ساحرُ الحجر


 
ساحرُ الحجر.. للكاتبة د. اسماء غريب #مرفأ_السلام #المغرب
لوحة للفنانة د. اسماء غريب

أنا ساحر الحجر وكاهنه، أناملي تلمس الصخر والرمل والخشب فتجعلُ منه تماثيل لأجساد بشرية تحار العين في كمالها ودقتها وتفاصيلها المطلقة. أنا العارف ببذرة الماء والنار في الحجر الأصم، أخلقُ الكمال كي أعوّض به عن الشّوه الذي تغرق فيه حياتي وحياة الناس من حولي. هكذا كنت مُذ رأيتُ النور في قرية البلّوط. كان أبي فلاحا بسيطا، ووالدتي ربّة بيت تقضي صباحها في المنزل وظهيرتها بين الحقول، أما أنا، فكنتُ حتّى سنوات الصبا الأولى الطفلَ الراعي لقطعان خرفان الأُسَرِ الغنية بقريتي، وتحت فيء البلوط الشامخ كنت كثيراً ما أجلس وقد جمعتُ بعضاً من أغصان الزيتون والعرعار لأضعها بين أناملي الصغيرة وأتركَها تخلقُ منها ما تشاء من أدوات وتماثيل خشبية صغيرة. ومّرت السنون بي سريعة وعندما كبُرت هجرتُ القرية والخرفان وأغصانَ البلوط والعرعار والزيتون، ثُم قصدت المدينة وهناك صرتُ نحّاتا عارفا بخبايا الحجر والطين واللون، ورسّاما تتسابق على أعماله كُبريات الكنائس والمعابد وكبار رجال المال والسلطة.

هكذا عشتُ حياتي، مقتنعاً بألوهيتي وقدرتي على الخلق، إلى أن التقيتها ذات يوم في رؤيا فجريّة، عابدةٌ وهبت حياتها لزرقة النور وبرودته، حدثتني بعين باكية عن الله، نعم عن الله، أنا، ذاك الذي لم يؤمن يوما بوجوده !

قلتُ لها إن الله خرافة من صنع البشر، إلّا أنّها أجابتي بأنني أنا الخرافة التي لم تحدُثْ في تاريخ بشر، خرافة تصنع الجمال بقُدرة الخالق البديع الأكبر، وقبل أن تختفي وسط نور كثيف خاطف وعنيف، عانقتني ونحتت لي في الفضاء تماثيل من زجاج أزرق شفاف!

استيقظتُ وصورتها عالقة بذهني، قصدتُّ بعد ذلك مَنْحَتِي علّني أجد فيه ما أُروّح به عن نفسي، إلاّ أنني ما إن دخلتُه حتى ساورني إحساس غريب من الملل واليأس ممّا كنتُ أعيش وما أزال بداخله من ألوان قاتمة، هكذا وبدون سابق إنذار اكتشفتُ أنني كنت لا أنحت سوى لون الخشب البنّي بكلّ تدرجاته، والحجر الأصفر الباهت، وهالني كيف أنّني رضيتُ في حياتي بكلّ هذا البرود، وهذه الصفرة! وظننتُ لبرهة أنني ربّما أستطيع تغيير كل هذا عبر إعادة تلوين الكلّ بالأزرق، إلا أنني لم أفلح أبدا. وهيهات هيهات أنْ أصلَ إلى كمال مُلهمتي وزُرقتها وصفائها. لاغرو أنّ وراء بهائها هذا، شيء أكبر من كلّ طاقة وتخيّل، شيءٌ ما زلت لمْ أدْرِكْ كنههُ بعد، أو شيء مازلتُ أقاوم بقوة رغبةَ الوقوف على سرّه.

آه كم يؤلمني هذا الصقيع بداخلي، وكم يحيّرني هذا الجمود الذي أصاب أصابعي مذ رأيتك يا ملهمتي الزرقاء. لقد توقفتُ عن النحت والرسم ولم يعُدْ يكبُر فيّ سوى أناي، ذاك التمثال الكلسي العنيد العصيّ. ابيضّ شعري وسقطتْ أسناني وتقوّسَ ظهري واختفيتِ أنت عن ناظري، فلماذا كلّ هذا الجحود والعصيان يا مُلهمتي؟ أينكِ وأين أيّامك وسماؤك وضياؤك الأزرق؟

* أنا هنا، أقيم بين أصابعكَ وفوق جلدكَ وعلى شفتيك وفوق لسانك، ومنذ الآن سترى كيف أنهم جميعا سيُصَلّون ويعبدون خالقهم في كل آن وحين ولن تستطيع لهم إيقافا!

* مابكِ يا أصابعي؟ وما بكِ يابشرتي ترتعشينَ هكذا عند حلول وقت كلّ صلاة؟ وما بكَ يا لساني تلهج باِسم الرّحمن في كل حين وآن؟ وما بكَ يا قلبي تصلّي بدون انقطاع؟ ألا تعلمين ياجوارحي أنني لا أومن بالله؟ فلمن تصلّون وباِسم من تلهجون؟

مالذي أصابكم؟ ومابكُم لا تتركونني أنام أو حتى أغفو؟ هل عليّ أن أقوم معكم، أن أصلّي كما تصلّون وأسبّح كما تسبّحون؟ لا أريد، نفسي ترفض كلّ هذا ولا تفهمه، أنا الذي كبرتُ في بيت لا يؤمن فيه أهله إلا بالطبيعة وقدرتها، وبالدهر وجبروته، فما بي أراكم تخذلونني، ثم ما بي أراني لا أستطيع لكم إيقافا؟

* وهل تراك ياصاحب الجسد الذي نقيم فيه، تعتقد أنه ثمة شيء في الوجود لا يخضع ولا يسجد لله العزيز الحكيم؟ أنسيتَ أننا سنكونُ على البشر شهداء؟ نعم، نحن الأصابع والأرجل والأيدي والأفواه والأعين وكلّ شيء في جسدكَ يا ابن آدم. فقد تكفرُ نفسُك، وقد تلحد نعم، إلّا جسدَك ومايحوي من جوارح، هي هكذا، لا تستطيع ذلك وإن أجبرتها على ارتكاب المعاصي، لأنها وإن فعلتْ ذلك، فإنها لا تقوم به إلّا لتكون عليكَ من الشّاهدين وليس لأنها توافقك المعاصي والذنوب.

* من أنتَ؟ من أنتَ يا من تسجدُ وتسبّحُ له الأيادي والأرجل والألسنة وكلّ شيء؟ ماذا حدث؟ لمَاذا تصمتين يا تماثيلي ويا منحوتاتي ولوحاتي؟ فلا أنا اليوم صاحب صحّة وجاه، ولا أنا قادر على نحت المزيد منك، فأنت لاتكترثين لي، ولا تمنحينني زرقة الوجود وصفاء الرّوح. ماأنتِ إلّا أحجار صمّاء وأخشاب مسنّدة نحتُّها في يوم ما بكل دقّة وفنّ ونقص ظننتُه كمالا، وهذه أصابعي العابدة اليوم، تريدني على غير العادة أن أنحت أشياء أخرى، أصابعي هذه وجوارحي التي تصلّي ليلا ونهارا، لإله لاأعرف عنه شيئا.

أنا أخاف في قبر الأشباح هذا. ما هذا البرود وما هذه الوحشة، كم عليّ أن انتظر؟ لماذا تظلّين هكذا واقفة يا تماثيلي، ألا ترين كيف أن الأصابع التي نحتتكِ تنهض فجرا كيْ تصلّي، وتسبّح وأنا لاأستطيع لها شيئا، لم لا تصلّين أنت أيضا يا منحوتاتي، لم لا تركعين؟

منْ تراك تكونُ حقا حتى تعبُدَك أصابعي وتسجُد لك جلدتي وتبكي لك عيناي بالليل وبالسحر؟ من تكونُ يامنْ يبكي لهُ كلّ هذا الجسد ولا تبكي لهُ نفسي؟ فمن أنتَ؟

آه، كم أشتاق إليك يا إلهي، يبدو أنّك تليق بالربوبية، فمتى أحظى بالقرب منك؟ لا بدّ أنّك فائق الجمال، حتّى أضحت أصابعي تأبى نحت صفرة الحجر وسواد الخشب، لا بُدّ أنكَ بديع لدرجة أنّك أرسلتَ إليّ مُلهمةً تنحتُ الجمال الغارق في الزرقة البهية، الزرقة التي هزمتْ براعتي وفنّي وغروري. لا بُدّ أنك أنت البديع الظاهر والباطن، والفنّان الأول والآخر، ذو الألوان البهية والتعابير الخلابة والخلاّقة. فأينني منكَ يا خالقي، يا معبودي ويامعشوقي. وأينني منكِ يا مُلهمتي الزرقاء ومن طيور جنانك البهية. لا أطيقك بعد اليوم يا تماثيلَ الماضي الأصمّ، سأكسِّرُكِ وأكسّر البرودةَ فيك وسأشعلُ لهبا أزرق صافيا بهذا القلب وبهذه النفس التي عادت إليها الحياة، ومن اليوم وإلى ماشاء الله، سأسجدُ كما سجدت أصابعي وسأسبحُّ كما سبّح لساني في الأزل، وسأرسمُ زرقة الأرواح الشفافة وأنحتُ أجمل آيات التجلي فوق البرَد والزجاج الأزرق. فلتباركني ياربّي ولتبارك الحياة التي تفجرت اليوم بدواخلي، ولتأتيني يا مُلهمتي في كل يوم وساعة فوق بُراق من الألوان والأنوار

لا تعليقات

اترك رد