القفص: مسرحية قصيرة فى مشهدين

 
لوحة للفنان سرور علوني

( عن حكاية من حكايات الديكاميرون )

الزمان : العصور الوسطى .
المكان : بيروسا .
الشخصيات : الزوجة . الزوج . العجوز . الشاب . صوت من وراء الكواليس .

[ المشهد الأول ]
تفتح الستارة على الزوجة ، امرأة شابة صارخة الجمال بين الثلاثين والأربعين من العمر، تتمشى فى غرفة المعيشة ، فى منزل من منازل القرون الوسطى ، حيث تصلح غرفة المعيشة لكل شئ ، الجلوس والطعام وغيرها . الزوجة وحدها ، من الواضح أنها تتنتظر قدوم أحد ما ، تتجه نحو الباب الرئيسى ثم تعود ،يتكر ذلك عدة مرات ، لا أحد ، تجلس للحظة ، ثم تقف وتواجه الجمهور .

الزوجة : لا تلومينى ، لقد تحملت كثيراً ، هذا التعس يهجرنى لأنى فحشة يميل إلى رى ما هو جاف والابتعاد عن الرطب ، هل فهمتم قصدى ؟ أقولها والابتعاد عن الرطب ، أكيد فهمتم قصدى ، أقولها صراحة هذا التعس المدعو زوجى ، يميل إلى الذكور دون النساء ، هذا التعس الفاحش يهجرنى .

صوت من الكواليس : من أجل شاب جميل فى المدينة يعدو خلفه فى الطرقات .

من أجل شاب جميل فى المدينة يعدو خلفه فى الحانات .

الزوجة : ( تستأنف خطابها للجمهور ) رضيت بالزواج منه وأنا أحسبه رجلاً ، قدمت إليه دوطة كبيرة وجيدة . حسبته يشتهى ما يشتهيه الرجال ، لكنه ليس رجلاً .

صوت من الكوالليس : أيتها الشريفة ، المدينة كلها تعلم بحال زوجك، لكنك آخر من يعلم .

أيتها الشريفة ، المدينة كلها تعلم بحال زوجك ، لكنك آخر من يعلم .

الزوجة : ( تنتبه للصوت ) نعم كنت آخر من يعلم ، وكيف لى أن أعلم ، كان لابد أن أتزوج منه وإلا ما علمت مطلقاً . شاب وسيم وثرى ، تتمناه أي فتاة عاقلة أو غير ذلك فى المدينة . وقبلته زوجاً ، و أنا مخدوعة بمظهره الوسيم و كلماته المعسولة .

صوت من الكواليس : لم تخدعنا كلماته ولم تخدعنا أفعاله .

لقد تزوج أجمل فتيات المدينة لكى يغطى على أفعاله الدنيئة .

الزوجة : لو عرفت أنه ليس رجلا لما كنت تزوجت منه أبداً .

( مهلة )

لكنه كان يعلم أننى امرأة ! هذه حال لا تحتمل و لو أننى عازفة عن الدنيا لتحولت إلى راهبة و لكننى أرغب فى الاستمتاع بملذاتها . أما إذا استمرت الحال على هذا النحو ، فسوف أهرم وأفقد شبابى و أنا أنتظر دون طائل ، وعندما أشيخ لن ينفعنى الندم على هدر شبابى . لابد لى من البحث عن متعتى متخذة منه هو نفسه قدوة فى بحثه عن المتعة ، على الرغم من أن متعتى شريفة ، بينما متعته منحطة و دنيئة.وإذا كانت متعتى مجافية لقوانين البشر ، فإن متعه مجافية لقوانين البشر والطبيعة معا.

صوت من الكواليس : احذرى الانتقام . احذرى العجوز .

احذرى الانتقام . احذرى العجوز .

الزوجة : متعتى شريفة ، بينما متعته منحطة و دنيئة ، و إذا كانت متعتى مجافية لقوانين البشر فإن متعته مجافية لقوانين البشر و الطبيعة معاً .

