الخراب العادل


 
الخراب العادل.. للكاتب حسن متعب #سفر_الاصلاح #العراق

وبعيدا عن السيناريوهات للحروب والصراعات المتوقعة في العراق والمنطقة بعد تحرير الموصل، فالكثير منا يعتقد ان العراق بعد التحرير لن يكون كما هو عليه الان، ذلك ان السياسة الاميركية قائمة على ان حل اي أزمة في العراق يجب ان يخلق مشاكل وأزمات اخرى سواء كانت هامشية او كبيرة، الى حد افراغ الحل للمشكلة الاساسية من فحواه وتمييعه بما هو أمر واقسى، مثال ذلك ان تحرير الفلوجة والانبار كان الهدف منه اولا انهاء التظاهرات والاحتجاجات التي تصاعدت بشكل ينذر بالخطر ضد الفساد، وثانيا تحرير المدينة من سيطرة داعش، وكان النجاح فيها واضحا، ولكنها خلقت ازمة اكبر ومعاناة اقسى لمواطني الفلوجة والانبار، واظهرت جانبا لم يكن مرئيا في النسيج الاجتماعي العراقي قد يمكننا تسميته بـ(جسر بزيبز)، فلم يكن يخطر ببال اي مواطن في الجنوب او الشمال والوسط ان عائلة نازحة بسبب اعمال حرب حكومية لايمكنها عبور هذا الجسر والانتقال للعيش في مكان آمن الا بوجود كفيل، في حين كان يمكن للايراني تحديدا دخول اي محافظة عراقية وبكل بساطة، وربما لايحتاج الى جواز سفر في بعض الاحيان، وهكذا شهد جسر بزيبز المنسي تاريخيا وجغرافيا معاناة الاف من البشر نساءا واطفالا وشيوخا امتدت لاسابيع، دون ان تثير لدى الاخرين من ابناء الشعب الواحد مشاعر المواطنة والاخوة والانسانية، بل ان الكثير من العراقيين كانوا مقادين بحقد اعمى لم يمكنهم من التمييز بين المواطن المسالم والارهابي المجرم، مع انتهاك واضح للطفولة والبراءة والانسانية، وبذلك انتهى نصر الفلوجة والانبار الى معاناة اجتماعية وانسانية تتمثل بالنزوح وبالتدمير الهائل لممتلكات المواطنين الشخصية وللبنى التحتية للمدينة، وبشعور لدى النازحين بالاغتراب في وطنهم، وان ابناء جلدتهم لم يمدوا يد المساعدة والعون لهم في وقت حاجتهم، وايضا الى معاناة حكومية كبيرة تتمثل بعدم القدرة رغم المعاونة الدولية لاعانة هؤلاء النازحين وضمان حياة كريمة لهم، ومن ثم مسالة اعادة اعمار تلك المناطق التي ستاخذ من المال والجهد والفساد والفشل الشيء الكثير، هذه الصورة ستتكرر وبشكل اشد قساوة حين تبدأ عمليات الموصل، وحينها سيجد المواطن الموصلي نفسه داخل سياج من نار، وان عبور هذا السياج سيؤدي الى جحيم اخر، وسيكون مفترق طرق في حياته وفي مواطنته، فالمسيحي والايزيدي والشبكي ان كان يروم النزوح فانه سيتجه الى الكرد حتما، ففي ذهنه ترسخت صورة تعامل الاسلاميين معه ونظرتهم الدونية اليه، اما العربي فان كان ينشد الحماية من الجيش او من الميليشيات التي تتعاون معه فانه سيتذكر جسر بزيبز، ويعرف ايضا الصورة المأساوية لوضع النازحين الذين سبقوه من اهالي الفلوجة والانبار، ولكنه سيفر تلك اللحظة الى حيث تاخذه قدماه بعيدا عن الموت، وهو يعلم او دون ان يعلم، ان رحلته تلك ستاخذه بعيدا جدا عن كل ما مضى من حياته، فلا بيته سيبقى بيته، ولامدينته ستكون كما هي، ولم يعد لديه سوى الذكريات، وسيعيش غريبا في وطن عاش اباؤه واجداده فيه..

