حلف الغادرين .. التعاملات السرية لاسرائيل وإيران والولايات المتحدة – ج٢


 
حلف الغادرين .. التعاملات السرية لاسرائيل وإيران والولايات المتحدة

قراءة في بعض صفحات كتاب
Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel , Iran and The U.S.
By : Trita Parsi
Yale University Press – 2007

كانت نيتي متجهة بالأساس الى الاكتفاء بتقديم موضوع واحد مما تضمنه هذا الكتاب وهو بالتحديد القسم الخاص بالتحولات التي طرأت على سياسات ايران أواخر سنوات حكم الشاه التي اصبحت تتجه اكثر فاكثر نحو التفاهم مع محيطه العربي والابتعاد نسبياً عن اسرائيل تحت تأثير عوامل عدة لعل من بينها تأثيرات الرئيس المصري الراحل أنور السادات عليه وإدراكه ان عداء العرب لن يجلب له سوى المزيد من الانشغال في جبهته الغربية ويحدد من طموحاته نحو حوض المحيط الهندي . لقد بدأ ، مسلحاً بوفرة موارد النفط ، بمشروع للتسلح يَصْب في هذا الاتجاه مثل امتلاك حاملات الطائرات وشراء كميات ضخمة من الطائرات الامريكية حديثة الطراز ( فانتوم و اف ١٤ ) العاملة حتى اليوم في سلاح الجو الايراني . كذلك كانت له طموحات نووية واضحة جعلت الأمريكان يمارسون عليه أشد الضغوط من اجل التوقيع على اتفاقية حظر الانتشار النووي .

هذه السياسات لم تكن تناسب اسرائيل بل انها دقت ناقوس الخطر في الأوساط السياسية الإسرائيلية التي رأت في سياسات الشاه تشجيعاً لمن تسميهم بالعرب الراديكاليين مثل العراق للتفرغ لها ولسياساتها العدوانية ومشاريعها الاستيطانية التهويدية ، وهنالك العديد من الدراسات الأكاديمية الأغلبية وخاصة الامريكية التي تعكس مدى القلق الذي كان ينتاب مخططي السياسة الإسرائيليين من مخاطر سياسات الشاه هذه وكانوا يبحثون عن آية إمكانيات لاحياء العطاء العربي الفارسي .
لا اريد تفسير الأحداث بنظرية المؤامرة ، كما يقولون ، ولكنني سأكتفي بعرض صفحات اخرى من كتاب تريتا فارسي لتلك الحقبة من تاريخ ايران وعلاقاتها الإسرائيلية الامريكية لعلها تقدم بعض التفسير لما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط جراء ” السياسات الثورية ” لنظام الجمهورية الاسلامية الايرانية واترك لمن يقرا هذه الصفحات المستندة الى حقائق ووقائع تقدير الجواب للسؤال الأهم وهو : من هو المستفيد الأكبر من سياسات ايران في مرحلة ما بعد الشاه ؟!
لنواصل تقليب صفحات الكتاب ….

في شباط ١٩٧٩ سقط حكم الشاه وقامت الجمهورية الاسلامية ؛ لم يكن الامر مفاجئاً للاسرائيليين لان مخابراتهم المستندة الى وحدة المخابرات غير الرسمية داخل الجالية اليهودية في ايران كانت اقدر بمراحل من اجهزة المخابرات الأجنبية بما فيها المخابرات الامريكية .

غادر الشاه ايران وخلف حكومة برئاسة المعارض شاهبور باختيار الذي لم يكن يحظى بثقة اي طرف . قام باختيار بقطع العلاقات مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا وأوقف شحنات النفط الى اسرائيل لكن ذلك لم يحظى بالقبول ولم يعتبر كافياً لمنحه الشرعية بنظر الشارع .

ظلت اسرائيل متمسكة بالبقاء حتى اخر لحظة كما ظلت طائرات شركة العال تقوم برحلاتها بين تل ابيب وطهران رغم ان ايقاف الملاحة الجوية الدولية الايرانية ومغادرة العديد من الإسرائيليين . قام الجمهور الايراني بعد ذلك بمهاجمة مقر البعثة الإسرائيلية في طهران وهرب أعضاؤها الى بيوت آمنة أعدت سلفاً .