( تنهار فوق الأريكة و رأسها بين يديها )

صوت من الكواليس : القديسة العجوز بالباب يا سيدتى.

( تنتفض الزوجة و تنهض ، ثم تسير ببطء نحو باب وهمى و تقف مترددة )

صوت من الكواليس : القديسة العجوز بالباب يا سيدتى.

العجوز : ( من الكواليس ) حضرت فى الموعد يا سيدتى

( تتراجع الزوجة إلى الخلف و تبتعد عنها الأضواء لتسلط على العجوز التى تدخل إلى وسط الحجرة وقد ارتدت أسمالاً غريبة . أشبه بملابس الغجر و تحمل فوق عنقها مسبحة طويلة جدا)

العجوز : ليباركك الرب يا فتاتى .

( تتقدم الزوجة منها فى تحد دون أن تلمسها )

لا تخافى . الله وحده العليم بكل شيء يعلم أنك تحسنين صنعاً .

( لا ترد الزوجة فتتأملها العجوز متغزلة فى جمالها )

تبارك الخالق ( تكلم نفسها ) عليه أن يزيدنى فى الأجر .

( إلى الزوجة ) طلبك جاهز يا سيدتى .

الزوجة : ( تنظر إلى العجوز فى ابتسامة حالمة ) … الذى و صفته لك . إنه الذى يمر من هنا كل يوم ولا يعرف المنزل .

العجوز : نعم هو من وصفتيه لى بالضبط ، طويل القامة ، و أحمر الوجه وأزرق العينين ، و وسيم مثل المسيح .

الزوجة : و لا يميل إلى الفتيان مثل …

العجوز : مثل من ؟

الزوجة : زوجى .

العجوز : اطمئنى يا سيدتى ، إنه خبير بالنساء و الجميلات منهن خاصة .( تغمز بعينها ) لقد اختبرته فى مهام كثيرة و لم يخذلنى ، كما أنه كريم ، يفيض على بالعطاء ، مثلما أفيض عليك وعليه بالدعاء …

الزوجة : ( مقاطعة ) كفى …

العجوز : لم أقل شيئاً بعد يا فتاتى .. أنت زوجة شابة ، و حرام أن يضيع شبابك، فليس هناك للعاملين شقاء أكبر من إضاعة الوقت ، فأى نفع لنا عندما نشيخ سوى النظر إلى رماد النار ؟

الزوجة : لست فى حاجة إلى أن تقنعينى بما أفعل .

العجوز : لا بأس . إذن أنت لست فى حاجة إلى وصاياى ال…

الزوجة : ( مقاطعة ) أية وصايا أيتها العجوز ؟

العجوز : أعدى الطعام الجيد و تحسبى ألا يقتحم الزوج أو الجيران عليكما المكان و الأخيرة أجزلى لى العطاء لأننى امرأة فقيرة ، و من جانبى سأجزل لك الدعاء بعدد حبات مسبحتى .

الزوجة : ( مبتسمة ) ألا من وصايا أخرى ؟

العجوز : اجزلى لى العطاء .

الزوجة : نعم . وبعد ذلك .

العجوز : تمتعى بشبابك قبل أن تصيرى مثلى .

الزوجة : أين هو ؟

العجوز : فى الطريق يا فتاتى

( يسمع طرق على الباب ، فتنتفض العجوز غاضبة )

قلت له ألا يأتى الآن ، لكن يبدو أنه على شوق كبير لجسدك الفاتن .

الزوج : ( من الكواليس ) : هل عندنا ضيوف يا جميلتى ؟

الزوجة : إنها صديقتى العجوز تلقننى صلاة جديدة .

( تختفى العجوز فجأة . تنظر الزوجة حولها و تدهش لاختباء العجوز ، لكنها سرعان ما تتفهم الأمر )

الزوج : ( من على الباب ) استمحيك عذراً يا حبيبتى ، معزوم على العشاء الليلة فى منزل صديقى هيركولانو

الزوجة : كالعادة …

الزوج : عفواً يا حبيبتى لا ينبغى أن أرفض دعوة أصدقائى ، فليس ذلك من صفات النبيل .

الزوجة : و هل من صفات النبيل أن يترك زوجته كل ليلة فى الفراش .

الزوج : ( محاولاً أن يغير الموضوع ) أين صديقتك القديس العجوز

( فى هذه الأثناء تكون العجوز مختبئة وراء الأريكة ، يلمحها الزوج فيبتسم فى خبث لنفسه ساخراً منها ومن زوجته )

الزوجة : ( تتفاجئ بالسؤال فتنظر حولها فى حيرة ) لعلها … لعلها دخلت الحمام .

الزوج : لا بأس . اسمحى لى بالخروج

( يخرج )

الزوجة : ( إلى العجوز ) أين أنت أيتها العجوز الحمقاء ؟ لماذا تختبئين ؟

العجوز : ( ناهضة من وراء الأريكة ) كاد ظهرى أن ينقسم . حمد لله أنه لم يرنى .

الزوجة : لماذا ؟

العجوز : ( فى خبث ) ألم أوصيك بالكتمان ؟

الزوجة : إذن هو يعرفك .

العجوز : ( فى سخرية ) إلى حد ما . ( لنفسها ) لكنه بخيل .

الزوجة : متى كانت آخر مرة قدمت فيها مساعدة له ؟

العجوز : قبل أن يتزوج منك ، أما بعد الزواج …

الزوجة : لا يعنينى قبل الزواج ، أريد أعرف بعد أن صار زوجى .

العجوز : منذ أسبوع واحد فقط .

الزوجة : ( فى سرها ) عليك اللعنة .. عجوز شمطاء .

العجوز : أتقولين شيئاً يا ابنتى ؟

الزوجة : متى يأتى ؟

العجوز : الليلة .

الزوجة : ( مبتسمة ) تمام . الوقت مناسب .

العجوز : ( فى خبث ) اللقمة الطيبة للشابة و للعجوز الفضلة .

( و هى تخرج )

إلى اللقاء و ليلة سعيدة .

( تسلط الإضاءة على الزوجة وحدها و هى تبتسم لنفسها ، ثم تخفت الإضاءة رويداً رويداً حتى الإظلام )

[ نهاية المشهد ]

المشهد الثانى :

بعد ساعة واحدة من من المشهد السابق ، نفس المكان ، لكن يضاف اليه مائدة طعام عليها ما لذ وطاب من أطعمة ، وراء المائدة تجلس الزوجة ومعها رجل ، وهو شاب ما بين العشرين والثلاثين عاما ، وسيم تبدو عليه نضارة الشباب يرتدى نظارة عصرية وتى شيرت وبطلون جينز بما لا يتناسب والقرون الوسطى ، اما الزوجة فترتدى روب أحمر مفتوح يكشف عن الكثير من مفاتنها ، يسلط الضوء عليهما وهى تطعمه بيدها فيتمنع ، فتحاول مرة أخرى ، وعندما يستجيب تزحم فمه بالطعام حتى يكاد يشرق ، يستمر هذا الموقف لأكثر من دقيقة ، تضربه على ظهره مازحة ، فيكاد يسط من فوق المقعد ، فترتمى عليه فى دلال ، ينهض وما يكاد يجلس ، حتى يسمع طرق على الباب الرئيسى ، تنتقض الزوجة واقفة فى حيرة ، أما هو فيقف ذاهلاً ، لا يدرى ماذا يفعل ؟ يزداد الطرق ، تحاول الزوجة أن تتماسك ، تشير إليه أن يدخل إلى الغرفة المجاورة المفتوحة ، حيث يوجد قفص للدجاج ، يدخل الشاب القفص ، وتلقى الزوجة عليه كيساً من الخيش الذى يحمل فيه علف الدجاج . يزداد الطرق على الباب ، يحاول الشاب أن يتحدث فتأمره الزوجة بالصمت . ثم تتحرك فى دلال إلى الباب لتفتحه :

الزوج : ( من وراء الباب ) إنه أنا يا قطتى افتحى ….