ما يهم بعد كل ذلك ان ننتبه الى نقطتين مهمتين متصلتين ببعضهما، الاولى تجاهل سيناريوهات الصراعات المحتملة والتي تداولتها بعض الصحف والمجلات نقلا عن مصادر استخباراتية او معاهد ابحاث سياسية، للصراع الشيعي الشيعي، وثانيا ان توزيع التدمير والخراب خلال فترة ما بعد الاحتلال والى الان، لم يكن عادلا ومنصفا، بل كان متناقضا تماما، ففي الوقت الذي شهد فيه الجنوب والوسط توقفا تاما في حركة البناء والاعمار، تسارعت تلك الحركة في مناطق كردستان مما خلق شعورا كبيرا لدى المواطن الكردي بالتفوق والافضلية عزز بشكل واضح دعوات الانفصال والاحساس لديه بعدم الانتماء لوطن مشاكله واحزانه اكثر بكثير من خيراته وسعادته، في نفس الوقت عانت فيه المناطق الغربية من تدمير شبه كامل للبنى التحتية والى موجات نزوح بشرية متعاقبة، ومآسي ومعاناة متواصلة، هددت بالصميم الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي العراقي وجعلت المواطن السني يشعر وكانه معاقب او انه مواطن من الدرجة الثانية، هذا التفاوت في الخراب لايعطي للمتفائلين امكانية رسم صورة طيبة عن المستقبل ما بعد تحرير الموصل، فالمتفائلين ربما ينسجون في خيالهم صورة سلام واعمار وتنمية شاملة للمناطق السنية المدمرة بعد تحريرها، مؤمنين ربما بالوعود التي تطلقها الحكومة او بعض القوى الدولية المتورطة بالعراق، ولكن السؤال الذي ينهي هذه الصورة هو: لماذا اذن لم تكن هناك حركة اعمار وتقدم في المناطق الجنوبية التي لم تشهد حروبا وصراعات مدمرة كالتي حصلت في الانبار والموصل وصلاح الدين وديالى وغيرها؟..اما السؤال الاهم، والذي يقود الى فكرة محدد في كل ما سبق وهو: كيف تغاضت أميركا، بل وشجعت احيانا هذا الانتشار الهائل للميليشيات الشيعية التي وصل تعدادها بحسب اعترافات رئيس الوزراء لاكثر من مئة فصيل؟..

قد يعتقد البعض ان كثير من هذه الميليشيات ستحل وينفرط عقدها بعد تحرير الموصل، وربما سيدمج عناصرها في الجيش، وهذا احتمال متوقع ولكنه لن يشمل الكل لارتباط بعض الميليشيات باجندات وإرادات خارجية وداخلية، والتي سيطالب قادتها بامتيازات وحقوق تتناسب حسب اعتقادهم مع الجهود التي قاموا بها في اعمال التحرير او مع حجم وسطوة ميليشياتهم، مع ملاحظة ان هناك من قادة الميليشيات من سيطمح ان يكون صورة مكررة لمقتدى الصدر وهادي العامري، في امتلاك عدد من الوزراء والنواب والسفراء والمدراء العامين في الوقت الذي يجلس بمحرابه في النجف او كربلاء او قم متحكما بالمال والسلاح والسلطة، فلا احد من العراقيين يمكنه ان يتوقع ان يكون قيس الخزعلي او اوس الخزرجي وزيرا للصناعة او للتجارة او حتى للدفاع والداخلية، ولكن كل هذا ممكن في ظل المحاصصة السياسية والعملية الانتخابية القادمة التي ستزج بهؤلاء وغيرهم الى البرلمان والوزارة، ناهيك عن ان الكثير من الوزراء والسياسيين الموجودين حاليا ليسوا افضل من هؤلاء، وهذه النقطة بالذات ستكون اشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير، فمع تمدد هذه العصابات والميليشيات وانتهاء انشغالها الحالي باعمال التحرير، ستبدأ اعمال المنافسة والصراع بينها لضمان مراكز اعلى للقوة والسلطة، خاصة اذا ما حددنا ثلاثة توصيفات لهذه الميليشيات وهي: ان بعضها تتبع ولاية الفقيه الايراني، وبعضها يتبع مرجعية النجف، والبعض الاخر يلعب على كل الحبال ويتعاون مع اية جهة تقدم له ما يريد حتى ولو كانت اميركا، مع الاشارة الى ان اميركا لديها من الوثائق والادلة الكثير عن انتهاكات وجرائم ضد الانسانية ارتكبتها عناصر ميليشيات وعصابات كثيرة في اعمال تحرير الفلوجة والانبار وصلاح الدين، مما يجعل بعض قادة الميليشيات تحت رحمتها، ولعل اشارة المبعوث الأمريكي لدى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش (بريت ماكجورك) في كلمته على هامش اجتماعات الأمم المتحدة السنوية لزعماء العالم يوم الاربعاء 21/9 دليل على مانقول، اذ شدد على ضرورة عدم حدوث تلك الانتهاكات في عملية تحرير الموصل، اضافة الى كل ذلك علينا ايضا ان ندرك ان هذه الميليشيات لن تقبل مطلقا بالتجرد من سلاحها على تنوعه من خفيف ومتوسط وثقيل، ووجود هذا السلاح على الارض يدفع دائما للتهديد به أو استخدامه، وقبل ذلك يتوجب خلق عدو وارض معركة، وليس هناك سوى الاكراد بسبب اطماعهم التي ستشتد بعد تحرير الموصل، وايضا الاطراف الشيعية المنافسة على السلطة والثروة..

الحروب والصراعات المحتملة اذن هي عملية توزيع عادل للخراب والتدمير، الذي لابد ان يشمل كل مناطق العراق وليس المحافظات الغربية فقط، ولعلنا سنشهد لاحقا عمليات نزوح جديدة بعضها تجاه ايران، وبعضها تجاه العرب السنة وتركيا ايضا.. فخراب الموصل والانبار دون خراب البصرة يعني فشل السعودية وتركيا والخليج في ادارة صراعها مع ايران على ارض العراق وسوريا واليمن، وأيضا ليس من وسيلة افضل لاستنزاف وانهاك ومعاقبة طهران افضل من توريطها بحرب شيعية وبامتياز.. عدم اكتمال الخراب يعني ان اركان الكارثة العراقية لم تكتمل بعد..

لا تعليقات

اترك رد