مُحاربة العِلم فرّيضَّة سياسية

 

كيف ننتصر على الجهل ونحن نحارب العلم بالغالي والنفيس وندافع عن قيم الأمية ضد الفضيلة والحكمة، وكأننا لا نعرف من الإسلام إلا إسلام الجماعات الإرهابية العنيفة التي تنظر للعلم على إنهُ تحدّي للذات الإلهية، وبحث في القمامات وكشف العاهات والتصيّد بالمياه العكرة على اعتبار أنْ الجهل المُقدس فضيلة دينية، ليس للدين ذنب في فضيلتها!!

لعل ما يمر به بلدنا اليوّم من ظروف استثنائية عصيبة بدت كأنها قاعدة والقاعدة هي الشوّاذ والاستثناء في ظل تفاقم أزمة القيم في بيئاتنا العربية المعاصرة، من تطرّف ديني وإرهاب فكري وعُنْف أصولي وقتل وتمرّد ناجم عن الجهل المقدس والقصور الثقافي والتسطيح الفكري الذي لوّث صميم العادات والتقاليد فينا ونالت من الأخلاق تحت عناوين الأصوليات الدينية والتمسك بالماضوية والقدّامة، ومرّد ذلك كُله ناجم عن نسبة الأمية التي حظيت بها مجتمعاتنا العربية في عمومها، وفي العراق على وجه التحديد والتي بلغت أرقام قياسية لم تعد أجهزة الإحصاء والتدقيق قادرة على استيعابها!!

تزامن ذلك الانحطاط والترّدي في القيم مع غياب الدور الحكومي وإداءه الوظيفي من القيام بدوره لمكافحة الأمية والجهل أو الحد من تفاقمه، ذلك لاعتبارات سياسية أو مذهبية علاوة على الفشل السياسي في إنقاذ الدولة من مأزق الأمية الدينية والأمية السياسية، بل ودعمها للتخندق والحزبية التي لم تعر بالاً لأية محاولات تصحيح المسار وتطوير منظومة الدولة، حتى أصبح مفهوم “عوّدة الدولة” حاضراً في الأدبيات السياسية للحاجة الماسة

وفي ذلك الوقت نجد من يُثبط همْم مشاريع التعليم والوقوف بوجه الشباب والطاقات الثقافية والقامات الإبداعية من إتمام مسيرتهم العلمية وجهدهم الابداعي، مواطنين مُحاربين بكل السُبل والسلوكيات من خلال حزمة قرارات الحكومة المركزية التي أصبحت جديرة ومُتمكنة في اتخاذ قرارات مُحاسبة الطلبة العراقيين من الدراسة، ومحاولات منعهم من الحصول ونيل الشهادات العلمية والدراسات العليا تحت عناوين التقشف والعوّز الحكومي وكأن التقشف لا يُعالج إلا بمحاربة العلم والتعليم ويستثني من ذلك رواتب البرلمانيين والمسؤولين والإيفادات والمنح والنثريات ومخصصات الحمايات والجكسارات والسهرات والحفلات والندوات!!

لماذا يوضع التعليم كحل للمشكلات ولم يوضع عمليات تجميل المسؤولين؟!! … ولماذا يوضع العلم في مقدمة البرامج والمشاريع التي يُقتص منها لمعالجة التقشف والفساد الحكومي، كان يجدر بالحكومة أنْ تجعل التعليم خط أحمر لا يشمله أي إقصاء أو برامج لمعالجة التقشف، الوطن بحاجة للعقول الراقية!

ومرّد هذا كُله يعطي إشارة واضحة ومؤسفة مفادها: إنْ مُحاربة العلم أصبح فريضة سياسية في مجتمعاتنا المُعاصرة، وذلك يعوّد لضعف الخبرات العلمية التي ترأس وزارة التعليم والثقافة شخصيات لم تحظى بالتعليم الكافي أو الكفاءات في مجال تخصصها، علاوة على ضعف خبرات التخطيط البعيد المدى، ذلك لأنْ العلم هو المخرج الوحيد للأمة من مأزقها في الخلاص من العنف والتطرّف والإرهاب، فالعلم هو الضد والخصم والمُضّاد الحيوي للدعشنة والأفكار الظلامية، ومن هنا كان لزّاماً أنْ يحظ قطاع التعليم في العراق بحصة الأسد من التمويل ومشاريع الإعمار لرفد الكفاءات وفتح باب المُنح والزمالات والإجازات الدراسية لا لمنعها وحجب ومنع الموظفين من إكمال دراستهم داخل وخارج البلاد، وتجربة الدراسة خارج البلاد مفيدة ومهمة من أجل المثاقفة ونقل الخبرات فالوطن يعاني من داعش والتطرّف وبحاجة للعلم والابداع ولقادة وبدائل الإصلاحات السياسية بحاجة للنظر في حال واقعنا التعليمي .. نسخة منهُ إلى أنظار السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الجديد للنظر بما صنعتهُ سياسات العقل الحزبي.

لا تعليقات

اترك رد