بذل الاسرائيليون جهوداً حثيثة لتأسيس اتصالات مع أطراف النظام الجديد قبل وبعد قيام نظام الجمهورية الاسلامية لكن جهودهم باءت بالفشل وطُلب منهم المغادرة كما قامت السلطة الثورية الجديدة بالاعلان عن انهاء كافة أشكال التعاون النفطي مع اسرائيل وإيقاف الرحلات الجوية بين البلدين ؛ لقد اعتبر جميع شركاء الثورة ، من اليمين الديني الى اليسار الماركسي ، ان العلاقات مع اسرائيل عمل خاطئ ومدان رغم تباين أسبابهم ، وقد اعتبر رجل الثورة الاول آية الله خميني ان اسرائيل سرطان يدمر جسم الاسلام ويجب ازالته .
قام الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بزيارة ايران حيث تم تحويل مقر البعثة الإسرائيلية الى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية والتقى عرفات بأية الله خميني ؛ ساد اللقاء بعض سوء التفاهم حيث طلب خميني من عرفات ومن جميع الفلسطينيين نبذ توجهاتهم العلمانية والتمسك بالتوجه الاسلامي ، وبدا منذ ذلك اللقاء ان هنالك فرقاً واسعاً في توجهات الطرفين كما تولدت القناعة لدى القيادة الفلسطينية ان دعم ايران لهم لن يتجاوز الكلمات كثيراً ؛ رفض الخميني مشاركة الطائرات الايرانية في المعارك الجوية التي كانت تخوضها الطائرات السورية ضد الطائرات الإسرائيلية اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان ، وقد لعب تردي العلاقات العربية الايرانية نتيجة الخطاب التحريضي الثوري الايراني دوره في تراجع العلاقات الفلسطينية الايرانية وجرى إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الأحواز ذات الأغلبية العربية .

بدا واضحاً من السياسات الايرانية التي اعقبت الثور ان التغيرات في ايديولوجيا النظام السياسي لم تغير في توجهات النظام الجيوسياسية . بدا واضحاً بعد فترة ليست بالطويلة بعد قيام الثورة ان توجهات ايران القديمة ، التي سبقت تغيرات السبعينات على عهد الشاه ، قد عادت وكل ماجرى ان الطموحات لقيادة المنطقة قد اصطبغت بلون الاسلام السياسي ؛ اعتبرت القيادة الايرانية الجديدة في إعلاناتها ان تحقيق ذلك مرهون بإجراء تغيير شامل في أنظمة المنطقة الموالية لامريكا وإيجاد كتلة مناوئة لها من الدول العربية وبقيادة ايران ؛ ولأسباب مذهبية كان على ايران ان تعمل على تتظاهر بتجسير الفوارق المذهبية كما ان عليها ان تغير من طبيعة علاقاتها مع اسرائيل لكسب ثقة العرب . كان الخلاف الأساسي بين الخميني والقيادة الفلسطينية نابع من الرؤية المختلفة للإسلام السياسي والقومية العربية .

استند الموقف الامريكي من النظام الجديد على احترام الخيار الايراني خاصة وان اتجاهات النفط ظلت على حالها ، كما بعث شعار ” لا شرقية ، لا غربية ” الاطمئنان لدى إدارة كارتر بان ايران لن تقع في شرك موسكو ، لكن احتجاز الرهائن الأمريكيين في سفارة بلادهم من قبل مجموعة مندفعة من الطلاب الايرانيين قد عقد الموقف .

بالنسبة لاسرائيل فقد كانت خسارة ايران كعنصر أساسي في ستراتيجية الطوق Periphery ومصدراً للنفط امر في غاية الصعوبة ، لكن الحسابات الإسرائيلية لم تكن تضع اعتبارات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي ضمن أولوياتها وقد بدات الجهات الإسرائيلية المعنية معركة حقيقية من اجل اعادة العلاقات مع النظام الجديد وقد جربت ذلك من قبل مع اثيوبيا اثر سقوط نظام هيلاسي لاسي وحققت نجاحاً كبيراً .
دار جدل كبير في دوائر صنع القرار الاسرائيلي بين متشدد يمثله شارون واخرين متمسكين بمبدأ ” الطوق ” يمثلهم بيغن – شامير وهو الجناح الذي انتصر في النهاية ؛ تقوم وجهة نظر هذا الطرف على أساس ان ايران دولة ذات مصالح محددة وجغرافيا-سياسية ثابتة ويجب التعامل معها على هذا الأساس بغض النظر عن نظامها الحاكم .

