مصايب ياعرس عتوي مصايب

 
مصايب ياعرس عتوي مصايب

قيل عن الحب الكثير ..ـأكثر مما قيل في أي شيء، وحفل التأريخ لكل الحضارات و في كل زمان ومكان بقصصه ومروياته غير السعيدة في الغالب، ولم يستأثر أي شعور أو نشاط إنساني بالاهتمام قدر ما استأثر هذا النشاط أو الشعور أو الفعل…بل تعدى الإنسان ليشمل الأنواع الأخرى من الكائنات ليصل حتى النبات.. فهو من الصفات الراسخة في الأحياء والأموات، فنرى أفرادا أو شعوبا تحب شخصا ما حبا يصل للعبادة احيانا ..على الرغم من انتقاله من العالم الواقعي ليعيش أبديا في الذاكرة والوجدان .واستحوذ الحب على الكثير من التشبيهات والكنايات والصفات والاستعارات والانزياحات، فمنهم من عزاه للقدر والجبر كما قيل قيل أنه أعمى… و قيل ايضا انه يأتي على غير موعد ويذهب وقت ما يشاء دون موعد ايضا ..وقيل أنه يتقاطع مع السائد والمألوف ..و يعمل دون نظرية واضحة أو آلية ومعايير ثابتة .وأنه لا يطلب الإذن من احد…..وله قانونه الخاص المختلف والمغاير، والذي يحكم عليه البعض بالشاذ واللامعقول، وطالما لاقى إخضع وبشكل تعسفي لا شكالية التقديس والتبخيس ووجهات النظر والتقاليد والأعراف المختلفة، ولقى القبول والتعظيم كما لاقى القمع والممانعة من اقرب الناس للمحبين او العاشقين، ..وربما وصف الكثير من العشاق بالمجانين أو من الذين هجروا عقولهم ،…..وأيقونة العشق العربي مجنون ليلى ليس هو المثال الوحيد في سفر العشق العربي…بل رسخ الشعراء العرب مفاهيما فريدة في ثقافة العشق الإنساني ، إذ سطروا وأشاعوا في إشعارهم ومعتقداتهم الكثيرة وعبر كل العصور بان العشق الحقيقي .. هو الذي يجب أن يكون ملازما للجنون والغياب عن العقل وفقدان الصلة الواضحة بالعالم،..واعتقدوا انه كلما كان العشق صادقا وقويا كلما اهتزت مفاتيح ومثابات العقل وقدراته، بل ااجزموا انه يجب أن يكون ملازما للجنون والتجافي عن الموضوعي والروتيني، والذي يصل للتضحية بالنفس والتلذذ بالموت أحيانا..اختزالا ….في المعاش والموروث ..كان الحب من اكبر المهيمنات على حياة المجتمعات والأفراد…وكان ملك المشاعر بلا منازع وإمبراطور الجنون الجميل، وأن رأي العاشق بحبيبته هو غير رأيه بالآخرين وغير رأي الآخرين فيها …وأدبنا العربي زاخرا بهذا .. والأمثلة لا تحصى…..

فهذا الذي يقول- قد يعشق الناس من خال بوجنته … فكيف بي وحبيبي كله خال

فقد كانت حبيبته سوداء كالليل …ولكنه بدلا من ان يرى سوادها عيب وقبح بل رأى فيه ميزة جمالية كبيرة

وقال الشاعرأبوتمام: كنت يوما في مجلس رجل ومعه فتاة حسنة الصورة وفتى قبيح دهيم،وكانت الفتاة مقبلة على هذا الدهيم بحديثها وغنائها. وبينما نحن كذلك إذ قبل فتى جميل فلم تعبأ الجارية ،فقال ليصاحب البيت: إن في أمرهما عجبا.
قلت: وماذا؟ قال: هذه الجارية تحب هذا القبيح وليس له في قلبها محبة،وتكره هذا الجميل وهو متيم بها. فقلت للجارية: تختارين هذا وهو أقبح من ذنوب لمجرم ينعى وهذا الذي أحسن من توبة التائبين؟فقالت: ليس الهوى بالاختيار،ثم أنشأت تغني:

