خوارزمية “سيناء”

 

تدور معركة الحرب على الإرهاب في أقصى الشرق المصري، ويتابعها العالم كله لما لها من تماس مع الأراضي المُحتلة، وارتباطها بشكل أو بأخر مع مستقبل الشرق الأوسط “الغامض”، حيث تمثل سيناء أخر كروت الحل فى المعضله الفلسطينية وحل الدولتين من وجهة النظر الغربية، والتي تتصادم مع مسلمات الشعب المصري، حتى وأن إفترضنا ليونة النظام المصري في التعاطي مع الطرح الغربي، والذي تصاعدت الأصوات الرافضه له مع إشتعال أزمة جزيرتي تيران وصنافير، بعد أن اعتبرها النشطاء السياسيين المعارضين وبعض قوى المجتمع الأهلي، مؤشر إيجابي لتعاطي السلطة السياسية المصرية مع الرؤية الغربية.

ولا يمكننا الفصل بين التواجد الداعشي في سيناء وأهدافه التى تتقاطع مع الرؤية الغربية، حاله حال التنظيم الأم فى سوريا والعراق وليبيا، تلك الرؤية التى تقوم في أساسها على بتر جزء من سيناء عن جسد الوطن، مستغلة في ذلك تنامي النعرة “الإنفصالية” لدي التيار الأصولي، والذي تعزز بعقيدة تنظيم “داعش”، الداعي لدولة الخلافة.

وفي سبيل تحقيق الهدف نجد أن التنظيم في سيناء لا يتوسع جغرافياً بوتيرة سريعة، لكنه يُرسِخ أقدامه على المساحة التي يتحرك عليها، بخلاف الإستراتيجية التي يسير عليها التنظيم الأم فى العراق وسوريا، الذي يتوسع متسرعاً ثم يخسر ما حققه من مكاسب مع أول تدخل عسكري مضاد، لكن ولاية سيناء تتمسك بمساحة جغرافية محددة، قد تنتقل من مكان إلى أخر، لكنه يراعي فى كل نقله على رقعة الشطرنج أن تكون مساحة سيطرتة تتناسب طردياً مع عدد عناصره، ليضمن كثافة التواجد الذي يُمكنه من صد الهجمات الأمنية، والردع النفسي للقبائل والمجموعات المعارضة لتواجده، من أن يحملوا السلاح ضده أو يتعاونوا معلوماتياً مع أجهزة الدولة المصرية.

في خلال الأعوام الثلاثة الماضية تحرك التنظيم مُنطلقاً من قرى الشريط الحدودي (المهدية-التومه-المقاطعه-الجورة) حتى الحدود الشرقية والجنوبية لمدينة العريش، ولا يأتي هذا التحرك إلا فى إطار رؤية مستقبلية، صرح بها القيادي الحمساوي عبد الفتاح دخان عام 2008 فى ندوة أقامتها الحركة فى غزة، وقال فيها ما نصه أن حدود فلسطين التاريخية تبدأ من “وادي العريش”، هذه المنطقة التى تتوقف عندها هجمات التنظيم، إلا فى نوادر قليلة لا تتخطي أصابه اليد الواحدة، في تأييد قديم مع الحل الغربي للأزمة الفلسطينية.

أنا لست من مؤيدي نظرية المؤامرة المطلقة التي تُستَخدم للإستهلاك المحلي، وأسعى للخلاص من التبعية والأنفصال عن العقل الجمعي للقطيع ما أستطعت إليه سبيلاً، لكنى أجمع شتات المعلومات فى سياق منطقي مقبول بعيداً عن هرتلات الخبراء والأعلام العالمي الموجه، وأجزم أن سيناريو فصل سيناء أصبح جلياً كشمس الظهيرة، رغم كل محاولات التعتيم، وأجزم أيضاً أن آليات التصدي له متاحه بقوة، في يد الشعب المصري أولاً، ثم في سلطة أجهزة الدولة “الوطنية” ثانياً، فالمعلوم أن الرفض الشعبي هو أحد أدوات الرفض السياسي دون الدخول فى صدام مباشر مع القوى التي تفرض أجندتها على الأنظمة الفقيرة والضعيفة نسبياً، إذا توفرت إرادة الرفض.

ويأتي الدور الشعبي فى التصدي بداية من المركز، فمن يملك الحاضنة الشعبي والسلطة المعنوية في سيناء، يملك أدوات السيطرة، وإلى الأن لم ينجح أحد فى حل هذه المعادلة – السهل الممتنع – سواء الدولة المصرية أو التنظيم الأرهابي الكامن على الشريط الحدودي (داعش).

الحاضنة الشعبية تتأرجح بين من يملك القدرة على التعامل مع المجتمع القَبّلي (التنظيم) ومن يملك الموارد وإتخاذ القرار السياسي (الدولة) وكلاهما يعجز عن حسم المعركة فى صالحه، لأن اللمسات النهائية تفشل بفعل فاعل (عنصر ثالث) يريد للأزمة أن تستمر قائمة بما يخدم الحل الغربي.

كما أن التحرك الأهلي يجب أن يتمتع بقدر من الإستقلالية طالما يتفق مع الثوابت الوطنية، من خلال رسائل طمأنة أن مصير الدولة لا تتحمله وحدها مؤسسات الدولة، لكنه يحتاج أحياناً إلى زخم شعبي متصاعد، يسمح للمؤسسات المعنيه أن تستخدمه مبرر لعجزها عن التعاطي مع المتطلبات الغربية فى المنطقة.

لا تعليقات

اترك رد