محمد شحرور وجنة المسلمين


 
محمد شحرور وجنة المسلمين

استمعت كغيري الي برنامج “حديث العرب” مع الدكتور محمد شحرور، ذلك المفكر والمصلح والمجدد في فهم الدين الاسلامي كما يطلق عليه في اوساط غالبية المثقفين والمعتدلين الاسلاميين وحتى بعض العلمانيين. لا شك ان كتابات وكتب محمد شحرور لها اهمية اليوم في اكتشاف مواطن الخلل في التفكير الديني والتعاطي مع الفقه الاسلامي وخصوصا بعد اتجاهات العنف اللفظي والسلوكي والجسدي الذي اتخذته بعض التيارات الاسلامية الراديكالية في تعاطيها مع الواقع ومع الآخر المختلف ومع مفاهيم ومبادئ حقوق الانسان والحريات بشكل عام. فقد أجاد، كغيره من المصلحين في الاسلام، بتقديم مفاهيم عصرية للإسلام والفقه وقراءة القرآن قراءة عصرية تنطلق من “انه لا يمكن ان يكون هناك تشريع ثابت صالح لكل زمان ومكان” بل علينا إعمال العقل وجعل النص الديني موازيا للعقل.

إذن كي نمارس الإصلاح في الإسلام اليوم، علينا الانطلاق او البدء في تقديم العقل على النقل في كل قراءاتنا للقرآن والفقه والتفسير. كما علينا عدم الوقوف امام هذا المشروع بل التقدم بخطوات أكثر علاجا بإلغاء نصوص العنف والكراهية والتكفير في كل من النص الديني المقدس والفقه الاسلامي الذي تواتر علينا بعد عصر التدوين وأن يكون الاجتهاد وفق الظروف الزمانية والمكانية ومستوى تقدم العلم والفلسفة والحريات، فالدافع اليوم لاتخاذ موقف ما أو رأي حول اي قضية جديدة يجب ان يكون من خلال الواقع وعلاقاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وليس من خلال الأحكام الدينية القديمة، فهكذا تقدمت الشعوب، وهكذا بنت المجتمعات العلمانية قوانينها الحديثة للرغبة في جعل الانسان هو الغاية والوسيلة للرفاه والعدالة والمساواة، وهو ما يتشابه مع دعوات الأديان وتعاليمها. لكن بالمقابل علينا أن لا ننسى قاعدة ذهبية في هذا المجال، وهي انه لا يمكن التوفيق بين قيم الدين الاسلامي وبين فلسفة الحداثة المعاصرة والمنطق العقلاني لوجود

اختلافات عميقة في بنية الدين وبنية الحداثة من ناحية القوانين والمبادئ وآليات الحكم والمجتمع والنظرة الي الآخر المختلف. فإذا كان لابد للإرث الديني من أن يخضع لقراءة وتفسير جديدين وبطريقة نقدية كما يقول شحرور، فلابد من ان تكون هذه الخطوة لاحقة لخطوة فصل الدين عن الدولة، أي علمنة المجتمع، فلا يمكن ايضا أن يصبح المجتمع منفتح وقابل للإصلاح الديني او متعايش مع كل الاديان والثقافات الا إذا كان إطار المجتمع وسياسته وقوانينه تعطي الضوء الأخضر لممارسة النقد الديني، وليس كما نتعايش معه اليوم من وجود قانون ازدراء الاديان الذي ساهم بشكل كبير في تدمير العقل والنقد والسؤال والاصلاح الديني على طول وعرض الوطن العربي. وهنا ربما أكون قد خالفت صيرورة العلمنة او آليات الاصلاح والثورة على الواقع والثقافة السائدة بضرورة الاصلاح قبل العلمانية إلا إنني قد ناديت بهذا الرأي كثيرا نظرا لعقم وفشل عمليات الاصلاح الديني منذ بداية عصر النهضة العربية الاولى مع محمد عبده والأفغاني وغيرهم والي اليوم، مما جعل من تطبيق العلمانية بآلياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي المدخل الرئيسي لكل عمليات الاصلاح الديني وتطوير وسائل الانتاج في مجتمعاتنا العربية والاسلامية. فما يحدث في مجتمعاتنا اليوم هو نتاج غياب العلمانية والحريات وليس بسبب عدم تمسكنا بالدين، فنحن أكثر الشعوب في العالم تدينا لكننا اقلها في الأخلاق والعلم والحريات، مما يضعنا امام مطالبات ثقافية وتنويرية تقوم بها الشعوب ونخبها المثقفة في كسر هيمنة الوصاية الدينية والسياسية وبناء منظومة سياسية واجتماعية تؤسس لمفاهيم التعايش والتعددية والديمقراطية وحقوق المواطنة بمختلف أشكالها وهو مالا يمكن حدوثه الا مع العلمانية.