فلا تلم المحب على هواه فكل متيم كلف عميد
يظن حبيبه حسنا جميلا ولو كان الحبيب من القرود

وتواصلا مع هذا الموروث العريق ..أحب عتوي امرأة من أهل قريته حبا كبيرا وصل به لحد الهيام والوله …على الرغم من كونها امرأة خالية الوفاض من اي قسط من الجمال والأنوثة، …إذ كانت امرأة غماء بوجه كالح وانف قد أكلته القرحة (الكريحه)1 وهي صغيرة فتركها خناء ..من الصعوبة فهم ما تقول وكذلك كانت بشعر خفيف اقرب إلى الصلع وبادية الضمور في كل المكونات التي تفخر بها المرأة…. ولكن عتوي كان لا يرى غيرها على الأرض ..وكانت هي شمسه وقمره وابعد مناه …وإذا تغيب عنه ليوم ، تغيب عنه الحياة …يلتقيها كل يوم في بستانه الصغير المحاذي لبستان أهلها دون كلل أو ملل …ويجلسا في وضعية اقرب إلى الالتصاق يبثان الغرام لبعضهما…فهي امرأة انصرفت عيون شباب القرية عنها ولا احد منهم يمني نفسه بها كما قلنا لخلوها من اي لمحة جمال.. فلا يواجهون في لقاءاتهم هذه أي صعوبة أو ممانعة.. ..حتى أهلها يتغاضون كثيرا في محاولة منحها فرصة الزواج …هكذا تغيب الشمس… ويرحل وجد النهار فيسلمهما إلى وجد الليل…. حيث لا يفارق احدهما الآخر ففي الأحلام هناك متسع للاماني ….وفي حين كانا مثار سخرية لبعض شباب وصبايا القرية ، كانا مصدر الاعتزاز والتقدير من البعض الأخر ..لوفائهما والتصاقهما يبعضهما في كل الظروف وإصرارهما على إذكاء جذوة حبهما..لم يكن صعبا أن يتزوجا لولا ممانعة امه العنيدة والعنيفة جدا..و التي يحبها ويقدرها..فهو ولدها الوحيد وصاحب ارض وضرع وقدرة مؤكدة…ولكن الأم كانت حجر عثرة في طريقهما …وهي اي الام لا تستسلم ولا تلين …فهو وحيدها ..وتتمنى له اجمل النساء ..ولكنه متمسك بحبيبته رغم رأي امه واستمرارها في الممانعة …ومرت سنين بين شد وجذب وزعل ورضا بين الشاب وأمه ..وحب دائم ومتواصل بل حب يكبر مع الأيام ويزدهر بين عتوي وحبيبته مع قوة رفض وعصبية أمه وممانعتها …ولكنها شعرت في احد الايام حينما راحت تقارن بينه وبين أصدقائه الذين ملؤوا بيوتهم صغارا، انها ممكن ان تندم مستقبلا وأحست بان عمره يركض الى امام ، ولم يعد هناك الكثير من الوقت لزخم فتوته وقوته ..وكل إقرانه ملؤوا البيوت اطفالا…كما ان اللوم المستمر من اهل القرية جعلها تعيد النظر في موقفها وتقلل من غلوها ..وأخيرا سلمت بالأمر الواقع ورضخت مضطرة وعلى مضض لرغبات وحيدها …وعلى الأغلب كان الحافز الأكثر تأثيرا هو رغبتها برؤية اطفاله …وحينما سمع عتوي قرار امه بتركه يتزوج من حبيبته لم يسعه الفرح ..راح يمشي ركضا وينثر الفرح والبهجة أينما حل كما راح يسرع في تجهيز ملتزمات الزوجية والعرس …كان على عجلة من أمره فقد صبر كثيرا …وأضناه الوجد ..وسحقه الانتظار ..وابهضته الاشواق….. والام العنيدة الممانعة تتلظى في قلبها نار عدم القناعة ومرارة التسليم والقبول بامرأة ترى فيها كل البشاعة وعدم الانسجام واللياقة مع وحيدها …وعلى الرغم مما يقال عن العداوة الأزلية بين الام والكنة ..والتي أصبحت أشبه بالبديهية أو المسلمات وفحواها ان الام تكون ثقيلة جدا على الزوجة ..وأن الود والمحبة بينهما من الاستثناءات القليلة والنادرة او من يرى انها من العجائب ..بل هناك الكثير من شعر الدارمي الذي راشقت به الكنات عماتهن أي امهات ازواجهن …والذي يوضح الصلة الملتبسة والود الغائب بين الطرفين …فهاهي إحدى الكنات تقول لكنة أخرى يبدوا انها تعاني هي الاخرى من جور عمتها وبث الشكوى لصديقتها

