الوهن العَربِي بَين الحِوَارِ و الصدام

 
الوهن العَربِي بَين الحِوَارِ و الصدام.. للكاتب محمد العمري #السعودية

في كل مره يتجدد فيها الصراع الإقليمي العربي في المنطقة ترتفع وتيرة المواجهة العلنية ، و تتعال أصوات الشد و الجذب في الخطابات السياسية ثم تنتقل فيما بعد لتتبلور في الفتاوى الدينية التي تنفض مشاعر المواطن العربي من سباته ، و بعدها تتلاشى دروس و عبر ما قد مضى من التاريخ ليجد المواطن العربي نفسه مره أخري يخرج من ركام الجراح و المعاناة إلى خندق أكثر دمارا وخرابا في مواجهة المصير الذي قدر له ضد ما يسمى بالشيطان الأكبر الذي لا يراه إلا كما يصوره الزعيم له من خلال كلماته التي تذكي الصراع العربي بالشعارات القومية ، وتشعل فتيل الطائفية كذلك ، و التي طالما كان الاستعمار يغذيها من قبل ويخطها من داخل مقراته لزعماء من ورق عبر مراحل متعاقبة من الزمان كان فيها اولئك الزعماء مجرد عملاء يتسللون خلسة في جنح الظلام إلى مقرات ممثليه الحكومات المستعمرة ، يتسابقون حينها في تقديم الولاء و نيل الرضا ، وعند انجلاء الظلام يكون قد خرج ذلك المتسلل إلى سكان المستعمرة في ثوب وطني مقدس ينادي باستقلال الأرض و حرية الإنسان ، يتبعه ما قد سخر له من أبواق و مطبلين حتى يتهيأ للعموم انه المخلص بأمر الله ..

و بما إن العرب لم يتعاملوا مع واقعهم الحالي بما تقتضيه مصالحهم الأخوية ، و بما يمليه عليهم دينهم الإسلامي الحنيف ، فأنهم لم يتعلموا أيضا من تاريخهم شيئا و لا من ماضي تجاربهم عندما تشتد بهم الأزمات السياسية و الهزات الاقتصادية ، فقد يعزي البعض هذا التبلد الذي أصاب العقل العربي إلى حاله الوهن الملازمة في امتلاك قرار مصيره ، و كذلك إلى بقايا الاستعمار المقيت الذي أوجد قواعد اللعبة السياسية في المنطقة ، بعد أن حدد اللاعبين و الحكام ، وجعل افتراش خارطة العالم العربي كملعب للمناورة و التباري ليتقاسم كل فريق جزء منه ، فريق يتخندق في موقعه يتقلد الألقاب و الرايات و ينادي على نفسه بالقوى “المقاومة” في مواجهة فريق أخر يتباهى بالحكمة و الحنكة السياسية ويعد نفسه من قوى “الاعتدال” و الضحية كما نرى هو ذلك الوطن الذي استنزفت ثرواته ، والمواطن الذي أنهكته أصوات السياسيين الخداعة و حروب الجيران حتى غدا مثل الكرة الممزقة و المهترئة من كثرت ما تقاذفت به أقدام الفريقين ..

عندما ظهر “لينين” الماركسي للعالم بفكره الثوري ، و اسقط الحكم الإمبراطوري الروسي لم يكن العرب في ذلك الوقت قد عرفوا لغة هذا الثوري الصادح من بعيد أو أنهم كانوا قد أجادوا قراءة الأحداث و حسن التعامل معها ، بل أنهم لم يستوعبوا قيمة الخدمة التي قدمها هذا الماركسي عندما كشف للجميع وثيقة الاتفاق السري التي صادق عليها الإمبراطور الروسي آنذاك مع بريطانيا و فرنسا و التي عرفت فيما بعد “بالسايكس بيكو” التي قسمت الوطن العربي إلى دويلات ، ثم أرادت إن تعطي الأناضول للإمبراطور الروسي ، فكانت هي المؤامرة التي أغضبت “أتاتورك” تركيا ، و اصمت أذن العرب عنها ، ولم ترى أعينهم حينها سوى ما رآه لهم المستعمر البريطاني ، و ما لبثوا حتى عادوا يظهرون له حسن النوايا و يجددون الثقة بالصديق الانجليزي مخفين عنه الظنون السوداء حتى لا يغضب ، وكانت النتيجة أن استوطن اليهود في ارض فلسطين بعد ان هجر منها أهلها بوعد من بلفور الانجليزي ، و زرعت دولة إسرائيل بين ظهري العرب لتكون شوكة في خاصرتهم ، و تعرقل كثير من خطط و برامج البناء و التنمية في الشرق الأوسط ، و كذلك تعطيل وحدة العرب و توحيد كلمتهم مع المسلمين تحت مظلة امة إسلامية موحده و مؤثرة في الحضارة الحديثة للأمم ..

