أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج١٢


 
أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة - ج١٢

ذات (7)

“أنت قصّة قد تعرفها وحدك، وقد لا تعرفها، ولا أحد يبالي. تمنّيت الغمر، والموج الّذي سيجرفك لن يدري بك. كلّ هذا الوقت الضّائع، ألم تعرف أنّه كان سيكون الحياة؟ هذا الوقت الضّائع الّذي كان تحت يديك، بين شفتيك، ولم تتحرّك لأخْذه.

أيّها الدّاخل في غير دوره، الخارج من غير بابه، النّزف بلا دمّ، أيّها الحامل أسرار الهباء إلى ملكوت الغياب.” (1).

وكأنّي بالقارئ أمام هذا النّصّ يسكن إلى هدوء أنسي وافتقاد قلقه الوجوديّ. فأنسي يخاطبه مباشرة وينفتح على جرحه الوجوديّ العميق، الحياة/ الوقت الضّائع. الحياة جرح إذا ما تأمّل الإنسان كلّ لحظة فيها. إنّها جرح اللّا اختيار للحياة نفسها بواقعها، واختباراتها، ومعاناتها، وقرار القدوم والرّحيل… إنّه الجرح المصلوب على صليب الحرّيّة الّذي يقبله الإنسان طوعاً أو لا يقبله.

علينا أن نفهم جيّداً أنّ أنسي الحاج يعي تماماً أنّه لا يعبّر عن استسلام للحياة بل مراد القول بعد اختبار طويل، ومعاناة وجدانيّة قاسية، ورحلة ألم مضنٍ، إنّ الإنسان معنيّ وحده بحياته. وإن أراد أم لم يرد وحده يخوض غمارها، ووحدها، أي الحياة تأخذ منه أكثر ممّا تمنحه. (هذا الوقت الضّائع الّذي كان تحت يديك، بين شفتيك، ولم تتحرّك لأخْذه.).

لعلّ الوقت الضّائع بحسب أنسي هو ذاك الولوج في القلق المعرفيّ، في أسباب الوجود والرّحيل، في أهميّة القرار أو اللّا قرار. وقت ضائع لأنّ الاختيارات والقرارات أقلّ بكثير من الواقع المفروض عنوةً. (أيّها الدّاخل في غير دوره، الخارج من غير بابه، النّزف بلا دمّ، أيّها الحامل أسرار الهباء إلى ملكوت الغياب).

الأسرار لا تنكشف للإنسان هنا، والمراحل الأخيرة، على عتبة “العدم المحرّر” ليست سوى تلمّس لها. فالحقيقة لا تتجلّى واضحة في عالم المادّة وإنّما هذه الأسرار الوجوديّة سترافق الإنسان وهو يغيب مودّعاً قلق العالم وضوضائه.

الوقت الضّائع/ الحياة مرحلة الاختبار الحارق، والألم المحيي وإن جهل الإنسان أهميّة هذا الألم. هو السّر المحتجب خلف ستارة الحقيقة، ومهما بلغ الإنسان من معرفة، ومهما انكشف له الغيب واستنار عقله وانفتحت بصيرته يبقى عند حدود التمتمات.

وأمّا السّكينة والاطمئنان، ففي المكان المهيّأ للقيمة الإنسانيّة، حيث “الحياة/ الوقت الثّمين”. “ستذهب إلى مكان تُسمع فيه روحك أكثر. ينتشر غيابك في قيلولة السّكون ملغياً حسّ الحدود. من كان يهدي قد يبطل هادياً ولكنّ من أحيا سوف يظلّ يُحيي. فتح فجوة يدخل منها هواء عدم محرّر” (2).

لا تعليقات

اترك رد