آيات انسانية

 
آيات انسانية.. للكاتب عبد العزيز القناعي #اوشاج #الكويت

الوطن كهويةٍ وانتماء وشعور يُعبّر اليوم عن قيمةٍ مفقودةٍ في الوعي العربي، بعد أن اخترقتنا هوياتٌ الدين والمذهب والقبيلة والعرق والتي أعادتنا أكثر إلى العصور البدائية أوجمّدتنا على ما نحن فيه من تراجعٍ وانحطاطٍ قيمي وحضاري. فالوطن لم يعد يُدرَّس في التعليم إلا كبقعةٍ جغرافية، بينما الولاء للوطن أصبح مأسورًا بالمذهبية والطائفية والعرقية والقبَلية، وهو ما يُشكّل أحد الأسباب الرئيسية في إخفاق واستكمال مشروع النهضة العربية المنشودة.

من المُؤكّد أن غياب مفهوم الوطن والمواطنة أثّر بشكلٍ كبير على تعاطينا مع الأزمات السياسية والاجتماعية من خلال ادخال مجتمعاتنا العربية في اتون الصراعات الإقليمية والدولية وخصوصا بعد انتشار تنظيم الدولة الإسلامية وتمددها الإسلامي. وما تبع ذلك من هزات طائفية سنية وشيعية. ومقابل ذلك فشلنا في بناء هوية الوطن والولاء الوطني واكتفينا بالشعارات الوطنية فقط دون غرس أي مضامين وطنية في العقل العربي لوجود تعارض او ضبابية او تضاد بين مفهومي الوطن والدين.. فبينما يرى البعض الوطن هو أنت وأنا ولا يجمعنا داخله لا دين ولا مذهب ولا عرق، بل تجمعنا قيم المواطنة والعدالة والمساواة التي تتمثل بالاندماج الإنساني والحضاري والأخلاقي، يراه البعض الآخر مجرد كيان يخدم الاسلام ضمن شروط الكفر والايمان ودار الحرب ودار السلام وما يستتبع ذلك من تعاملات خاصة للمسلمين وللكفار حتى ولو كانوا مواطنين.

نحن اليوم لسنا بحاجةٍ إلى الأديان حتى تحكمنا او تشرع لنا، بل نحن بحاجةٍ أكثر إلى الإنسانية والتعايش والأخلاق الكونية، ولا يمكن أن يُقدِّم هذه المنظومة من القيم والمفاهيم والمبادئ الرائعة سوى العلمانية بما تحمله من غاياتٍ وإدارة واعية عقلانية لمختلف الشعوب والثقافات والأديان. فقد فشلت كل المُسمّيات الإسلامية والشيوعية والوسطية الدينية من القيام بدورها الإنساني في تقريب الشعوب أو خلق الحضارة، وسقطت كل الشعارات الدينية والقومية في وحل الاستبداد والهيمنة والوصاية وتطبيق الشريعة. لقد فهم المسلمون الحداثة بأنها بناءٌ ومادةٌ وتكنولوجيا، ولكن غاب عنهم أن الحداثة تطورٌ اجتماعيٌ اقتصاديٌ سياسيٌ تصنع الإنسان وتخلق التنمية وتستشرف المستقبل بخطىً واعيةٍ ونظرةٍ عقلانية وقدرة على الابتكار دون أي قيود.

المواطن العربي اليوم يحمل هاجسا مخيفا وترددا كبيرا وكراهية دينية لمفهوم العلمانية، لأنه إلى اليوم لم يتعايش معها أوحتى يجرّبها، فكل ما تعرفه غالبية الشعوب العربية عن العلمانية أنها تيارٌ تغريبيٌ إلحاديٌ يسعى إلى تشويه سمعة المسلمين ونشر الرذيلة بأوساط النساء. وهذا المفهوم أو الوعي السائد في العقل العربي هو نتاجٌ طويلٌ من الدعوة الدينية ضد العلمانية، ونتاج عشرات الفتاوي الشرعية بتكفير العلمانيين على طول الوطن العربي وعرضه، وبالتالي وأمام هذا الوعي الزائف المُنتشر في التعليم والمساجد والفضائيات الدينية لم تتعاطى الشعوب العربية مع العلمانية إلا بخوفٍ وحذرٍ وكراهية. وأيضًا لم تساهم الأنظمة العربية في دعم الثقافة العلمانية لأنها تخاف من مبادئها في نشر ودعم حقوق الإنسان والحريات وتداول السلطة. فكل نظامٍ عربي يدّعي بأنه نظامٌ علمانيٌ دون أن تتواجد حرية الرأي والاعتقاد والديمقراطية كسلوكٍ وثقافةٍ ومجتمعٌ مدني، فهو نظامٌ كاذبٌ يدّعي زورًا وبهتانًا بأنه علمانيٌ لخداع الشعوب والمجتمع الدولي. فالعلمانية ليست عقيدةً ولا دين، بل هي آليةٌ لإدارة المجتمع بصورةٍ حياديةٍ أمام مختلف التنوّعات الفكرية والدينية واللادينية، وبالتالي فالعلمانية تتطلّب الحياد التام والرؤية العقلانية والاهتمام بالإنسان أولًا وأخيرًا من خلال توفير البيئة المجتمعية القائمة على العدالة والمساواة والحريات واحترام القانون والتعايش مع الآخر المختلف.

فكيف نستطيع ان نتغير او نحدث التغيير إذن وسط هذه الحالة المحبطة السائدة؟..عندما أقرأ بإمعانٍ عن نية الشعوب العربية بالتغيير، ولكنها تعتزّ جدًا بنفس الوقت بذاكرتها الماضوية. وكيف تتعامل مع حاضرها، وكيف تريد أن يكون مستقبلها. أجدُ نفسي مُحبطًا ويائسًا إزاء مجتمعاتنا العربية التي لا تتزحزح قيد أنملةٍ عن بنيةٍ صلدة من التفكير الديني وهي ترتع في حالاتٍ فوضوية، ومصالح سياسية، وترديد شعاراتٍ دينية، وتتعامل مع أفكارٍ رجعية، وتتشبّع بعواطفٍ ماورائية. إن أسوأ ما نجده في المجتمعات العربية هو هذا التواصل للتعصّبات الدينية والطائفية والقبَلية، وخضوع النخب المثقفة بتياراتها المدنية والعلمانية والديمقراطية لثقافة المجتمع السائدة وعدم القدرة، وأنا أراها عدم الرغبة في المواجهة الحقيقية للتيارات الإسلامية، وتفضيل ما هو حاصلٌ مع إلقاء اللوم دائمًا على الحكومة والحاكم بأنه هوالمسؤول تمامًا عن رعاية التيارات الدينية وتفاقم حضورها، وإن كانت هذه التهمة حقيقية، إلا إن إخفاقات النخب في دعم وتشجيع الثقافة العلمانية هوالخوف الأول وهو الأزمة التي نعيشها في مجتمعاتنا والتي أخّرت التحوّل المدني وخلقت تشوهاتٍ فكرية لمفاهيم ومصطلحات العلمانية والحريات الشخصية، وجعلت من العلمانية في خطابهم مجرد شعاراتٍ لها مآربٌ أخرى.

هنا، وأمام هذا النوع من الإخفاقات النهضوية، لابدّ لنا كعلمانيّين حقيقيّين من أن نحارب الواقع وأن نفرض التغيير وأن نصنع الثورة التي تأخّرت كثيرًا بعد عصر النهضة العربية الأولى، وأن نستكمل جهود المؤسّسين الأوائل وواضعي أدبيات الفكر العلماني العربي لنخلق مساراتٍ جديدة وثورةً حقيقيةً على السائد والموروث والثابت الديني والسياسي، لقد آن الأوان لتحطيم القيود وقيادة مجتمعاتنا العربية وفقًا لمبادئ العلمانية وتحقيقًا لقيم العدالة والمساواة والحريات. العلمانية لم تعد اليوم خيارًا هامشيًا أو نخبويًا بل أصبحت خيارًا مستحقًا وأملًا مُرتجى وآيات إنسانية تقود وقادت المجتمعات إلى بر السلام والعلم والتحضّر والأخلاق، بعد مسيرةٍ طويلةٍ من التضحيات والدماء وفكّ قيود الدين والعرق عن الإنسان ليُحلّق عاليًا في فضاء العلم والفلسفة والفنون.

في مجتمعاتنا العربية حاليًا نعيش اكتمال مرحلة التطرّف الديني، وهي مرحلةٌ مَرَضيةٌ خطيرةٌ جدًا، فقد بدأ الاستقطاب يأخذ مساراتٍ مذهبيةً وعملياتٍ لوجستيةً وإرهابيةً تمثّلت في القيام العملي لتصفياتٍ وحوادث قتل وهوالأمر الذي يُنبّئ بخطورةٍ كبيرةٍ على مستقبل الوطن العربي وأجياله. فالحقيقة أن التطرّف مستشري في مختلف الثقافات الدينية، إلا أن تمثله في الدين الإسلامي قد أخذ منعطفاتٍ دالة، ساعدت على انتشاره فئاتٌ اجتماعية متنوعة، وامتدّت جذوره عبر مختلف الدول العربية والإسلامية. فأصبحت مظاهر الغلووالتكفير والقتل نوعًا من الالتزام بالدين، وأصبح رمي الآخرين بالكفر والخروج عن الدين أصلًا من أصول الدين، يتمّ تدريسه والدفاع عنه بل وإقامة المُحاكمات القانونية ضد المُفكّرين والمثقفين. كما وانعكست مظاهر الإرهاب الإسلامي على المستوى الاجتماعي، من خلال تفكيك المجتمع وتمزيق نسيجه، وتفرقت الناس بين مؤمن وكافر، ثم غرسه لقيم التشدّد ودعمه بالكتب والفكر والإعلام، ليُعاد إنتاجه مع كل جيلٍ كثقافةٍ مجتمعية، لا تعترف بالاختلاف والتعدّد، فتقصي الاجتهاد العقلي لتفرض النظرة الأرثوذكسية على النصوص الدينية. كل هذه التطوّرات، نحو التطرّف والإرهاب الإسلامي في المجتمعات العربية والخليجية أيضًا، جاءت بعد مراحلٍ من تغييب الوعي العلماني، وتعزيز الهيمنة الدينية الذكورية، وإعلاء النقل والتقليد والعنعنة مقابل تحريم وعدم الاهتمام بالفلسفة والعلم والفنون. التغيير لن يكون سهلًا، فالمرحلة الحالية هي مرحلة تمّ التخطيط لها بدقةٍ من قبل الكهنوت الإسلامي، فمشروع الحاكمية، وبعد ثورات الربيع العربي، لم يكن مشروعًا نظريًا فقط، بل استراتيجيةٌ عُليا وهدفٌ أسمى لإقامة دولة الخلافة وحكم العالم وهدايتهم الى الدين الصحيح. هذه تجلياتٌ تاريخيةٌ لم تأتي من العدم، ولم تأتي من الخيال، بل جاءت كأوامر إلهيةٍ لابدّ من تحقيقها على أيدي خير أمة أخرجت للناس. هنا ماذا نحن فاعلون؟.. وكيف نستطيع أن نُحدث التغيير والمواجهة مع من يريد إلغاء الحضارة والإنسانية والحب ليستبدلهم بالدم والجلد والرجم. الدين لن يكون المظلوم أبدًا، فهوحقٌ إنسانيٌ لكل البشر والمحافظة عليه وفق العلمانية هو الغاية الحضارية للإنسان الحر الواعي، لكن التغيير المطلوب من الإنسان العربي أن يبدأ في تغيير نفسه وفكره وسلوكه. أن يقرأ كي يكتشف فضاء المعرفة، أن يؤمن بحرية الرأي والاعتقاد، أن يفرض على حكومته العدالة والمساواة والديمقراطية، أن يصنع الغد بدلًا من أن يلعن الحاضر، فقد أخفقنا في الحاضر، ومن لا يتعلّم من الحاضر لن يكون له مستقبلٌأبدًا.

وحتى نكونأ كثر وضوحًا في حكمنا على الإسلام والعلمانية، نقول أن العلمانية تُدير المجتمعات وفقًا لكل المعتقدات والأفكار بعدالةٍ ومساواةٍ ضمن شروط القانون المدني ومواثيق حقوق الإنسان، إلا أن الإسلام يرفض وجود التيارات المعارضة لأفكاره، بمعنى أن الحكم في المجتمع الاسلامي يجب بل لابدّ أن يكون إسلامي التوجّه أي بتطبيق الشريعة التي بدورها

تتعامل مع الآخر المُختلف وفقًا للإيمان أو الكفر، الحلال والحرام، وبالتالي لا وجود لأفكار الحرية والمساواة والعدالة إلا داخل الجماعة المؤمنة، اما غير المسلم أو اللاديني فيُعامل وفقًا للحدود الإسلامية والتي تبدأ من الجزية إلى بقية الحدود المعروفة في التمييز بين المواطنين وبين الذكر والأنثى. فالعلمانية وخلال تاريخها السياسي والاجتماعي في العصر الحديث لم تُقصي أي تيارٍ أوأي فردٍ بل هي المُدافعة بشراسةٍ عن الحقوق الإنسانية ومن ضمنها الاعتقاد الديني وكم رأينا قضايا قد تمّ الحكم فيها لصالح المسلمين كما حدث مؤخرا فيما يعرف بقضية البوركيني، إلا فيما يتعارض مع قانون الدول وخصوصًا في القضايا الأمنية بعد تزايد الإرهاب الإسلامي من قبل المسلمين وتوحش الدعوة إلى الدين في دول الغرب.

بينما في الدول التي يحكمها الإسلام أو حتى التي تحكم بقوانينها بالشريعة الإسلامية فنرى المآسي والقضايا وأحكام القتل والجلد والرجم تٌطلق على كل من يُخالف أو ينتقد أو يرفض الدين في صورةٍ خطيرةٍ يغيب فيها حق الإنسان في الحياة وفي حرية الرأي والاعتقاد. بالإضافة الي غياب التنمية وإخفاق الديمقراطية وفشل التعليم والإنتاج والصناعة وهم من يدعون بأن الإسلام قد اعطاهم الوصفة السحرية للتقدم، ولكن الي اليوم لم نرى أي واقع يشهد على صحة هذه المقولة وباعتقادي الجازم اننا لن نرى ابدا ذلك.

1 تعليقك

  1. Avatar بديع مسعود طالب اليافعي

    ان صخرة التعقيدات المعاصرة التي اتلف بها العقل العربي ، قد تتفتت ووتتجزأ ثم تندثر طالما هناك عقليات قادرة على التفكير الطبيعي والواعي ،مشحونة بهذه الثقافة التي تنير لنا الطريق في هذا الظلام الحالك .
    وبهذا الروح يتجدد فينا روح الامل والتفاؤل بان المستفبل سيكون صنيعة من صناع الفكر والعقل الغير قابل للتلقين والوصاية الدينية .
    تقبل فائق التقديرات .

اترك رد