جواد الحطاب: رئة الشعر ومتنفسه النقي


 

نهر من أنهار الشعر في العراق التي أخذ عنها الجمال فكرة التدفق ،من البصرة الفيحاء ، رئة الشعر ومتنفسه النقي ، قصيدته تحمل على عاتقها مسؤولية الشعر الحقيقي ، ،نصه مكتمل النضج ، فريد النكهة ، يشعر متلقيه بالامتلاء زهوا ً ، جواد جامح أخذت عنه حروفه سر الوثوب الى أعلى مراتب الكمال والتميز ، لقبه يؤهله لأن يحمل فأس المبادرة لتشذيب كل ما يشوه صورة الحياة الناصعة .. السامية ، شاعر حافظ على منسوب الإنسانية في روحه .. والنقاء في مواقفه .. والحب في قلبه ، إنه الكبير جواد الحطاب ..

س ــ أولا ً .. من هو جواد الحطاب ؟
ج ــ صدّقوني لو كنت أعرفه ، لأخبرتكم عنه ، ولا تستغربوا من جوابي فهذا الذي استغثت منه وفي أولى تجاربي الشعرية التي نشرت في ديواني الأول ” سلاما ً أيها الفقراء ” قائلا ً ( النجدة .. النجدة ، من ينقذني الليلة ن بلطة طفل مجنون ، يتمرد في أعماقي الآن ) هذا الطفل ، المشاكس .. المتمرد ، مازال يقلقني حتى بتّ لا أعرف كيف أهتدي إليه ، لأقيم صلحا ً أو هدنة معه ، لكن بشكل عام يمكنني أن أسر إليك بما وصفه الناقد العراقي الكبير طرّاد الكبيسي ( إنه شاعر ، أو شاعر طفل ، لا يبغي من حطام الدنيا سوى لعبة يلهو بها ، ولعبة جواد الحطاب : القصيدة ) .

س ــ حدثنا عن مكونات تجربتك الشعرية ؟
ج ــ يمكنني القول ان لمدينتي البصرة التي أعطت التاريخ الثقافي والأدبي العربي أعلى عناوينه ، اليد الطولى في تكوين عوالمي ، فهذه المدينة التي تغفو على ذراع شط العرب ، وتحاور ما يقرب من 15 مليون نخلة ، وتلتقي على موانئها كل ثقافات العالم ، بإمكانها أن تجعل حتى من العي ّ شاعرا ً ، ولذلك كانت تضرب في أيام مربدها السرادق لإجازة الشعر والشعراء ، أو لنهيهم من الإدعاء بذلك . البصرة ، وقصائد السياب ، وأغاني البحارة ، والحكايات على مواقد الشتاء ، والشعر الشعبي ، ونواعي الأمهات ، واصطفاق أجنحة النوارس ، وصفير السفن ، وأضوية الفنارات ، جيعها هي التي وسمت بداياتي بميسمها ، ومازالت ، حتى قلت مرة : إن البصرة خلقتني .. وأضافت القراءات الي الطيب والتوابل .

س ــ الجيل السبعيني شهد انطلاقة غير مسبوقة في الثقافة العراقية من حيث عدد الشعراء ، أو الأشكال الشعرية الجديدة ، كيف كانت انطلاقتك الشعرية ، ومتى ؟
ج ــ شكـّل منتصف السبعينات محطة كبيرة في انتباه النقاد الي ّ ، فلم يكن اسم ” الحطاب ” معروفا ً في الوسط الثقافي ، سيما وإن الجيل السبعيني تميز بكم ونوع فرسانه الذين حاول كل منهم التميّز ، والمغامرة لإثبات الذات .
وسط هذه الأجواء ، والصراعات الأدبية والسياسية والتجمعات ، تنشر مجلة ” الأقلام ” التي كان من محرريها ” عبد الوهاب البياتي ” و ” سعدي يوسف ” و ” طراد الكبيسي ” و ” عبد الرزاق عبد الواحد ” ، ويشرف على سكرتارية تحريرها ” عبد الرحمن مجيد الربيعي ” ، وكبار أدباء ونقاد العراق والوطن العربي ، تنشر هذه المجلة التي يحلم بالنشر فيها شعراء وقصاصون معروفون ، نصا ً شعريا ً لشاعر مجهول قدم من البصرة الى بغداد ، وليس لديه من معارف فيها سوى قصائده التي أثارت الانتباه إليه ، لتطلق عليه فيما بعد لقب ” شاعر الفقراء ” بعد نشر مجموعته الشعرية الأولى ” سلاما ً أيها الفقراء ” .

