الاصلاح والازمات


 
الاصلاح والازمات

( ولما دخل بوش بغداد وقف على اعلى نقطة في ساحة الساعة ونظر الى الاطراف وقال: ياله من بلد رائع لولا ان فيه عيب كبير، قيل وما هو سيادة الرئيس؟.. قال: كان يفترض ان تكون احلام وهبي وعفيفة اسكندر مرجعية هذا الشعب وليس ابليس وزبانيته) ( رواه الزنديقي)

مع اقتراب موعد تحرير الموصل، اطلقت العديد من مراكز الابحاث والدوائر الاستخباراتية الغربية سيناريوهات متعددة لمرحلة ما بعد التحرير، او للحروب والصراعات المحتمل وقوعها في المنطقة، وبغض النظر عن صحة تلك التوقعات من عدمها، الا انها تشير اساسا الى ان سياسة اثارة الازمات في العراق والمنطقة ستظل سائدة الى وقت ليس بالقصير، الملفت للنظر في القائمة التي احتوت على مايقارب العشرة حروب انها اغفلت مسببيها وداعميها ومشعلي فتيلها، وانبرت لاستعراض ادواتها ومنفذيها، داعش والميليشيات وحكومة بغداد والحكومة السورية واكراد العراق وسوريا ايضا، مع ان كل هذه الاطراف هي ليست سببا اصيلا ولا طرفا راغبا للحروب والصراعات، وانما هم جميعا منفذون لارادات اقليمية ودولية تسعى الى انهاك هاتين الدولتين وتفكيكهما وزعزعة وحدتهما وضرب نسيجهما الاجتماعي لاهداف تتعلق بمسألتين ما عادتا خافيتين على القاصي والداني وهما النفط وامن اسرائيل، احتوت القائمة على ثلاثة احتمالات تخص العراق، حرب السنة ضد الشيعة والكرد معا، وحرب بين الميليشيات الشيعية والاكراد، وحرب اخرى بين الاكراد انفسهم، فيما اهملت اللائحة احتمال نشوب صراعات بين الميليشيات الشيعية ( وهو امر محتمل واسبابه قائمة)، وقدمت تلك اللائحة اسبابا موجزة لتلك الحروب، ورغم اختلاف وتنوع الاسباب الا ان تلك الصراعات تشترك جميعا بصفة واحدة وهي الحرب الاهلية، فما يحصل داخل العراق باستثناء الحرب مع داعش هو صراع داخلي ضحاياه الابرياء دوما، ولاتتعدى اسبابه التوسع والسلطة والثروة..
ترتيبات تحرير الموصل التي اشرف عليها الاميركيون، قضت في ان تقوم البيشمركة بتحرير مناطق سهل نينوى وهي تلك التي تضم الاقليات الايزيدية والشبك والمسيحيين، مع توجهات بتقسيم نينوى الى ثلاث محافظات، واحدة للغالبية العربية واثنتنان للاقليات في المناطق التي يطالب الكرد بضمها الى الاقليم، وهذه النقطة بالذات هي سبب الصراع المحتمل بين الميليشيات الشيعية والكورد، وربما ايضا بين السنة والشيعة معا ضد الكرد خاصة بعد تواتر الانباء عن قيام البيشمركة بتهجير العرب المتواجدين في المناطق التي يهدفون الى ضمها للاقليم..
الاميركيون كالعادة يضعون الغاما موقوتة في كل حلولهم ومعالجاتهم لمشاكل العراق، ابتداءا من الدستور الذي احكموا صياغته ليكون قيدا يكبل الشعب وسيياسييه بالطائفية وبفقدان المركزية وقوة القرار، وقانون اجتثاث البعث الذي صيغ لاحداث شرخ وعقدة اجتماعية اكثر منها سياسية، ومن ثم مسالة الاقاليم الهادفة الى اضعاف الدولة وسوء توزيع الثروة وسوء التخطيط والادارة، ولذلك فان اثارة وطرح السيناريوهات لحروب وصراعات مستقبلية ماهي الا وسيلة لزرع افكار الصراعات ان لم تكن موجودة اصلا وزعزعة ماتبقى ( وهو قليل جدا) من الثقة بين الاطراف السياسية وجعل الجميع يتصرف وكأن الاخرين اعداء وليسوا ابناء وطن واحد، مع العمل بالخفاء لتغذية روح العداء والتفرقة ودفع الاطراف الى الصراع بالشكل الذي يضمن اضعاف الجميع وانهاكه وبقاء قوى الاحتلال كمرجع وحيد لحل الخلافات..
صورة الحروب الاهلية والصراعات بين ابناء البلد الواحد هي البديل المتوقع لحال العراق ما بعد تحرير الموصل، اذا ما شاءت الظروف الدولية واهمها تدخل الروس في القتال ضد داعش في سوريا، الى اتخاذ قرار بانهاء او تجميد صفحة داعش او تحديد نشاطها الى حين اخر، او نقل تواجدها الى دول اخرى مع ابقاء ذيول ومواطيء قدم لها في سوريا او العراق، فالكرد لن يتراجعوا عن المناطق التي سيحرروها باعتبار ان السيطرة عليها فرصة لن تتكرر وان مزيدا من الارض يعني مزيدا من المكاسب ان حصلت مفاوضات مستقبلية وليست صراعات وحروب، تتعلق بحدود الاقليم والمناطق المتنازع عليها..
هذه اللائحة ايضا، تضع الجميع امام صورة اخرى عن المعاناة والمآسي التي سيمر بها العراقيون خاصة في مناطق القتال، فالتهجير والنزوج سيكون هو العنوان الاكبر وهو المشكلة الاعمق، ترافقها نسبة التدمير المتوقع للبنى التحتية لمدينة الموصل مثلما حدث في الانبار والفلوجة، الامر الذي سيجعل هذا البلد في محنة لامثيل لها، بعدما سيجد الملايين من الناس انفسهم يعيشون في العراء او في الخيام دون اي عون من حكومة لاتملك شيئا لتقدمه لمواطنيها سوى فضائح الفساد المتواصلة..
مثل هذه القراءة اذن تضعنا امام حالة تجعلنا نفكر في ان بقاء الموصل بيد داعش اهون كثيرا من تحريرها، ففي الاقل ان اهالي الموصل الان يعيشون في بيوتهم ويتمتعون بالماء وربما بقليل من الكهرباء، وياكلون بيسر ويحصلون على بعض الخدمات، في حين ان نتائج التحرير هي التدمير الشامل والتهجير الشامل، ومن ثم صراعات وازمات جديدة مصممة كلها لاستنزاف هذا الشعب وضرب وحدته وسرقة ثرواته وممتلكاته، والغريب في كل هذه القصة، ان احتلال الموصل من قبل داعش ما تسبب في التدمير والتهجير في حين ان تحريرها سيؤدي الى ذلك وسيكون مأساة اخرى أمَرُ وأعقد من مأساة احتلالها..
الاصلاح اذن مؤجل بقرار اميركي، والفساد مقرر بقرار اميركي، والحروب والصراعات القادمة معدة ايضا بسيناريو اميركي، أما الشعب فله النزهات الاسبوعية للمطالبة بالاصلاح ولكن بعد حين..

لا تعليقات

اترك رد