دمعة و ريحان في العيد

 
 دمعة و ريحان في العيد.. للكاتبة رندة صادق #لبنان #عيد_الاضحى

الأعياد باتت وراءنا ،باتت في فساتين ارتداها الحنين ، وضحكات الطفولة تبعث ألوان الفرح في قلوبنا. باتت في لعبة تختزل براءتنا، وأحلامنا الماضية تسكنها فوانيس من نور وبهجة.

الأعياد في خزين الروح ،كعكُ الأمهات وابتسامات لا تنتهي، الأعيادُ في الذاكرة أجمل بكثير من عيد نعيشه، لذا نحن ننتظرها من عام إلى عام ،ونتفاءل أن تحمل لنا مفاجآت جديدة وتحقق لنا أمانينا التي ضاعت في زحمة التفاصيل ، الأعياد مواعيد تضرب نفسها كتوقيت ثابت نلتزم به جميعاً. في العيد كلنا نتجمع حول فكرته ،حول موائده وبركته، وتبدأ استعداداتنا له بفترة قبل حلوله.

ترتبط الأعياد بتقاليد لا تتغير  منها تحضير الكعك و زيارة القبور، ومنذ نعومة أظافري كنت أواظب وأصرُ على مرافقة أمي حين تذهب لتُلبس قبر أخي حلة العيد، كنت أشعر بحميمية خاصة تربطها بالرخام الذي تعتني بنظافته ، فأسارع لأحضر لها الماء وأزاحم من كان يقف على السبيل من أولاد في مثل عمري يقومون بمهمة كمهمتي، حين استرجع المشهد المقبرة تعج بالناس والريحان يتنقل بكبرياء على أكتاف الباعة، شديد الخضرة، مغر بنداءاته الصامتة ،كانت أمي لا تهتم لسعره بل تهتم أن تكون  أوراقه خضراء مورقة وطويلة وندية. رائحة الريحان والماء والتراب ودموع الثكالى ودعوات وتجويد للقرآن في كل مكان من حولي ، النساء وضعن أغطيتهن البيضاء وجلسن بالقرب من الشاهد ينتحبن ويقرأن ما تيسر من آيات ،هذه المشاهد في ذاكرتي كانت من طقوس العيد ومن تفاصيله الضرورية كنت أظن ولا زلت أن العيد لن يأتي ان لم أقم بزيارة قبورأحبائي ومن سبقني إلى رحلة الحياة الحقيقية،ولكن حين كنت صغيرة كنت أعيش الموقف بروح  الاكتشاف وأعتبر هذا  الذي يحدث خطوة تمهد وتؤكد أن العيد بات على بعد هلال واحد من طفولتي ،أما اليوم وفي هذا العيد حملت نفسي لأقوم بعادة تربيت عليها وتعلمتها من أمي وبدأت رحلتي بين القبور هنا يرقد أخي وهناك أبي وهنا أختي، وقفت تحرقني شمس الصيف والعطش قد نال مني وبدأت أغسل الرخام  بحنين وكأني أمرر يدي على وجه من فارقني وتسترجع أصابعي تفاصيله تماما كما كانت تفعل أمي التي أقعدها المرض عن عادتهاولكن كان هناك احساسا مختلفا يفرض نفسه،

فأنا لم أعد تلك الطفلة التي تحصد جمال العيد بل بت امرأة تحمل على أكتافها أحلام غيرها وتنتظر أن تحقق توقعات أولادها وكل من يراها سندا في درب مسيرته، أنا اليوم لم أعد ضحكة تنهض بعد تعثرها بحجر وهي تركض حاملة وعاء الماء لأمها والدم يسيل من ركبتها ،لم أعد هذه الطفلة التي تملء الفراغ حضورا بل بت في المقلب الآخر في النقطة الفاصلة في مرحلة الكهولة التي تستند الى الأمل بأن في العمر الكثير والمزيد والتي تتمسك بالحياة ،دمعة توسدت طريقها على خدي دمعة لا ترثي احدا  من أحبائي ولم تنهمر افتقادا أو حنينا بل غافلتني حزنا على نفسي، سكنني شعور بغربة غريبة ،ليس عن المقابر بل عن الحياة وندمت شديد الندم أني لم أعوّد ابنتي هذه العادة  وخشيت أن ياتي العيد يوما من دوني وتشتاق روحي إلى عود ريحان يربطني بعالم وأولاد كنت يوما حضنهم يوم لم يكن لهم حضنا غيري ،هذا العيد عمّق نظرتي الى الحياة وحبي لها وخرجت من المقابر وبداخلي تصميم أن العيد القادم لن آتي لأغسل رخام الشوق   واسقي تراب الفراق دوني ابنتي..

2 تعليقات

  1. Avatar رياض المعموري اورفيوس

    العرب في هذه اللحظة التاريخية وخصوصا في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا يدونون تراجيديا الحرب والخراب حتى في العيد الضائع ولم يعد سعيدا وهم بذلك يرددون ما قاله المتنبي قبل الف عام عيدون بااي حالن عودت يا عيدو ….
    شكرا للكاتبة رندة صادق على صدق ما كتبت ….
    الشاعر رياض المعموري اورفيوس من العراق

  2. Avatar سحر احدب

    كل عيد وانت بخير وعيشتينا اللحظة بعمق احساسك

اترك رد