س ــ هل تعد تجربتك الشعرية ظاهرة متفردة ، أم انها انعكاس أو امتداد لظواهر معينة أو أسماء ؟
ج ــ بدءا أقول لك : أنا ابن شرعي لكل الشعر العراقي ، ولم تحبل بي الشعرية العراقية خارج الرحم ، والشاعر الذي يربط مرجعيته أو مكوناته بشاعر واحد ـ مهما علا شأن هذا الشاعر ـ ستكون قصيدته عارية أمام مؤثرها ومتلقيها بآن واحد ، فجواد الحطاب يقف على أكتاف شعراء عراقيين وعرب وعالميين ، وهم من رفعوني ، وسأزعم ان ثقل تجربتي لن تستطيع أن تتحمله أكتاف شاعر واحد بعينه .

س ــ بعد أن مررت بمحطات الشعر بأنواعه في رحلتك الإبداعية ، كانت قصيدة النثر هي المستقر .. حدثنا عن ملابسات الرحلة وعن محطة الوصول ؟
ج ــ بالنسبة لي كانت البداية مع القصيدة العمودية ، وكتبت نصوصا ً اعتبرتها ” تمرينات ” لضبط الوزن والتمتع بموسيقاه ، واكتشاف القدرة على ” حياكة ” الأبيات الشعرية لإنتاج نص متكامل أشبه ما يكون ب” بساط شعبي ” متناسق الألوان وبصياغة تنم عن القدرة والمكنة الأدبية ، حتى اذا تم لي ذلك اتجهت الى قصيدة ” التفعيلة ” وثورتها التي فجرها السياب ، وأول قصيدة منشورة لي كانت من هذا النوع أو النمط الشعري ، واستمر هذا الاتجاه عبر أول ثلاث مجموعات شعرية لي ، ( سلاما ً أيها الفقراء 1978 ، يوم لإيواء الوقت 1992 ، شتاء عاطل 1997 ) ، ليتم التحول بعدها كليا ً لقصيدة النثر فيما تلا من دواوين ( إكليل موسيقى على جثة بيانو 2008 ، بروفايل للريح . رسم جانبي للمطر 2012 ، ربيئة وادي السلام 2016 ، ومخطوطة قيد الطبع بعنوان : مقتنيات شخصية ) ، وهكذا فان وصولي الى القصيدة النثرية لم يأت انهزاما ً من قيد ” الشعر الأصولي ” ، اذا جاز لي ان أسمي الشعر العمودي هكذا
، في ” قصيدة النثر ” مديات غاية في الروعة ، ومتع الاكتشاف معها غير معقولة ، وأساء اليها خصومها بعد اشتراك كل من مسك قلما ً ، أو تعلم الضرب على “الكيبورد ” و” تصفيط ” المفردات في ماراثون عبثي لم ينتظر القيّمون عليه حتى وصول الراكضين لنهاية الشوط .

س ــ ما موقع الشعر العراقي عربيا ً ، وهل أثر غياب معظم سفرائه على مكانته ووجوده في الساحة الأدبية العربية ؟
ج ــ الشعراء العراقيون كما نخيل العراق ، بلدان كثيرة أخذت من نخلاتنا ماهو مشهور بحلاوته ، وزرعتها في مدنها وكل النتائج قالت ان الطعم لم يكن مثل طعم تمرها أيام كانت بتربة العراق ، ولا عيب في تراب المدن الجديدة ، لكنه وفاء النخل لنشأته ، ومثلها الشعراء ، فشاعر مثل سعدي يوسف ، وفوزي كريم وخزعل الماجدي وفضل خلف جبر وعبدالرزاق الربيعي و عدنان الصائغ و خالدة خليل وريم قيس كبة ودنيا ميخائيل ، بعضهم غادر العراق منذ عقود ، وبعضهم من سنوات ، لكنهم مازالوا في صلب الشعرية العراقية ، ولا يمكن فصل كشوفاتهم الابداعية عن المشهد الداخلي ، بل ان احتكاكهم بالمدن الجديدة أضاف شكلا ً جديدا ً ، وأفقا ً جديدا ً للتجربة .
وبشكل عام فان غالبية الأدباء العرب كانوا يحجون الى مرابد العراق ، فقط ليقولوا : اننا قرأنا في مربده ، وسأكتفي بقول محمود درويش ” إن الشعر يولد في العراق ، فكن عراقيا ً لتصبح شاعرا ً يا صاحبي ” .

س ــ ” الشعر ديوان العرب ” ألا ترى كا يرى الكثيرون ان الرواية زحزحت الشعر لتتصدر المجلس في ديوان الأدب اليوم ؟
ج ــ نعم .. تصدرت الرواية ، الأرقام تقول ذلك ، ولا أحد ينكرها ، ولكن متى كان الشعر ــ كمعطى حسّي ــ معنيا ً بالأرقام التي تحيلك الى الرياضيات والحساب ؟
الشعر هو صنو الروح الانسانية في أعلى تجلياتها ، ومن دونه سيبقى الانسان عبارة عن أفعال ، وردود أفعال بايلوجية ليس الا ، فاذا انفردت مع الحبيبة هل أقرأ لها فصلا ً من رواية ” الحب في زمن الكوليرا ” ، واذا أردت أن أعبر عن امتناني لأمي هل أردد على أسماعها مقاطع من ” الأم ” لمكسيم غوركي ، ومتى شئت أن اتفاخر بمنجزات وطني فهل أقف وسط ساحة المدرسة ، بجوار العلم ، ملوحا ً بيدي هازجا ً بمقدمة جبرا ابراهيم جبرا لـ ” الصخب والعنف ” الفوكنرية !
الشعر سر الهي ، وذكر القرآن أبطاله الأتـقياء ، وهذا امتياز له على الساردين ، في حين لم يذكر الرواة . فالشعر هو الاحساس الانساني ، واذا ما بطل الانسان واحساسه ، هنا نستطيع ان نقول ان الشعر انهزم ليس أمام الروائيين فقط ، بل حتى أمام المنادين على ” النفط وقناني الغاز ” في الطرقات وبين شوارع البيوت .
لكن ما قلته لا ينفي ان ثمة بونا ً شاسعا ً بين الشاعر ومتلقيه ، فتعقيدات الحياة ومشاغلها ، والركض وراء لقمة العيش ، خفضت من تخصيصات وقت القراءة للمتابع العادي ، وبات القاريء يبحث عن نص مستساغ لديه ، بدون مرجعيات وبحث بين القواميس عن معنى أو اشتقاق لغوي جديد ، وبالضد من ذلك ، أصبح واقع الشاعر الذي ألقت عليه مستجدات الحضارة وتنوع النظريات الحداثوية ، والألسنية ، وفروع المعرفة وتداخل الفنون ، والأشكال الأدبية ، شكلا ً مختلفا ً ومتقدما ً على وعي قارئه ، لكن المجد سيبقى للشعر أولا ً وأخيرا ً ، ولأسباب ذكرتها في بدء الاجابة .

س ــ و أخيرا ً .. ماهي سمات النص الذي تأمل الى الوصول اليه ؟
ج ــ بلا تردد ، سأجيب : انه الحياة
فلم يخلق سبحانه وتعالى هذه الأكوان عبثا ً ، وانما لنعمرها ، ونبني فيها جناتنا الأرضية الطافحة بالجمال والسلام
الحياة ، نعم الحياة ، الانموذج الذي أسعى لأن يرتقي نصي الشعري الى قممه ، لتتسع رؤياي ، بعد أن ضاقت العبارة ، كما يقول النفري .

لا تعليقات

اترك رد