لقد ظلت حقائق الجغرافيا السياسية في المنطقة على حالها وكانت تحولات الشاه في سنواته الاخيرة خروجاً عليها واهم بنود هذه الفرضية هي :
١- تحول العداء الفارسي – العربي الى عداء شيعي – سني يستهدف الأنظمة العربية المحيطة بايران التي اعلنتها الاخيرة أنظمة عميلة لامريكا .
٢- استمرار الخشية الايرانية التقليدية من الاتحاد السوڤيتي وعزز هذه الخشية القلق من ان يستغل الاتحاد السوفيتي ظروف عدم الاستقرار في الوضع السياسي الداخلي خاصة مع تصاعد موجة العداء لامريكا في ايام الثورة الاولى .
٣- استمرار حاجة اسرائيل وإيران لبعضهما في ظل مواجهة أعداء مشتركين كما ازدادت حاجة ايران للتقنيات الإسرائيلية في ظل المقاطعة الامريكية التي اعقبت احتجاز الرهائن الأمريكيين ، وقد قامت اسرائيل بإعادة إعداد من الدبابات التي أرسلت الى اسرائيل لاغراض التحديث والصيانة ايام الشاه وقد تسلمتها ايران الجمهورية بعد إتمام ذلك .
بدات العلاقات تأخذ طابعاً جدياً حين قام احمد كاشاني ابن آية الله كاشاني بزيارة اسرائيل اوائل عام ١٩٨٠ بصفته الشخصية كمواطن إيراني عادي لتأمين عقد صفقة اطارات لطائرات فانتوم الايرانية وأسلحة للجيش وللتنسيق حول عمل مشترك ضد المفاعل النووي العراقي ، وتم لقاء ذلك السماح لإعداد من اليهود الايرانيين بمغادرة البلاد الى اسرائيل .
لم تكسب ايران مع مشروع الثورة الايرانية كما بدات تتضح معالمه سوى العداء من جانب جيرانها العرب كما بقي السوء يتعاظم في علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي فضلا عن تزايد العداء مع الولايات المتحدة ؛ مقابل ذلك كان موقع العراق يعتز خاصة مع خروج مصر من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي وأمل صدام حسين الاستفادة من حالة الفوضى وعدم الاستقرار في الداخل الايراني وتزايد العداء لها من جميع الاتجاهات من حولها .
في ٢٢ أيلول/ سبتمبر ١٩٨٠ بدا صدام حسين هجوماً واسع النطاق عَلى ايران { ملاحظة : قام العراق بعمل عسكري وقائي جراء قيام المدفعية والطيران الايرانيين باعتداءات واسعة على طول خط الحدود أدت لاخلاء مدن عراقية بكاملها من سكانها بعد سقوط عدد كبير من القتلى المدنيين وقد أسقطت طائرة فانتوم إيرانية فوق مدينة مندلي وتم اسر طيارها المدعو ” لشگري ” وقيد أسيراً لدى الصليب الأحمر وأعيد الى ايران عام ٢٠٠٠ ضمن صفقة تبادل اسرى تضمنت الى جانبه ٦٤ عنصراً من الحرس الثوري اسروا عام ١٩٩١ خلال صفحة الخيانة والغدر مقابل ١٠٠٠ أسير عراقي } .
في عام ١٩٨٢ تمكنت ايران من استعادة أراضيها { انسحب العراق بعد سقوط المحمرة } ، وقد زادت الحرب مشاعر العداء العربية تجاه ايران . في الأشهر الاخيرة للحرب كان العراق قد امتلك قدرات صاروخية وكيمياوية قادرة على الوصول الى أهداف داخل ايران بضمنها طهران وقادرة على الوصول الى اسرائيل . ومن اهم نتائج الحرب تردي العلاقات الايرانية – الفلسطينية بعد موقف التأييد الذي تبناه الفلسطينيون للعراق خلال الحرب .
اختارت ايران في رسم سياستها الخارجية تركيبة معقدة حيث صعّدت من خطابها ضد اسرائيل في محاولة للتقرب من محيطها العربي بينما استمرت في التعامل سراً مع الإسرائيليين لتأمين متطلباتها العسكرية ويبدو ان تصعيد الخطاب المعادي لاسرائيل خلال الخرب هدفه تقليل الاندفاع العربي باتجاه تأييد العراق على أساس انها حرب ضد دولة إسلامية تناصب اسرائيل العداء ، وكان المستهدف من هذا الخطاب هو الجمهور العربي .