تقول
عمتج بيت بيوت عمتي شعمة
حتى الهوى من ابعيد ما ترضه أشمه
فتجيبها الاخرى
عمتج بت بيوت مو بت صهاوي
عمتي اذب افتوك شلحم شداوي
وبالتقابل تقول الأم ما يدمي القلب ويستدر الدموع من ظلم الكنة واستحواذها على الولد الذي يهمل اهمالا يدعو للشكوى والتظلم … الام بعد ان انهكتها الشيخوخة واتعبها الكبر …هذه ام مكلومة تقول

ربيتهم ورباي بوش وتالي العمر سرحني بالهوش
الام تشكو انها بعد ما بذلت من جهد واهتمام في تربية وحيدها …قام الأخير بإعطاء وظيفة مهينه لامه طالما يمارسها الصغار وهي الرعي بالبقر.
او ما تقوله ام اخرى
ما كصرت يا بزر بطني وبجرد مرتك كوم غطني
وهذه الاخرى التي تعتب على ولدها بمرارة قاتلة والذي امعن في اهمالها للحد الذي لا تجد فيه غطاءا سوى اسمال زوجة ولدها.

أو ما تقوله ام ثالثة
المسعده تحجي امعلك وأم الولد بس اتملك

كل تبحث عن ترسيخ أحقيتها وسلطتها،.والرجل بين الطرفين يقف مشدوها ..لا يدري يسلم لمن وبناجز من …ام عتيوي لها أسباب اضافية غير تلك الاسباب الروتينية ..غير التنازع على رجل واحد من موقفين مختلفين… وغير أن امرأة لم تدخل خاطرها استولت على عقل وحيدها وبالتالي وقع فريستها كما تعتقد ….والسبب كما ترى واعتقدت طويلا أنها امرأة لا تليق بابنها ولا يستطيع عقلها ان يستوعب هذا الزواج ..وان سلمت رضوخا لضغوطات أهل القرية وتوسلات ابنها ورغبتها بخلف له على مضض ..لكنها كانت تضمر في داخلها حقدا لم يخمد أواره ولم تنطفي ناره …وأرادت أن تعبر عن هذا …في صبيحة عرسهما …فجاءت لتكون أول المباركين مع طبق الفطور.. ولكن السخرية كانت تسبقها والإصرار على الانتقام يسرع خطاها..فدخلت متفحصة وهي تنظر إلى عروس ابنها باستخفاف بين…وسخرية دافقة…وأعادت النظر في وجه زوجة ابنها وقالت دون تردد
مصايب يا عرس عتوي مصايب
نشري خشوم لو نشري كصايب

وراحت تهز بيديها استخفافا دون أي اعتبار لحزن عروس ابنها وغضب ابنها الجارف

الكريحة : مرض جلدي يصيب الانف ويأكله تماما ربما هو الجذام ويسمى عند الريفيين في الجنوب بالكريحة

لا تعليقات

اترك رد