وكما إن اليهود قد لعبوا دورا كبيرا و مهما في أقناع بريطانيا بتقسيم بلاد العرب و تشرذمهم فإنهم قد أوضعوا الخطط الخبيثة و المؤامرات التي تزعزع امن العرب ، و تحقق لأنفسهم الاستقرار و السيطرة على مستقبل المنطقة العربية برمتها ، و بما يخدم مصالحهم ، و قد جاءت نهاية الحرب الباردة بين الروس و الغرب لتنذر برياح التغيير و بتحول

قطبي العالم إلى الاصطفاف معا و توحيد الجهود العسكرية و المخابراتية تجاه ما يخدم الترويج لمبادئ الحرية و الديمقراطية الغربية ، و تصفية كل الأنظمة و المنظمات التي تشكل خطرا فكريا و عقائديا عليهم ، وجاء هذا التعاون ليعلن ببداية عهد جديد من المعاناة ، و صور جديدة من صور الحقد الصهيوني على امة الإسلام ، و الشروع بالمرحلة الفعلية لتنفيذ الخطة الثانية من تمزيق الجسد العربي المتهالك و مضاعفة جراحه حتى عاد اليهود مرة أخرى بممارسة الضغوط على أمريكا – التي حلت مكان بريطانيا في الشرق الأوسط – و إقناعها باعتماد مشروع المؤرخ الصهيوني”برنارد لويس”البريطاني الأصل اليهودي الديانة الذي قال “إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم ، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، ولذلك فإن الحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية” و هو الأمر الذي تم أخذه بجدية من قبل الكونجرس الأمريكي في عام 1983م ووافق عليه بالإجماع في جلسة سرية باعتماد مشروع “برنارد لويس”، وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية على إن يتم تنفيذه على مراحل عده و في خطه عشرية ، و يهدف هذا المشروع إلى تفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية جميعًا كلا على حدة، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، و هو ما ذهب إليه “صموئيل هنتينجتون” الذي كان يرى بان حروب المستقبل سوف تأخذ شكلا مختلفا و يكون نزاعا محتملا بين ثقافات متعددة و حضارات كونية ، لكن “لويس” يريدها إن تكون حربا شعوا على المسلمين وعلى حضاراتهم الإسلامية فقط ..

كثيرا ما حاول العالم الإسلامي التكيف مع الحوار ، و تجنب الصدام مع مطلقي هذه النظريات العدائية التي لا تحتمل الجدوى في قبول أو احتواء حضارة المسلمين ، و رغم هذا التباعد و الفجوة الكبيرة التي أحدثها الطرف الأخر بعدم اعترافه بالإسلام كدين سماوي و بحضارته العريقة ، و أمام هذا التشدد سعى العالم الإسلامي إلى فتح نافذة التسامح و القبول بالتحاور مع كل الحضارات و الأديان السماوية فكان الرد هو إن تكون هناك ضربات وقائية تعجل بوقوع التصادم ، و إن تأخير حدوثها ليس في صالح الأنظمة العلمانية ، لذلك حاولت أمريكا التي ترعى الصهيونية صياغة مبررات مهدت فيها إلى دعوة الحلفاء لتعزيز تحالفهم العالمي ضد ما يسمى بالخطر القادم من الشرق والتأهب في الدفاع عن مكتسبات الإنسان المعاصر و حضارته الحديثة من الإسلام الراديكالي الذي يتصادم مع الانفتاح الحضاري الذي تعيشه الدول المتقدمة و الصناعية ..

لقد تبددت أخلاقيات الدول العظمى في هذا العصر ، و تكشفت أهدافها عندما أقرت في مجلسها الأمني التخلي عن السلم و السلام و استبداله بصوت السلاح الفتاك تجاه دول عربية معينة و زعزعت استقرار أخرى في محاولة لفرض أمر واقع جديد و تغيير استراتيجي في المواجهة العلنية ، و جاءت الأحداث سريعة و متتابعة خلال العشر الأعوام الماضية و مؤسفة كذلك إذ تخللها الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان و الممارسات الغير أخلاقية تجاه كل ما هو عربي و مسلم ، حتى بدأ المشهد يتسع أكثر لأطراف أخرى بادوار مختلفة و غاية و احده فدخلت روسيا و إيران بتنسيق من أمريكا و إسرائيل في هذه المعركة من اجل تفريغ العراق و الشام من جميع أهلها من السنة و العرب و تغير أيديولوجية الأرض و الإنسان بما يتناسب مع مطامع و أهداف الكيان الصهيوني ، و رغم ما تعيشه بلاد الشام من فظاعة القتل و التهجير و التطهير العرقي فقد أطلقت أمريكا يد المليشيات المسلحة للتنكيل بالنساء و الأطفال هناك بل ذهب البعض بالمطالبة بإصدار قانون يمنح الحصانة لتلك العصابات من الملاحقة القضائية كما هو حاصل للجندي الأمريكي ..

و مع تعالى أصوات الاستغاثة من بلاد الشام لأخوتهم في البلاد العربية الأخرى بمد يد العون و المساعدة بالمال و السلاح كانت أمريكا قد لعبت لعبتها القذرة في تطويق هذه الدول و إدخالها في احتراق داخلي تشل به حركتها حتى لا تستطيع المواجهة و التدخل أو ان تقف على ساقيها فالشقيقة الكبرى للعرب “مصر” عادت إلى الوراء في هذه

المحنة العصيبة و التزمت الحياد و الصمت و تعللت بثقل الحمل الداخلي و ضعف الاقتصاد الذي يهدد الدولة بالإفلاس ، فيما السعودية تكاد تكون هي الصوت الوحيد المرتفع من بين العرب والذي يدافع مع تركيا عن حق الشعب السوري و التصدي للمد الصفوي في العراق و الشام و اليمن و لعنجهية بوتين ، و لكون السعودية تعد دولة مركزية فهي أيضا مستهدفة بالمؤامرة الكبرى فالمملكة تواجه تحديات اقتصادية و مناوشات حوثية على الحدود الجنوبية إضافة إلى الإرهاب ، فيما يحاول اللوبي المعادي في أمريكا تحريك قضايا الابتزاز و التعويضات أمام القضاء الأمريكي لصالح ضحايا الحادي عشر من سبتمبر رغم أنها قد حصلت على أكثر من شهادة تبرئة رسمية أمريكية أكدت عدم تورط السعودية لا من بعيد و لا من قريب في مثل هذه الجرائم ..

هذه الحقبة من التاريخ تعد من اشد المحن التي يواجهها الإنسان العربي ويختبر في دينه ووطنيته فالتحديات و المخاطر أصبحت تحدق بالجميع من كل الاتجاهات بعد إن تكالبت دول الشر على سفك الدم العربي و قعقعة السلاح فوق رؤؤس الأمهات الثكلى و الأطفال اليتامى دون رقيب و لا حسيب من الأمم المتحدة و لا من المنظمات الإنسانية فليس أمام العرب لتحقيق السلام و التغلب على هذا الوهن إلا بالمواجهة الجادة للطابور الخامس و استئصاله من مفاصل الدولة و الوطن و إجبار الآخرين على الاعتراف بحقوق المواطنة و الدفاع عن تراب الوطن و من يعيش فوقه من طوائف و أديان يتم التعايش معها تحت مظلة التسامح و المحبة من اجل سلام دائم ، و لكي نمضي في هذا الطريق يجب علينا الاستعداد لهذه المرحلة ومن الغرب نقتبس مقولة الأب المؤسس للولايات المتحدة الأمريكية جورج واشنطن ” الاستعداد للحرب هي أفضل الوسائل فعالية للحفاظ على السلام” .

لا تعليقات

اترك رد