على المستوى العملي لم تتخذ ايران آية خطوات عملية تجاه اسرائيل ؛ وخلال ايام الحرب الاولى التقى خميني مجموعة واسعة من مؤيديه حدد فيه مبدءاً للتعامل مع القضية الفلسطينية يقوم على اعتبار ان القضية هي قضية الفلسطينيين أولاً وان دور ايران هو المساندة والتاييد ، وعندما قامت اسرائيل بغزو جنوب لبنان اعتبر الايرانيون ذلك محاولة لجرهم الى جبهة ثانوية غير الحرب مع العراق وقرروا الاّ تتجاوز مشاركتهم في صد الغزو الحدود الرمزية رافضين في ذات الوقت عرضاً قدمه صدام حسين لوقف الحرب وتوجيه الجهود موحدةً ضد اسرائيل ، كما تم إلغاء الامر الصادر بإرسال عشرة آلاف مقاتل من حرس الثورة الى ايران واعادة توجيههم نحو الجبهة مع العراق .
لقد حصل قتال بين حزب الله ( ايران ) والحزب القومي الاشتراكي (سوريا ) في لبنان ، فقامت ايران بتأييد الأخير على حساب حزب الله خدمة لتحالفها مع سوريا ضد العراق وقد عبر فائزي عن فحوى سياسة بلاده الخارجية بانها تستند الى المثل والأيديولوجيا في العلن ولكنها ليست بالضرورة السياسة اليومية على الارض .
كشفت الحرب مع العراق امكانية وقوع افتراق بين المصالح الامريكية والاسرائيلية بشان ايران { ملاحظة : ارجو منح السطور اللاحقة أهمية خاصة لان الحقائق التي ترد فيها ستؤسس للكثير من احداث المنطقة في المرحلة التي اعقبت الحرب }.
اعتبر الاسرائيليون ان انتصاراً عراقياً في الحرب يعني كارثة كبرى على المستوى الستراتيجي في المنطقة فيما لم يبالوا بما قد يسفر عن انتصار إيراني بسبب الواقع الجغرافي وبعد المسافة نسبياً في وقت كانت تظهر فيه بوادر غزل بين إدارة ريغان والعراق تتصاعد .
تصاعدت في تل ابيب قوة عامل ” ستراتيجية الطوق ” بغض النظر عن هوية الدول المعنية بها او خطابها السياسي او الايديولوجي . لقد اعتبر الاسرائيليون ان ايران في هذه المرحلة حليف طبيعي وبذلوا جهودهم لنزع فتيل التوترات بين طهران وواشنطن وصلت حد قيام اللوبي الاسرائيلي بإقناع إدارة ريغان لعدم الاهتمام بالشعارات الايرانية الداعية الى ازالة اسرائيل . لقد بحث الاسرائيليون في إمكانيات تزويد ايران بالاسلحة بشكل منتظم ولم يخفي بعضهم تأييده لايران مثل موشيه دايان وناشدوا الولايات المتحدة للتدخل الفاعل فيها لصالح ايران ، ومن الناحية الاخرى بدات الأسلحة الإسرائيلية تجد طريقها منذ الأشهر الاولى للحرب الى ايران وقد استفاد الاسرائيليون في المقابل من الصور التي قدمتها ايران للمواقع النووية العراقية والاهم انهم منحوا الإسرائيليين الموافقة على هبوط طائراتهم التي ستقوم بضرب هذه المواقع للهبوط في قاعدة تبريز الجوية فيما لو حدث طارئ . لقد بلغت المشتريات الايرانية من الأسلحة الإسرائيلية (٥٠٠ ) مليون دولار للفترة ٨١-١٩٨٣ . لقد سقطت احدى الطائرات التي كانت تقوم بنقل هذه الأسلحة وهي أرجنتينية على الحدود السوفيتية التركية في تموز ١٩٨١ .
من اهم التطورات التي حصلت هي وجود مجموعة من “المحافظين الجدد” في داخل إدارة ريغان ، وهم متعاطفون بالكامل مع الموقف الاسرائيلي ، وقد رتبوا بعناية لإعادة التواصل مع الحكومة الثورية في ايران . كان توسيع نطاق الهلال الشيعي من الأمور المحبّذة لديهم .
