النهضة والدرك الأسفل للسياسة العربية

 
النهضة والدرك الأسفل للسياسة العربية.. للكاتب حسام كصاي

لقد عانى العرب كثيراً من تحقيق نهضتهم المنشودة, او ربما المستلبة بفعل فاعل, او بسوء تصرف, فيما كان العرب مالكين لرأسمال المال الحضاري للنهضة العربية ولكل المواد الاولية لبناء دولتهم السياسية سواء دينياً (دولة خلافة/إمامة), أو مدنياً (دولة وطنية, قومية, علمانية, ليبرالية, اشتراكية, ماركسية….) لو لم يفرطوا بتلك القيم والمكتسبات.

فالسياسة اليوم هي مأزق العرب وكبوتهم، والتي أخطأت حتى في تحسين شروط العيش للفرد والمجتمع, لأنها كانت دوماً تقف إلى جانب الحاكم على حساب المحكوم, نظراً لغياب الأطر الديمقراطية التي تحدد شروط إقامة العلاقة بين الحاكم (النخبة) والمحكوم (الشعب), ولأن الأمر يحتاج إلى قوة وشجاعة وتضحية وبسالة التي لم يفتقر لها العرب, وإنما افتقارهم للتفكير المنطقي السليم, وللعقل المُتحرر من كل قيود الخُرافة والتبعية والابتداعات الفجة, حتى يتمكنوا من بناء منظومة سياسية عملية تخدم مشروع الدولة العربية لا تتأكل في ثرواتها كما هي عليه السياسة العربية اليوم.

فالعرب لا تنقصهم الشجاعة والتضحية في مواجهة التحديات التي يفرضها عليها النظام العالمي الجديد أو الظروف القاهرة, والدليل إنهم ناضلوا وجاهدوا الاستعمار في أصعب ظروفهم حتى طهروا أراضيهم بالقوة الممكنة, لكن مشكلة العرب هو القرار, فأنهم بحاجة الى جرأة للحسم القضايا العالقة بقرار هام وجرئ, فهم دوما _ سواء كانوا نخب ام جماهير _ يراوحون في مكانهم حائرين بين الخيار الأول ام الثاني ام الثالث, دون التوصل الى حل يرضي جميع الاطراف العربية, او يبلور إجماعها القومي او الديني أو السياسي.
فلهذا كانت قضية “عدم الحسم” أحد ابرز خصائص وصفات الفكر العربي المعاصر, فرغم ما قدمه العرب من بناء وعمران وتقدم قياساً بحضارتهم وتاريخهم ومجدهم العريق فيمكن القول بأنه كان بناءاً متواضعاً وبسيطاً لا يرتق لمستوى العرب ومكانتهم في الحضارة والتراث القديم, بمعنى أن العرب كانوا جبلاً من الحضارة لكن أنجب فأراً من النهضة!

فما ينقص العربي ليس التسييس، فهو عنصر جاهز ومعد للتسييس الكامل, لكنه ما ينقصه الفهم والوعي السياسي, والخبرة السياسية التي تجعل منه عنصراً فاعلاً في المجتمع لا عنصر مُغيب, أو مجرد مريد أو محسوب في تكية المشعوذين من الحركات العربية الراديكالية ذات المد العنفوي, فكل شيء عندنا في العالم العربي مُسيس إلا السياسة ذاتها لم تكن مسيسة, بمعنى السياسة التي هي فن الممكنات, وفن التعامل مع الواقع وفق المعطيات الموجودة في الساحة العربية السياسية والفكرية, فلم تنجح للآن لا النخب الحاكمة ولا الجماهير المحكومة ولا الحركات السياسية في التعاطي مع معطيات الحال والتقديرات الزمانية التي طرأت على المجتمع والفكر والعقل العربي بما يحقق سعادة هذا المجتمع ورفاهيته وزهوه وعمرانه, ولأن الغاية من السياسة هو تحقيق السعادة للجميع, فأن عجزت عن تحقيق ذلك حلت عليها اللعنة ووجب إبدالها بسياسة اكثر ديناميكية تتماشى مع ظروف ومتغيرات العصر, والسياسة بحقيقتها شيء على بعد امتار من القداسة أو الفضيلة على أقل تقدير لكن اريد لها ان تلعب دور المومس الأجيرة في حانة السكارى وقصور البغاة.

فالسياسة ممكن أن تكون مؤمنة وممكن أن تكون ملحدة وممكن أن تكون وسطية حسب استعمالها وحسب موقعها من المصلحة والمنفعة وفقا للقائمين عليها من حيث درجة نزاهتهم وعفتهم من عدمها, والسياسة العربية دوماً تسير, كالسيل في أخرة رملية دوماً باتجاه الانحدار, لأن القائمين عليها مذ انتهاء فترة الإسلام المبكر وبروز ظاهرة “الملك العضوض” الى يومنا هذا هم طُلاب سلطة لا طُلاب ايمان أو منفعة عامة, فلو ينحدر وضعنا على هذه الفرضية كل عام شبراً واحداً نحو الأسفل ففي أي معترك نحن به الآن, وفي أي درك اسفل تقيم سياستنا العربية اليوم!

سلاماً على نهضة العرب، .. والعقل المُلتحي يزداد طولاً بلحيتهُ!!!

لا تعليقات

اترك رد