الزوجة : ( فاتحة الباب ، وهى تبدى دهشة مصطنعة ) أرى أنك التهمت عشاءك بسرعة كبيرة يا بيترو

الزوج : ( ينظر بطرف عينه إلى المائدة ) أشم رائحة طعام ، أكل هذا من أجل القديس العجوز ؟

العجوز : ( مرتبكة ) ممم .

( تنظر إلى الطعام ثم إلى الحجرة و إلى ما فى القفص )

نعم .

الزوج : وأين ذهبت ؟

الزوجة : ( متجاهلة سؤاله ومحاولة أن تتمالك نفسها ) لماذا عدت مبكراً ، ألم يكن العشاء جيداً ؟

الزوج : لم نتناول العشاء .

الزوجة : كيف ذلك ؟

الزوج : سأخبرك ولكنى الآن أكاد أموت جوعا .

( ينظر إلى المائدة الممتلئة بالطعام ويتجه نحوها و يجلس )

همّم … كل هذا الطعام من أجل العجوز لا بد أنها أدت إليك خدمات عظيمة .

الزوجة : ( مرتبكة ، ناظراً نحو القفص فى حيرة ، وقفة قصيرة ، بعد تردد ) نعم .. شرقت أثناء الطعام ، فعالجتها وانصرفت فى سلام .

الزوج : ( ساخرا ) مسكينة هذه العجوز ! إذن تعالى وأكملى طعامك ، وسأحكى لك ما جرى .

الزوجة : ماذا جرى ؟

الزوج : بينما نحن نجلس إلى المائدة – هيركولانو وامرأته وأنا – سمعنا عطاساً قريباً منا ، فلم نهتم به فى المرة الأولى ولم نهتم به فى المرة الثانية ولكن العطاس تكرر مرة ثالثة ، ورابعة وخامسة ، ومرات عديدة أخرى فأدهشنا ذلك وكان هيركولانو فى الأصل غاضباً من زوجته لأنها جعلتنا ننتظر كثيرا عند الباب قبل أن تفتحه لنا .

( يتوقف عن الكلام ثم ينظر إليها مادحا )

ولكنك لم تجعلينى انتظر كثيراً عند الباب . طعامك لذيذ .

الزوجة : ( مرتبكة ولكن عينيهاعلى القفص هذه المرة بثبات ) أعجبك .

الزوج : ( وهو يمضغ ) نعم … لنصل إلى قصتنا ، لما تكرر العطس كثيراً قال هيركولانو : ما الذى يعنيه هذا ؟ ومن هو هذا ؟ ومن الذى يعطس ؟ ثم نهض عن المائدة – وتوجه إلى سلم قريب توجد تحته فجوة لها باب خشبى صغير ، وبد له أن صوت العطاس يأتى من هناك ، ففتح الباب الصغير وما أن فعل ذلك حتى انبعثت أعظم رائحة كبريت نفاذة فى الدنيا . وقبل أن تزول الرائحة . قالت المرأة متذمرة ’’ لقد بيضت طرحاتى بالسلفور منذ قليل ، ووضعت الوعاء الذى نشرتها فوقه لتتبخر تحت ذلك الدرج ، وبعد أن فتح هيركولانو الباب وخفت الرائحة قليلاً : نظر فى الداخل ، فرأى أن من كان يعطس مازال هناك يواصل العطاس ، تجبره على ذلك قوة رائحة الكبريت التى أثقلت على صدره وأوشكت أن توقف عطاسه إلى الأبد ، وما إن رآه هيركولانو حتى صاح قائلاً : الآن عرفت يا امرأة سبب تأخرك فى فتح الباب عند مجيئنا . ولكننى لن أتلذذ بشئ مما بطيب لى قبل أن أجعللك تدفعين ثمن ما جنيته على .