لقد جاءت بعض التطورات لتقدم لايران فرص فريدة لزيادة وجودها ونفوذها في النطاق العربي المحيط بإسرائيل . جاء الغزو الاسرائيلي للبنان فرصة لتزيد ايران من نفوذها في هذا البلد خاصة وان هدفه المباشر كان إقلاع منظمة التحرير الفلسطينية منه وهي التي هيمنت لوقت طويل على مناطق الأغلبية الشيعية اللبنانية في جنوب البلاد .
تفاقمت الحرب الأهلية اللبنانية وقد سعت الولايات المتحدة ودوّل غربية اخرى لوضع قوة حفظ سلام متعددة الجنسيات على الاراضي اللبنانية وقد استهدفها حزب الله المؤيد لايران وأوقع مئات القتلى بين الأمريكيين والفرنسيين كما قام باختطاف عدد من المواطنين الأمريكيين ومن جنسيات غربية اخرى ووضع بذلك أوراق تفاوضية قوية بيد ايران كما قامت اسرائيل بدور قوي لاقناع إدارة ريغان لعقد صفقة مع ايران لغرض تحرير هؤلاء الرهائن .
شكلت الحرب العراقية الايرانية ” متنفساً ستراتيجياً ” لاسرائيل لانها قادت الى اضعاف الطرفين المتحاربين فضلاً عن كونها احتجزت اهم قوة عربية وهو جيش العراق فضلا عن إشاعتها الانقسام داخل البلاد العربية المحيطة بإسرائيل ، حسب توصيف ديفيد كمشي المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية ، لقد تركزت برامج عمل اسرائيل على تعزيز ستراتيجية الطوق بدعم من يسمون بالمعتدلين داخل التركيبة الحاكمة في ايران الجمهورية ، وكان ذلك مصدراً لتزايد الافتراق بين السياستين الامريكية والاسرائيلية ازاء الحرب .
في أواخر عام ١٩٨٣ قام ريغان بإرسال رامسفيلد الى بغداد للبحث في تطوير العلاقات بين الطرفين وخلال الزيارة التقى رامسفيلد بطارق عزيز ونقل اليه رسالة إسرائيلية تتضمن استعداد اسرائيل لتقديم الدعم للعراق وقد كان الاسرائيليون يعتقدون ان تحسن العلاقات العراقية الامريكية قد ينعكس على علاقاتهم مع العراق ايضاً، الا ان طارق عزيز رفض العرض بل ورفض اعتبار انه تسلم الرسالة الامر الذي فهم منه الاسرائيليون طبيعة نوايا العراق تجاههم ومن جهة اخرى دق ذلك جرس التنبيه لديهم عن مدى أهمية العراق بالنسبة للولايات المتحدة الى حد انها كانت تسعى لتعزيز علاقاتها معه رغم عداءه العميق لاسرائيل .
كانت المساعي الامريكية لتعزيز العلاقات مع العراق مبعث الهام في بعض أوساط الخارجية الامريكية التي بادرت في عام ١٩٨٤الى إعداد برنامج عمل سمي ” عملية وقف النزيف ” يتضمن منع حلفاء الولايات المتحدة من اعادة بيع الأسلحة الامريكية الى ايران وقد اضطرت اسرائيل للالتزام بذلك رغم انها لم تغلق كامل قنوات تواصلها مع ايران .
قادت عملية وقف النزيف والفشل الامريكي في لبنان وخطف الرهائن الغربيين من قبل حزب الله وفشل اسرائيل في التقرب من العراق والاصرار على ستراتيجية الطوق ، قادت كل هذه العوامل الى اكبر فضائح الحرب والتي سميت ايران كونترا .
كانت الخطة الاسرائيلية لاعادة ايران الى حظيرة الغرب ، بغض النظر عن نوعية نظامها السياسي ، قد تمت بلورتها في إطار الالتفاف على “عملية وقف النزيف ” وقد تبلورت خطوطها العامة في اجتماع عقد في هامبورغ أواخر عام ١٩٨٤ وضم كل من : ديفيد كمشي ، تاجر السلاح الاسرائيلي آل شويمر ، ياكوڤ نمرودي عضو البعثة العسكرية الاسرائيلية في طهران ايام الشاه و منوجهر قربانفر المقرب من رافسنجاني { ملاحظة : قربانفر سيظهر اسمه مجدداً في الترتيبات التي تمت بين الإسرائيليين والايرانيين قبيل احتلال العراق فيما عرف في الاعلام الامريكي بفضيحة ايران كونترا ٢ } .