في لقاءه الأخير، صدمت بشكل كبير بجملة قالها الدكتور محمد شحرور في سياق حديثه بأن “معظم أهل الجنة من المسلمين” فهذه العبارة تشكل، ليس فقط سقطة او اجتهادا منه لترقية معنويات المسلمين، بل ايضا استكمالا لمشاريع الاسلام السياسي وتيارات العنف الديني في اقصاء غير المسلم ونبذه واعتبار مجهوداته الانسانية وخدمته للبشرية تذهب

سدى او تغلق الباب امام رجاء الله وسعة رحمته واحتوائه لمن ساهم في انقاذ البشرية او تعليمهم او تطبيبهم، وربما أيضا تعتبرمدخل فقهي وشرعي في محاربة وقتال الكفار، فهؤلاء ووفقا لهذا الاجتهاد فهم غير جديرين بالجنة او الدخول اليها، علما بأن قضية الجنة والنار لم يصل الينا منها سوى اشارات وأحاديث تدخل اساسا في باب الاجتهاد والتمني والتفسيرات الخاضعة لمراحل تطور الفقه الاسلامي، حيث لم يقم أحد من الموت ليخبرنا اين كان هل في الجنة او في النار وماهي اشكالهما ونوعية العذاب او النعيم الذي يحصل عليه المؤمن وغير المؤمن. وقد سبق لشحرور ان قال “ان المسيحيين اليوم قد أقروا بإمكان الخلاص لغير المسيحيين، ومن ثم فعلينا نحن ايضا ان نقر بدخول الجنة لغير المسلمين، هم قد أجروا مراجعاتهم ونحن علينا إجراء المراجعات” (ساسة بوست).

فالجنة كما يؤمن بها المسلمون وغيرهم هي المكان الأبدي للحصول على النعيم مقابل الايمان والطاعة. ويعتقد المسلمون كما جاء في موقع الاسلام سؤال وجواب “جميع الكفار الذين بلغتهم رسالة النبي محمد ولم يدخلوا في دين الاسلام فهم في النار، وقد أورد الشيخ محمد صالح المنجد الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على هذا الرأي، فليس العبرة، يقول المنجد في رده على سؤال الكافر الذي يعمل أعمالا انسانية، ان تكون أخلاق الكافر حميدة بل العبرة انقياده لله تعالي”.

بينما نرى في تفسيرات أخرى قالها النبي محمد لما سئل عن اولاد المشركين قال “الله أعلم بما كانوا عاملين” وايضا قيل بأن الله سوف يختبرهم في يوم القيامة في امتحان يطلق عليه أهل الفترة وهم للذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم. كما هناك أحاديث متواترة عن دخول امرأة من بغايا بني اسرائيل الي الجنة بسبب إطعامها لكلب.

أمام هذا التراث واختلاف التفسيرات والتأويلات، أليس الأجدر بنا كمسلمين أن تكون جنتنا لكل الناس او على الأقل نؤمن جزافا بأن الانسان مهما يقدم فإنه يظل انسانا يستحق الجنة والنعيم، وأن لا نكون إقصائيين أكثر من الله وأن لا نكون ملكيين اكثر من الملك،

فالرحمة والشفقة من اسباب رحمة الله لمن تخلق بهما. وقد قال النبي محمد “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء”.

ان الاجتهاد في الفقه الاسلامي يتطلب منا اولا ان نكون أكثر حرصا على الانسانية، وأن نجد الأعذار وحسن الظن قبل ان نبحث في الأخطاء والعثرات. فاليوم، وبعد العولمة والحداثة، لم تعد هناك اي قيمة لمفاهيم الكراهية والتكفير والإقصاء، فهذه تعاليم قد انتهت في التعامل الانساني الحديث بعد ان توصل الانسان الي قيم التعايش والمحبة والدستور والمواطنة بعيدا عن الإصطفافات الدينية والمذهبية والإثنية التي لم تخلق سوى الحروب والصراعات. ولعل مقولة “ان المسلمين أكثر اهل الجنة” تتعارض فعليا مع ما توصل اليه العقل البشري في فهم الاديان والظواهر والحياة. فعلينا ان أردنا الاستمرار في الاصلاح الديني وتحديث مجتمعاتنا، أن نحدث نحن الثورة في فهمنا للدين الاسلامي بشكل صحيح، وأن نكون ضمن المجتمع الانساني القادر على المشاركة الايجابية ومحاربة اسس العنف والأذى النفسي والجسدي الخارج من الدين وتفسيرات فقهائه، فلن نتوصل ابدا الي حالة انسانية اخلاقية حضارية في ذاتنا ومجتمعاتنا الا إذا اصبحت جنتنا لكل الانسانيين وليس فقط للمسلمين.

1 تعليقك

  1. ‏هو عرف المسلمين على أنهم جميع أهل الأرض وبذلك أهل الجنة هم أهل الأرض اللذين آمنوا باله وعملوا الصالحات

اترك رد