( مهلة ، ينظر الى زوجته )

الطعام ، لذيذ ، تسلم يداك .

الزوجة : ( متشوقة ) شكراً ، وبعد ….

الزوج : ( يواصل ) ما إن سمعت المرأة ذلك وعرفت أن أمر خطيئتها قد انكشف ، حتى نهضت عن المائدة دون كلمة اعتذار وهربت بأسرع ما يمكن ، دون أن أدرى إلى أين ذهبت ، ولم ينتبه هيركولانو لهرب المرأة لأنه كان مشغولا بإخراج العاطس ، لكن المسكين ( تلتفت المرأة على الفور إلى الفور وكانت قد نسيت الشاب تقريبا بسبب استغراقها تماما فى الاستماع الى زوجها ) أقصد العاطس كان عاجزا تماما ، أمسك به هيركولانو من إحدى قدميه وسحبه إلى الخارج ، ثم ركض المسكين – أقصد هيركولانو – باحثا عن سكين كى تقتله بها .

الزوجة : ( مرعوبة ) وتركته يقتله .

الزوج : لا . خوفاً على نفسى ، نهضت ومنعته من إلحاق أى أذى بالشاب المنهوك و رحت أصرخ إلى أن حضر الجيران من كل حدب و صوب ، وحملوا المسكين أقصد ( ينظر إلى زوجته فى انتصار ) الشاب

المنهوك – إلى خارج البيت . ( ينظر إلى زوجته مرة أخرى وكأنه يجيب على تساؤلها ) لا أدرى إلى أين حملوه ؟ . وهكذا أفسد عشاؤنا الذى لم أتذوق منه شيئاً . لكن حمدا لله ها أنا….

الزوجة : ( مقاطعة و متناسية أمر الشاب فى القفص ) ياللهول ! ويا لهذه المرأة التى كانت تبدو لى عفيفة و ورعة ، وما كنت لأتورع عن الاعتراف أمامها لما كنت أرى فيها من الورع والتقوى ! والأدهى أنها صارت عجوزاً ، ويا للمثل الذى تقدمه للنساء الشابات ! ألا لعنه الله على الساعة التى جاءت بها إلى هذه الدنيا وعلى حياتها …

( يواصل الزوج التهام الطعام ، فيشرق )

الزوج : ( طالبا النجدة ) ممم … ماء .

الزوجة : ( تضربه على ظهره ) . تمام . اشرب .

( يشرب الزوج ، بينما تستمر المرأة فى الضرب على ظهره ، ينبغى أن يبدو الامر وكأنها تريد أن تقضى عليه لا أن تنقذه )

الزوج : ( بعد أن يسترد عافينته ) كفى كفى كفى . يدك ثقيلة ، الحمد لله .

الزوجة : لا . هل أنت بخير ؟ أعنى لابد أنها امرأة بالغة الخيانة والخبث . وهى عار وشنار على نساء الأرض كلهن . تفرط فى عفتها وعهدها الذى قطعته على نفسها لزوجها المحترم ، وتهين شرف الدنيا وشرف زوجها الرجل كامل الرجولة والمواطن الشريف الى كان يحسن معاملتها ، ولا تخجل من ممارسة الفجوز مع رجل آخر . فلينجنى الله مما تفعله أمثالها من النساء الخبيثات اللائى لا يستحقن الرحمة ويتوجب حرقهن فى …

( تتذكر فجأة الشاب القابع فى القفص فتصمت على الفور و عند ذلك نسمع صوت سعال من ناحية الغرفة المفتوحة )

الزوج : أمازلت العجوز هنا ؟

الزوجة : ( فى دهشة وارتباك معا ) العجوز ! العحوز ؟ لقد رحلت بعد أن خرجت أنت بقليل .

الزوج : إذن ما هذا الصوت

( يفكر فى صوت سعال الشاب )

اسمع صوت سعال .

الزوجة : لا شيء عزيزى . ما رأيته الليلة فى منزل صديقك هيركولانو يجعلك تتخيل أشياء لا وجود لها .

الزوج : ( متشككا ) ربما ؟

( يصير السعال أكثر وضوحاً وكذلك يتحرك القفص )

الزوجة : ( تتطلع الزوجة إليه فى ذهول و لا تقول شيئاً ) …

الزوج : ( يقوم من وراء المائدة و يتجه نحو القفص و الذى يهتز بشدة هذه المرة . يرفع الغطاء عنه و يرى الشاب العاشق و الذى عرفه على الفور ، لأنه كان قد لاحقه لوقت طويل من قبل ، لينال منه كعادته مع الفتيان ) ما الذى تفعله هنا ؟

الشاب : ( خارجاً من تحت القفص و قد أنهك تماماً من الاختناق و الرقاد غير المريح ) أتوسل إليك … لم أفعل شيئاً .

الزوج : ( مبتسماً ، وناظرا إلى زوجته فى سخرية حادة ) مرحى … مرحى . ( إلى الشاب ) ما الذى تفعله هنا ؟

الشاب : أتوسل إليك … أتوسل إليك ، لم أفعل شيئاً .

الزوج : ( ينظر إلى زوجته فى مزيج من الغضب والسخرية ) ما الذى يفعله هذا الشاب هنا ؟

الزوجة : ( لا ترد ) …

الزوج : ( إلى الشاب فى رفق و دونما غضب ) انهض و لا تخف . فلن أسبب لك أى أذى . كل ما عليك هو أن توضح لى سبب وجودك هنا .

الشاب : ( ينهض خجلاً ، وهو ينقل نظره بين الزوجة و الزوج فى ارتباك وحيرة شديدين ، دون أن يستطيع أن ينطق سوى ) أنا .. أنا

الزوج : أنت ماذا ؟

الشاب : ( فى خوف ) لم أفعل شيئاً .

( يمسك الزوج بيد الشاب فى وله ، تلحظ الزوجة ذلك ، فتتميز غيظا وتبعد يد زوجها عن الشاب فى عنف واقفة بين الاثنين كالنمرة )

الزوج : إذا كنت تذمين زوجة هيركولانو قبل قليل و تقولين يوجب إحراقها لأنها عار عليكن جميعاً ، فلماذا لا تقولين ذلك عن نفسك ؟ و إذا كنت لا تريدين قول ذلك عن نفسك ، فكيف واتتك الجرأة على قول ما قلتيه عنها و أنت تعلمين أنك تفعلين ما فعلته هى ؟ … ليس هناك مايدفعك إلى ذلك لأن جميعكن سواء . و عندما تجرم الأخريات ، فإنما يفعلن ذلك لإخفاء أفعالكن ألا فلتنزل نار من السماء و تحرقكن ، لأنكن سلالة الخبث و الفجور .

الزوحة : ( و قد تخلت عن خوفها و رعبها ) ومع ذلك أراك لا تفعل شيئاً مع هذا الشاب الوسيم سوى الحرص على الإمساك بيده ؟ هل تخشى أن يهرب ؟

الزوج : ( مفاجئاً و متلعثما ) .. آه .. هذا الشاب الوسيم … هل تريدين أن أقتله و أدخل السجن .

الزوجة : ( فى مزيج من السخرية والتحدى ) إنى واثقة أنك لا تريد قتله ، لكنك تريد نارا من السماء تحرقنى و تحرق جميع النساء . لأنك تمقت النساء مثلما يمقت الكلب العصا . أقسم بالصليب بأن ذلك لن يحدث لى أو لنا نحن النساء .

الزوج : اصمتى يا امرأة و اخجلى من فعلتك و أنت أيها الشاب …

الزوجة : ( مقاطعة ) لن أصمت … لا تقارنى بزوجة هيركولانو ، لأنها عجوز تدعى التقوى و تتصنع الحشمة ، و زوجها يقدم لها كل ما تحتاج إليه ، و يحبها مثلما يتوجب على الرجل أن يحب المرأة ، و هو ما لا يتوفر لى . فعلى الرغم من أنك توفر لى الألبسة و الأحذية اللائقة ، إلا أنك تعرف كيف هى حالى فى ماعدا ذلك و تعرف منذ متى لم تنم معى فى فراش . و أنا أفضل أن ألبس الأسمال و أمضى حافية القدمين على أن تعاملنى كما يليق بى فى الفراش ، بدلاً من أن توفر لى كل تلك الأشياء و تعاملنى هذه المعاملة .

( مهلة , يتبادل الوزوج و الشاب نظرات الدهشة ) عليك أن تفهم يا بيترو أننى امرأة مثل الأخريات و أهوى ما تهواه الأخريات ، و لو بحثت بنفسى عما تحرمنى منه ، فلست أستحق الشتم و الإهانة . لاسيما أننى أحترمك كثيراً فلا أضاجع الخدم أو الصباغين .

( تنقل نظرها بسخرية بين الشاب الوسيم وزوجها)

الزوج : ( فى حنق هذه المرة لكن وهو يمسك بيد الشاب الوسيم ) اصمتى يا امرأة ، فلا فائدة من الحديث معك . ماذا تريدين بالضبط ؟

الزوجة : ( فى خبث ) اترك يد الشاب أولاً ثم كلمنى .

( يفاجأ برد المرأة فيترك يد الشاب فى خجل ، ويتلعثم)

الزوج : ممم يا امرأ…

الزوجة : ( تواصل مقاطعة الزوج ) اعلم أننى لم أخنك مع هذا الشاب الوسيم . لكن أحذرك إن لم تكف عن أفعالك الدنيئة القبيحة ، فسوف …

الزوج : ( مقاطعاً فى جدية) لا تكملى يا امرأة .. أعتذر عن كل أفعالى الدنيئة والقبيحة على حد زعمك و عن تقصيرى معك كزوج ، و أنت أيها الخبيث لا ينبغى عليك أن تطأ فراش غيرك ، و لا توغل فى إناء غيرك ، و لا تلمس لحم ال …

الزوجة : ( مقاطعة فى سخرية ) وفر هذا النصائح لنفسك أولاً .

الشاب : ( مازال فى خوف لا يصدق ما يحدث أمامه ) أتوسل إليكما ، سيدى سيدتى لا تفضحانى ، أتوسل إليكما أن تسمحا لى بالخروج من هنا .

الزوج : ارحل و لا ترنى وجهك ، قبحك الله و قبح أمثالك.

( يخرج الشاب مطأطئاً رأسه )

الزوجة : ( تنظر إلى زوجها فى رضى ) أعلم أننى ما فعلت ذلك إلا لأننى أحبك و أريدك أن تعود إلى بيتك زوجاً كاملا و محبا لزوجتك .

( يقترب منها ، يتعانقان ، إثناء ذلك ، تخفت الإضاءة قليلاً قليلاً و نسمع صوت من الكواليس لأول مرة فى هذه المشهد للمرة الأخيرة أيضاً ، هو نفس الصوت الذى كنا نسمعه فى المشهد الأول )

صوت من الكواليس : و هكذا تنتهى مسرحيتنا القصيرة نهاية سعيدة ، فلم يغضب الزوج و لم تهرب الزوجة و لم يقتل الشاب .

الزوج : نعم ، نهاية سعيدة ، إذن هيا إلى الفراش .

الزوحة : ( فى صوت أنثوى لعوب ) هيا .. هيا ماذا تنتظر ؟

إظلام

(ستار )

1 تعليقك

  1. فعلا جميلة جدا وشيقة

اترك رد