كان كمشي قد اجرى اتصالات سابقة مع أعضاء في النظام الايراني ممن يعملون على تحقيق تقارب إيراني – غربي املاً في الحصول على مساعدات عسكرية أمريكية بشكل خاص لكنهم فشلوا بالرغم من تدخل ايران ومساعدتها في الإفراج عن رهائن غربيين اختطفهم حزب الله ، وقد تلقى قربانفر نصيحة من عدنان خاشقچي بالتوجه الى الإسرائيليين لتسهيل الوصول الى واشنطن . كانت مساعي قربانفر ورغبة مجموعة رافسنجاني في التواصل مع الأمريكان من خلال الاسرائيليين تتماشى مع ستراتيجية إسرائيلية تهدف كسر العزلة الغربية المفروضة على ايران وقيام الاخيرة بالتوقف عن دعم الاٍرهاب ودمجها في إطار منظور جيوسياسي يعيد التوازن المختل لصالح العراق .
رسمت الخطة على ان يقوم بيريز ، سيُصبِح رئيساً للوزراء ، بالضغط على روبرت ماكفارلين مستشار ريغان للامن القومي لأخذ امكانية بيع أسلحة لايران مقابل الإفراج عن رهائن غربيين بتدخل إيراني في لبنان والذريعة التي تبناها مناصروها الفكرة داخل الادارة الامريكية انه بالرغم من العداء الايراني تجاه امريكا فان تحفيز اتجاهات داخل الأوساط الرسمية الايرانية لتطبيع العلاقات مع الغرب امر يَصْب في المصلحتين الامريكية والاسرائيلية ، ومن داعمي هذا التوجه پول وولفويتز وكيل وزارة الدفاع { ملاحظة : احد ابرز مهندسي الحرب الامريكية لاحتلال العراق } ، كذلك تم الترويج لفكرة ان هنالك خطورة من دفع ايران نحو مزيد من التقارب مع الاتحاد السوڤيتي ، وهكذا تم إقرار فكرة الأسلحة مقابل الرهائن من قبل الرئيس ريغان تحت ضغط مستشاريه ، وقد تم الاتفاق على ابقاء الامر بعيداً عن أنظار الخارجية الامريكية او ال CIA .
تم المضي قدماً في الخطة وتم في التاسع من شهر تموز ١٩٨٥ تنظيم لقاء في هامبورغ بين فريق كمشي وحسن كروبي احد المقربين جداً من خميني وضم ايضاً قربانفر واخرين وأعقب ذلك شحنات من السلاح الاسرائيلي وفي الدفعة الاولى تم تأمين شحن ١٠٠ صاروخ تاو مضاد للدروع مقابل الإفراج عن اربعة رهائن ؛ بين أب وأيلول ١٩٨٥،تكررت الشحنات والصفقات وتم الإفراج عن رهائن من بينهم الامريكي بنيامين واير مما دعى ريغان الى توجيه الشكر شخصياً لرئيس الوزراء الاسرائيلي .
تكرر لقاء كروبي بالإسرائيليين في ٢٧ أكتوبر ١٩٨٥ في جنيف وشارك فيه مايكل ليدن من البنتاغون { ملاحظة : يهودي صهيوني متطرف وسيظهر اسمه مجددا الى جانب قربانفر في ترتيبات احتلال العراق } وذلك لتأمين المشاركة الامريكية المباشرة في العملية .
تطورت العملية الى لقاءات إيرانية – أمريكية على مستويات اعلى وفي الخامس والعشرين من شهر مايس ١٩٨٦ التقى ماكفارلين ( بتكليف خاص من ريغان بعد ان استقال من منصبه كمستشار للامن القومي ) صحبة مسؤولين امريكيين في طهران مع نجفي أباد رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الايراني ؛ كان الوفد الامريكي يامل في لقاءات على مستوى اعلى الا ان الايرانيين لم يؤمنوا ذلك ، رغم ذلك اعتبر الأمريكان ان اللهجة الثورية لم تعد موجودة .
( سنتابع في حلقات قادمة )

اقرأ ايضا: حلف الغادرين .. التعاملات السرية لاسرائيل وإيران والولايات المتحدة – ج١

المقال السابقعرس الببغاء والقصة الغنائية القصيرة
المقال التالىحليمة
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد