملك المغرب محمد الخامس ومرة الرئيس الجزائري أحمد بن بلة منه كما زاره الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أكثر من مرة و يروى أن الرئيس الأسبق حسني مبارك قال للرئيس الراحل صدام حسين حين اصطحبه لهذا المحل مازحاً : “إيه ده يا أبوعدي.. أنت ح تسقيني شربت زبالة”، لكنه ما أن أفرغ كأسه الأولى لم يستطع مقاومة سحرها فطلب كأساً أخرى

لست متأكداً من الناحية العلمية إن كان اللبن عموماً و لبن أربيل خصوصاً ، الجاف ، لبن الكيس ، الشنينة ( السائل ) و المدخّن يسبب النعاس حقاً أم أنها إشاعة أطلقها أصحاب شربت الزبيب لسحب الزبائن حيث نجحوا بتجميع العمال و الموظفين في طابور طويل أمام المحل خاصة في الصباح الباكر لتناول قطعة من الكيك مع شربت الزبيب و هم أحوج ما يكونون الى الطاقة و النشاط لإكمال يوم عمل ناجح . أنا شخصياً كنت أتناول اللبن مثلجاً بعد الغداء إن كان هناك متسع من الوقت لقيلولة صيفية ثم لا تلبث مفاصلي أن ترتخي و يدور رأسي فأستغرق في نوم عميق ، متأثراً بالجرعة الأربيلية الساحرة أم منخدعاً بالإشاعة لست أدري لكنها ” تعسيلة ” لذيذة و عميقة على أية حال .

الخوف من النعاس قد يكون هو السبب في انحياز قادة العراق السياسيين و العسكريين على امتداد عمر الدولة العراقية منذ تأسيسها حتى انهيارها إلى شربت الزبيب بدل لبن أربيل لحاجتهم لكل خلية عاملة من خلايا المخ و هم يعقدون لقاءاتهم و اجتماعاتهم مع قادة و زعماء العرب ليخططوا لمستقبل الأمة . إذا كان ذلك صحيحاً فإن توجه الساسة و الضباط العراقيين في مرحلة ما بعد الدولة العراقية ، المنتهية صلاحياتهم ، المهزومين في المعارك العسكرية منها و السياسية ، حملة السيديهات و الملفات و المليارات إلى أربيل لم يكن خوفاً من النعاس كما كان يفعل زعماء الأمس بل طمعاً به ليستغرقوا بسبات طويل وهم ينهلون من المنبع الرئيسي ( الأبّي ) ، فتتخمر خلايا المخ جميعها بنقيع الشنينة الأربيلية الساحرة بانتظار جولات جديدة و انتخابات جديدة و صفقات جديدة

المقال السابقلله يامحسنين.. شاب محتاج
المقال التالىيوسف شاهين وخيرية المنصور
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد