مذكرات من عمان

 
مذكرات من عمان.. للكاتب غسان العسافي #نقطة_ضوء

منذ سنوات، و لأسباب عديدة لم أقم بسفرة طويلة و بعيدة خارج بلدي الثاني نيوزيلاند، منها مشاغل العمل، و منها بعض الظروف الصحية و العائلية، و الحمد لله أتيحت لي الفرصة لزيارة كل من الأردن و الإمارات في جولة أمدها ثلاثة أسابيع أو أكثر قليلا، و كان برنامج هذه الجولة حاشدا و حافلا بالعديد من الإلتزامات و اللقاءات العائلية أولا، و بعض من الأمور المتعلقة بالعمل، و كان مقررا أن آخذ إجازة عن الكتابة و المتابعة و التعليق للعديد من الصفحات و المواقع التي أهتم بها، ليس إختيارا بالكامل لكنه إجبارا تقريبا نظرا لضيق الوقت و التنقل المستمر، لكن بعد أيام من وجودي في عمان تكونت لدي مجموعة من الملاحظات و الأفكار التي وددت أن أشاركها قرائي، و فعلا بدأت الكتابة و لو بشكل متقطع، و أنهيت الموضوع خلال أيام، و قبل لحظات من الموعد الذي وضعته لإرساله للنشر في موقع الصدى نت، شاءت الأقدار أن أقوم بعملية خاطئة على جهاز الآيباد الذي كتبت عليه الموضوع، و الذي كما هو معروف لا يحوي كل الخدمات و التسهيلات اللازمة للكتابة و الحفظ و غيرها، مما أدى إلى إلغاء الموضوع و مسحه بالكامل دون أي مجال لإعادته، مما إضطرني أن أؤجل عملية إعادة الكتابة لتكون على جهاز الكومبيوتر الخاص بي، دون المغامرة مرة أخرى، و سأحاول بقدر الإمكان إسترجاع أكبر قدر ممكن من المعلومات و الملاحظات التي ذكرتها و وضعتها في المحاولة الأولى لكتابة الموضوع ..

للأردن طعما خاصا، و علاقة خاصة مع العراق و العراقيين عبر التاريخ الحديث بشكل خاص، هذه النظرة ترسخت و تأكدت خلال زيارتي هذه للأردن، و ما وجدته من ترحيب و علاقات خاصة بين البلدين و الشعبين، حتى أن كثيرا من الأخوة الأردنيين سرعان ما يغير لهجته إلى اللهجة العراقية التي كما يبدو يجيدها الكثيرون هناك، فقط لتسهيل لغة الحوار و التخاطب مع العراقيين ..

خلال زيارتي هذه للأردن و لقائي بعدد من الأخوة و الأخوات، علمت أن الأردن في وقت ما تحمل عبئ حوالي ٣ ملايين من العراقيين كضيوف إضطراريين على أرض الأردن المباركة، و أن الأردن و قيادته بذلوا جهودا إستثنائية لإستيعاب هذا العدد الكبير و تسهيل أمورهم و توفير إحتياجاتهم بالرغم من شحة الإمكانات و الموارد، و كما يقال أن العدد الحالي للعراقيين يصل إلى حوالي ١٥٠ ألف شخص بعد أن غادر من غادر، و عاد من عاد، و هاجر من هاجر، و لجأ من لجأ، و هكذا ..

و الحقيقة تفاجأت عند وصولي عمان بالعدد الكبير من الأصدقاء و الأهل و الأقارب هناك ممن إنقطعت أخبارهم عني طوال هذه السنوات، حتى أن البعض منهم لم يسعفني الحظ للإلتقاء بهم، و هنا أكرر إعتذاري منهم، و أعدهم بزيارة قريبة و لقاء قريب بإذن الله تعالى ..

ليس العراق و العراقيون وحدهم من وجدوا ترحيبا و نزلوا ضيوفا لدى الأردن، فللسوريين قصة جديدة تحكى في هذا المجال بعد الأحداث الدامية التي تشهدها بلادهم منذ سنوات، فهناك آلاف مؤلفة من السوريين ممن إضطرتهم تلك الأحداث للهجرة، و وجدوا في أرض الأردن الكريمة ظالتهم، و حسب علمي هناك اليوم مئات الآلاف من المهجرين السوريين هناك، و كما أشرنا فأن ظروف الأردن المالية و الإقتصادية تجعلهم يتقاسمون رغيف الخبز مع أخوانهم، خاصة مع شحة الدعم و المساعدات العربية و الدولية ..

الأردن بلد يتمتع بمزايا عديدة ترشحه ليكون بلدا سياحيا متميزا، فالموقع الجغرافي و تنوع الطقس و حتى التراث و التاريخ، و مستوى الإنفتاح و الثقافة التي يتمتع بها نسبة كبيرة من أبنائه، كلها تساعده على أن يحتل دورا متميزا في هذا المجال، لكن ما يحتاجه بشدة برأيي هو تطوير و تحسين البنية التحتية في معظم مجالاتها، و أهمها الشوارع و الطرق و الإتصالات، و ما وجدناه خلال رحلتنا يؤكد وجهة النظر هذه ..

إبتداءا من المطار، نجد هناك تعامل لطيف و ترحيب واضح بالضيوف، لكن المفاجأة ستكون بعد الخروج من المطار، سواء عند إستخدام سيارات مؤجرة أو سيارات أجرة / تاكسي أو سيارة صديق أو قريب، إنها الإزدحامات و الإختناقات المرورية التي يقل وجودها في كثير من المدن التي زرتها، اللهم إلا في القاهرة و الإسكندرية التي زرتهما قبل سنوات، و الرياض كذلك، مع الفارق في نوعية و سعة و هيكلية شوارع الرياض، و هذه الإختناقات كما رأيتها تستمر ربما من الثامنة صباحا و حتى ساعات متأخرة ليلا، و مع هذه الإزدحامات و الإختناقات نجد ضعف الوعي المروري و إنعدام النظام سواء في الشارع أو السياقة أو العبور، فنجد الشارع في كثير من الاوقات في فوضى عارمة سواء بالنسبة للسائق أو العابر أو الراكب، و حتي أصوات الهورنات أو مزمار السيارات يصل إلى مناطق سكنية و البيوت المحيطة، أنا شخصيا كنت أسكن في منطقة سكنية، كانت تصلني أصوات السيارات و الهورنات و التفحيط و التشحيط ربما حتى الساعة الثالثة صباحا، و لكم أن تتخيلوا ذلك ..

خلال تنقلي و إستخدامي لسيارات الأجرة كنت أحاور سواق التاكسيات، فوجدت أن معظمهم محبط جدا و منزعج من حالة الشوارع و إنعدام النظام و سوء أخلاقيات التعامل في الشارع، إضافة إلى إنخفاض الأجور التي تستوفى على العداد، و هذا ما يجعل نظام العداد في سيارات الأجرة شكلي أكثر من كونه فعلي، فكثير من السواق يعلنون صراحة عدم إلتزامهم بنظام العداد، و يفرضون الأسعار التي تناسبهم، خاصة أوقات الصباح و الظهيرة، أو يدعون أن العداد عاطل، إلى غير ذلك، و على الأغلب نضطر للركوب معهم لعدم وجود بدائل أخرى، و برأيي أن الحق معهم بشكل ما و السبب أن إنعدام النظام و الفوضى العارمة في الشوارع، يجعل من السياقة مهمة مستحيلة و خطرة، و يجعل من المشوار الذي يستغرق عادة ربع ساعة، أن يصل إلى ساعة أو ساعة و نصف أحيانا، و هذا حصل معي فعلا و لعدة مرات، داعيك عن كون الإزدحامات و الفوضى المرورية تقلل من إنتاجية العامل و الموظف و تستهلك أعصابهم و صحتهم ..

برأيي أن أي مدينة أو دولة تبغي جذب السياح إليها، واحد من أهم الجوانب التي يجب أن تهتم بها هي نظام المرور و السير و الشوارع و الطرقات و الأرصفة و الإشارات الضوئية، و نظام العداد في سيارات الأجرة، و أبسط مثل لدينا مدينة دبي و أبو ظبي و الدوحة، و الحقيقة أنا كنت في الدوحة قبل حوالي ١٥ سنة عندما بدأت تهتم بهذا الجانب و وضعت خطط و برامج لتحويل سيارات الأجرة القديمة المتهالكة إلى سيارات حديثة فارهة، و وضع نظام العداد قيد التنفيذ بشكل صارم، و أرجو أن يكون هذا الإجراء مستمرا لحد الآن ..

ما أراه، أن نظام المرور و الشوارع و نظام سيارات الأجرة يحتاج إلى مراجعة عامة شاملة في الاردن و عمان بشكل خاص، كذلك يحتاج نظام إجازات السوق مراجعة شاملة، لنضع ضمن بنوده و نؤكد أن السياقة فن و ذوق و أخلاق، و ليست ساحة للمعارك كما يحصل اليوم، فكل سائق يدخل الشارع يعتبر نفسه في مهمة جهادية مقدسة لابد من الخروج منها منتصرا حتى لو كان ذلك على حساب راحة و صحة و كرامة و وقت الآخرين ..

تأكيدا لما ذكرته أعلاه، وجدت علامة مميزة للسياقة في عمان و هي الإستخدام العشوائي لجزء يعتبرونه مقدسا في السيارة هناك، و هو الزمور أو الهورن أو المنبه الصوتي، و كما شاهدت فأن السائق يضع يده على الهورن بإستمرار تقريبا، و يستخدمه بمناسبة أو من غير مناسبة، حتى أن الضجيج في الشوارع يصل إلى مستوى لا يحتمل، و قد يكون ذلك من ساعات الصباح الباكر، و حتى ساعات متأخرة ليلا، إضافة لذلك نري أن سائق السيارة العادية أو سيارة الأجرة نادرا ما تخلو يديه من الهاتف الجوال، و نراه يتكلم بالهاتف بإستمرار و بامور شخصية و أحيانا تافهة، و لا ندري كيف يستطيع أن يركز في السياقة ..

بالمقابل نجد سواق السيارات عامة، يهملون كليا، و على العكس من الهورن أو الزمور، جزءا آخرا مهما جدا في سياراتهم، و يتعاملون معه و كأنه غير موجود، ألا و هو الإشارات الضوئية الجانبية، فنراهم يتمايلون بسياراتهم ذات اليمين و ذات اليسار حتى دون أن يلتفتوا ليروا من حولهم، أما الإشارة فربما لا يعلمون بوجودها، و فعلا نحمد الله ألف مرة على وصولنا سالمين عند وصولنا و خروجنا من هذه المعركة الشارعية ..

ما اعتقده أن التلوث من عوادم السيارات، و من أصوات الهورنات، و مما يجري في الشارع بشكل عام، كلها مسببات لامراض و مشاكل صحية و عصبية عديدة، و لابد من أخذها بنظر الإعتبار و معالجتها ضمن الإطار الشامل لتطوير و تحسين البنى التحتية في البلد ..

التدخين آفة، و تدخين الشيشة آفة وبيلة، و التدخين داخل الغرف و السيارات و الأبنية و القاعات و الأسواق و المولات مشكلة كبيرة وجدتها في الأردن، و هي تمارس عن إصرار وتعمد، دون أخذ أي إهتمام بتأثيراتها المباشرة و غير المباشرة و الجانبية على صحتنا جميعا، و الأطفال و كبار السن خاصة، على الرغم من أن دولا عربية عديدة قد منعت التدخين داخل المكاتب و المولات و الأسواق و غيرها من الأبنية ..

عرفت من خلال الإعلانات المنتشرة في الشوارع أن هناك إنتخابات نيابية ستجري هذه الأيام في الأردن، و من خلال سماعي للأخبار، و آراء البعض من المواطنين و المثقفين، نجدهم بين مؤيد أو غير مهتم و لا مبالي،و أرى أنها تجربة جيدة، و ربما يكون لدى البعض نوع مما نسميه بثورة التوقعات، و يعتقد أن البرلمان أو الحكومة قادرة على التغيير و معالجة كل مشاكل البلد مرة واحدة و فورا، و هذا شئ خيالي طبعا، فبلد بحجم الأردن و حجم أعبائه و إلتزاماته، و حجم إمكانته و موارده، نراه يسير حثيثا، ربما ببطئ و تؤدة ، نحو آفاق التطور و التقدم، و الواقع أنا لدي مقاييس غير مباشرة من خلال خبرتي السابقة من زيارات عدد من البلاد العربية، فطيلة وجودي في عمان لم ينقطع عنا الماء و لا الكهرباء و لا الهاتف، و أعتقد هذا معيار مهم على نوعية الخدمات التي تقدم في البلد، ففي بلد كان غنيا كالعراق مثلا، لا نجد أثرا يذكر لهذه الخدمات الضرورية الحيوية، كذلك فأن الخدمات الطبية و العلاجية في الأردن تعتبر اليوم من بين الأفضل في كثير من البلاد العربية، و لو أنني وجدت أنها بدأت تأخذ منحى تجاريا، مع إرتفاع واضح و مبالغ في الأسعار ..

من المظاهر الحضارية المتميزة، و البعض ربما يعتبرها تجارية، لكنها جزء من البنيان و التحضر و التطور العمراني و الإقتصادي في الأردن، و عمان بشكل خاص، هو إنتشار الأبنية الحديثة و العمارات و الأسواق و المولات في معظم شوارعها، في حركة بناء عمرانية كبيرة، ربما تعطي مؤشرات على نمو و تطور إقتصادي يصب في مصلحة البلد و المواطن ..

العراقيون في الأردن يشاركون أهل البلد و يقتسمون معهم الخبز و الزاد، و كما أشرت فأن العلاقة بين البلدين و الشعبين متميزة و ذات طعم خاص، و انا وجدت العراقيون المقيمون في الأردن يتنشقون نسيم هواء العراق عن بعد، و يمارسون حياتهم اليومية في عمان و باقي المدن الأردنية، محاولين إضفاء الصبغة العراقية أو البغدادية على كثير من تفاصيل حياتهم اليومية، فهم لديهم المقاهي العراقية هنا و هناك يلتقون فيها معا و يتداولون شؤونهم و شؤون بلادهم و يلعبون الدومنة و الطاولي، في الكاردنز و مكة مول مثلا، و لديهم الكاهي العراقي و القيمر العراقي، و هناك الكص العراقي و قاسم أبو الكص، و هناك الكباب العراقي و كباب الفلوجة و غيره، و هناك المسكوف العراقي، و هناك حلويات الحمداني و زنود الست، و غيرها و غيرها، كما يبدو العراقيون ينجحون في نقل أو خلق البيئة البديلة حيثما و اينما حلوا و إرتحلوا ..

كما أشرت، الأردن بلد جميل، و بلد حديث و متطور، و بلد فيه الكثير ليستمتع به كل زائر و سائح، و خاصة من الأخوة العرب، و خاصة من العراقيين، و فعلا البعض من الأخوة الأردنيين أرجعوا الزحمة الكبيرة و الإختناقات المرورية خلال الأيام الماضية إلى كثرة الزائرين من العراق و دول الخليج بمناسبة العيد، فبفضل الهدوء و الأمن و الأمان الذي يسود هذه البلاد بحمد الله و شكره، بات كثيرون يفضلونه حتى على لبنان و تركيا، و أعتقد أن في ذلك نفع كبير للبلد و المواطن و الزائر، و أنا شخصيا أخطط من الآن لزيارتي القادمة لعمان، ربما ستكون أطول و أكثر تنظيما و تخطيطا، هذا على الرغم مما ذكرته من مشاكل وأزمات المرور و السياقة و غيرها، و أنا واثق إنها ستتم معالجتها شيئا فشيئا قريبا، و من الله العون و التيسير ..

تحياتي و إعتزازي مرة ثاني للأردن و أهله الكرام ..

المقال السابقشجرة الجميز!
المقال التالىالسلام لسوانا ولنا
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد