التسامح عند العرب بين الفكر والعمل


 
التسامح عند العرب بين الفكر والعمل.. للكاتب نبيل علي صالح #منبر حر #سوريا

إن المبدأ الأساسي الذي تنطلق منه “قيمة التسامح” مع الآخر، وقيمة الحرية، حرية الاعتقاد، وحرية الفكر، (والذي يصل إلى درجة الواجب الأخلاقي والشرعي) هو مبدأ التكريم الإلهي “للإنسان-الخليفة”، خليفة الله في الأرض، الذي يفضي إلى ضرورة العيش الوجودي في الظلال الوارفة لقيم العدل والرحمة والمحبة والعفو والتسامح والحكمة والموعظة الحسنة والحرية، وعدم التفريق بين الرسل (ضمناً بين الديانات، بما يعني حتمية القبول والتسامح).. والوارد في آيات عديدة:

“إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..”(سورة البقرة: 30)..

“وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَم..”(سورة الإسراء: 70).

“ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”(سورة الأنبياء: 107).

“وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ”(سورة النور: 22).

“ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”(النّحل: 125).

“لَاْ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ”(سورة البقرة: 285).

“فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ”(سورة الكهف: 29).

فالخليفة (الإنسان) المستخلَف والمستأمَن بناءً على عهد وميثاق الأمانة (أمانة الإعمار والبناء الحضاري الراسخ والمتين)، يجب أن يكون وعيه وسلوكه صورة ناصعة ووجهاً مشرقاً يعبر عمن استخلفه (وهو الخالق)، في العلم والمعرفة والقدرة

والتسامح والحكمة، أي في تمثُّل صفاته وقيمه الذاتية حسب قدرته واستطاعته وكماله الممكن له.. فالله عادل، ولهذا مطلوبٌ من الإنسان (الخليفة) أن يتمثّل ويعيش قيمة العدل في حياته الخاصة والعامة، والله تعالى عفوّ غفور متسامح، ولهذا يجب على الإنسان أن يكون متسامحاً وعفوّاً في حياته وأفعاله ومختلف شؤونه.. وهذا ما ورد في قوله: “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ”(الانشقاق: 6).. والكدح هنا كناية عن المشقة والتعب والمعاناة في تحصيل الأشياء.. أي أن تمثُّل قيم وصفات الخالق على الأرض في حياة الإنسان ليس أمراً يسيراً وسهلاً، فدونه عمل وكدح ارتقائي متواصل نحو الله، الكمال المطلق..

كما وجاءت في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي، روايات وأحاديث ونصوص كثيرة تتحدث عن الحرية والتسامح، ورفض الانغلاق والعصبية (كقيم سلبية مقابلة للحرية والتسامح)..

يقول الرسول الكريم(ص): “من تعصّب أو تُعصِّب له، فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه”1.

وقوله: “إن الله رفيق يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”2.

وقوله: “الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله،أحبهم إلى خلقه”3.

وقول الخليفة عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”4.

وقول الإمام علي:”لا تكن عبداً وقد خلقك الله حراً”5.

بما يعني أن القيم والمبادئ الإنسانية في الدّين تتقدّم (من منظور العدالة والحق) على كل المعايير (العرفية) الأخرى، أو الانتماءات التقليدية ما قبل وطنية القائمة على العصبية والانتماء الاجتماعي والديني والقومي والاتني وغيرها..

وبطبيعة الحال، الإسلام لا يقف على طرفي نقيض مع هذه الانتماءات التقليدية، أو أنه يمنع الإنسان من أن يتعاطف شعورياً مع قومه أو أهله وأبناء جلدته، بل يعني ضرورة أن يعقلن المسلم انتماءه القومي أو الاتني أو المذهبي، يعقلنه ويؤنسنه، وأن يكون مع قومه ولكن من دون أن يتعصب لهم، أو يُعينهم على الظّلم في حال كانوا ظالمين.. ولهذا فعندما تقترب العصبيّة من المبادئ، فلا بدَّ من أن تتأخر العصبيّة وتتقدّم المبادئ.

إذاً نحن أمام كمّ كبير من النّصوص الدينية الصريحة والمواقف التاريخية الصارخة في تأكيدها على قيمة التسامح وأهمية الصفح والحرية في الاعتقاد، بلا قهر ولا قسر ولا عقد ولا ضغوط، وبلا أية شروط أو قيود.. فالإسلام دين يسر لا عسر، وهو جاء لخدمة الإنسان، وتيسير سبل وجوده وعيشه الآدمي الإنساني، وليس الضغط عليه بما لا يطيق أو يحتمل.

وأما على صعيد السّلوك والممارسة التاريخية لفكرة وقيمة التسامح، ففي هذا تباين واضح، واختلاف معايير وأحوال ومستجدات تتبع للظروف الاجتماعية والسياسية التي حكمت واستحكمت، وهيمنت من خلالها عادات وأعراف اجتماعية ومعايير حكم سياسية لا قِبَل للدين بها، ولا علاقة لها البتة بالفكرة أو النص الديني المؤسّس القائم على “حرية الاختيار” و”هدفية القصد”.. فقد وجدنا في تتبعاتنا التاريخية أن المسلمين عموماً كانوا -على مر التاريخ- متسامحين مع غيرهم ربما أكثر من تسامحهم مع أنفسهم وفيما بينهم، وحتى عندما هاجر الكثير من المسلمين إلى بلاد الغربة لم يربكوا حياة الآخرين، بل عاشوا معهم، وتكيّفوا مع عاداتهم، أي تعايشوا معهم بشكل طبيعي جداً.. أما المؤسسات الدينية الرسمية التي حكمت بالتكامل والتعاضد مع المؤسسات السياسية (خلافة وسلطنة وإمارة ووالخ) فقد كانت على العموم مؤسسات جهازية وظيفية أداتية اشتغلت بالتّقليد والعرف (والمزاج الحاكم)، ولم تتحرك أو تحكم بالعقل والتجديد،فجاءت مقولاتها “الفتوائية” مزاجية رغبوية ذاتية، لتعبر عن مصالح رجالات الدين ومطامع السّلاطين والزعامات السياسية الزمنية.. وما زال هذا النهج قائماً ومهيمناً حتى لحظتنا الراهنة، على اختلاف الظروف والأوضاع والأشكال والمقارنات..ولنا

أن نلاحظ كيف دفعت سلوكية العنف والقتل والإرهاب المنظم (لكثير ممن يدعون تمثيل الدين والتبشير به) دفعت الناس دفعاً للبعد عن الدين، وهجر الإسلام، والارتماء في حضن الأفكار والتيارات والقوى المضادة للدين، ومنها أفكار ومذاهب وتيارات الإلحاد على اختلاف توجهاتها.. أي أن كثيراً من الناس رفضوا الدين من أساسه، بما يعطينا فكرة هنا عن أن المشكلة ربما ليست قائمة أو كامنة في الملحد ذاته، بل المشكلة هي في سلوك كثير من التنظيمات الإسلامية، وأعمالهم (الشنيعة) البعيدة اليوم عن روح الإسلام ومعناه “التسامحي” المنفتح.. ولهذا فالملحدون في عصرنا وفي الماضي ألحدوا بأخطاء وجهل وغباء رجال الدين.. ولم يلحدوا بالدين الصحيح لو توفّرت لهم ظروف معرفته الصحيحة.. فلو وجد علماء الدين الذين يفهمون الدين بروحانيته وحكمته وعقلانيته وواقعيته وصوابه، لربما رأينا الملحدين يسابقون المؤمنين إلى الإيمان الحقيقي، إيمان العلم والوعي والمسؤولية.

ولكن، وبغض النظر عما قام (وما يزال يقوم) به كثير من المنتسبين للإسلام، من مدّعي تمثيله، (نخباً وتيارات وجماعات دينية مسيّسة) يبقى هذا الدين (في عمقه وجوهره الروحي والمفاهيمي) دين التّسامح والرّحمة والمحبة6، دين العدل والأخوة والإنسانية، ويدعو في كلّ أحكامه وتعاليمه وتشريعاته إلى نبذ العنف والتطرّف والعصبيات، وإحقاق الحق وبناء الحياة البشرية على ثقافة الحوار والحرية والسّلام الفردي والمجتمعي، والالتقاء على كلّ معاني الخير والعطاء، وتقدّم البشريّة نحو الأفضل على المستوى المادي والمعنوي، فكل ما يطوّر حياة الناس ويجعلهم أفضل وأرقى فكراً وسلوكاً هو أمر من صلب التفكير الاعتقادي الإسلامي. وكل ما يؤذيهم ويفرّقهم ويؤسس للعداوة والتفرقة فيما بينهم هو أمر خارج نطاق التفكير والمبادئ الإسلامية الأصيلة.

لا تعليقات

اترك رد