حوارُ الحضارات على طريقة أمّي


 
حوارُ الحضارات على طريقة أمّي.. للكاتبة د. أسماء غريب #مرفأ_السلام

كنتُ أبلغُ من العُمر سبعَ سنوات، وكان الطقسُ حارّاً، واليومُ قائظاً من أيام شهر آب المجيد. وكانت الساعةُ تشير إلى الرّابعة زوالا، وكان كّل من في البيتِ نائما إلّاي، ذلك أنني كنتُ عند عتبة المنزل منهمكة في تجديد ماء الخابية التي كانت قدْ وضعتْها والدتي من أجل عابري السبيل العطاشى. وكما العادة كنتُ أحرص أيضا على وضعِ بعضٍ من قطَعِ الثّلج في الجرّة الكبيرة ليظلّ الماءُ بارداً ومُنعشاً: تلك كانت مهّمتي في كلّ يوم، وأذكر أنني كنتُ أقوم بها بقلب مبتهج ونفس رضيّة.

​أذكرُ أيضا أنني وبينما كنتُ منشغلة بالماء والخابية، إذا بها تقفُ أمامي سيّدةٌ في غاية الجمال: شقراء طويلة القامة بسروال وقميص أسودين، وحذاء أبيض وبين ذراعيها طفلة صغيرة كأنها دُمية نائمة نوما ملائكيا بديعا. رفعتُ إليها عينيّ، وإذا بها ممتقعةَ الوجه بعينينِ قد تعكّر لونهما الأزرق بمسحة من الخوف والارتباك دفَعَاني إلى أن أضعَ كوزَ الفخّار فوق غطاء الخابية، وأدفع بالسّيدة بسرعة هائلة إلى بيتنا وأُغلقَ الباب بقوة مع الحرص على وضع المزلاج الحديدي من الدّاخل بإحكام شديد. لا أعرفُ كيفَ ولا لماذا قمتُ بذلك على الرّغم من صغَر سنّي، لكني أعرفُ جيدا أنني كنتُ أريدُ أن أحمي المرأة الشابة من خطر ما كانَ يحدقُ بها في تلك اللحظات، وبالفعل كان إحساسي في محله، فالمرأة حينما رأتْ ما قمتُ به قالت لي بلسان فرنسي إنها هاربة من زوجها الذي كان قدْ أشبعها ضرباً قبل الوصول أمام بيتنا، وإنه الآن يترصّدُ خطواتها لأنه يريدُ أن يخطفَ منها رضيعتها.

​لقد كانت السيدة فرنسية، ومتزوجة برجل إيرلندي من هواة السفر على متن الدراجات النارية السّود الضّخمة ، وكانا قد وصلا إلى شمال المغرب منذ قرابة شهر وقررا معا رفقة أصدقاء رحلتهم السياحية أن يزوروا مدن المغرب كافة ويجوبوها بدراجاتهم تلك. كان زوجها سيء الطباع ومدمنا للكحول، ذاك ما فهمته منها وهي تحاول أن تروي لي قصتها بلسان يعقده الخوف، وعينين تربكهما الدموع. أصابني الذعر، ولا أعرفُ كيف بتّ أشعر بمخيلتي الطفولية أنني أعيش أحداث فيلم من أفلام الأكشن الفرنسية، وقلتُ في نفسي لا بد من إيقاظ والدتي وإخبارها بكل شيء، فالأمرُ خطير ولا يستحقُّ المزيد من التأخير.

​صعدتُ إلى الطابق العلويّ، وهناك حاولتُ أن أوقظها بهدوء، لأروي لها بصوت منخفض حكاية السيدة، وقبل أن أكمل كلماتي، قفزت أمّي من سريها ونزلتْ بسرعة الضوء عند السيدة. احتضنتْها ثم قالتْ: “اعذرينا سيدتي، فابنتي صغيرة ولمْ تقدّر خطورة الموقف جيدا. كان من الأجدر بها أن توقظَني فورا ولا تنتظرَ كل هذا الوقت. عموما حصل خير: أنتِ الآن في بيتك، ولن يجرؤ أحد على أن يلمس منك شعرة واحدة وإن كان زوجك. اطمئني فلكِ بيننا الأمنُ والأمان، والسّلمُ والسّلامُ”. قالتْ كلماتها تلك وذهبتْ إلى المطبخ وأحضرتْ صينية فيها بعضٌ من المشروبات والحلويات وكوزا كبيرا من الحليب. وضعت الكلّ فوق المائدة وصبّتْ فجأةً كأس ماء صغير (كانت تخفيه وراءَ ظهرها) على وجه المرأة الشابة، وقالت لها ضاحكة: “فقط قفزتكِ هذه من مكانك ستُذْهِبُ عنكِ خوفَك السابق من زوجك”. ضحكت المرأة أيضا، وقالت لها بكلمات الشكر والامتنان: “أنت سيدة طيبة جدا، وأعتذر عما سبّبتُه لك ولعائلتك الصغيرة من إحراج. لم أكن أقصد ذلك”. “تقصدين أو لا تقصدين، أنت هنا ضيفة معززة مكرمة، وانسي زوجك الآن، فهو ما إن سيفيق من تأثير الخمرة على رأسه، سوف يندم على فعلته ويعود ليطلب منك المغفرة والسماح”. “إنه لا يفيق يا سيدتي، إنه مدمن للكحول”. “إذن لا يسعني سوى الدعاء له باللطف والهداية الإلهيين، وأن يرأف الرحمن بك وبطفلتك. واعذريني الآن سأغيب عنك بعض الشيء لإعداد عشاء يليق بمقامك، وإذا أحببتِ يمكنكِ أيضا أن تأتي معي إلى المطبخ”.

​ذهبت آن ماري كلير، – وكان هذا اسمها – مع أمّي إلى المطبخ، وبقيتْ معها هناك تنظر إليها بعين الفضول تارة، وعين الاحترام والمحبة تارة أخرى، ولا أدري كيف شعرتُ لوهلة أن السيدة نسيتْ كلّ شيء: نسيَتْ خوفَها، ومأساتها، وبكاءَها وبدأتْ تتحدثُ مع والدتي عن المغرب وجماله، وعراقة عاداته وطيبة سكانه وكرمهم الباذخ، وبينما هما كذلك، إذا بي أسمع صوت مفاتيح والدي وهو يحاول عبثا فتح الباب لأنني كنت قد أغلقته بالمزلاج الحديدي من الدّاخل، وحتى لا تتكرر محاولاته ويفقد صبره، ذهبت بسرعة لأسعفه ممّا هو فيه، وأحظى منه بقُبْلة رضا الوالد، وحضن دافء كعادته دائما حينما أذهب لاستقباله. وفعلا ذاك ما كان، إلا أنني وأنا بصددِ مُساعدته على خلع حذائه، ارتأيتُ أنه من الأفضل أن أروي له حكاية السيدة الفرنسية وابنتها الرضيعة التي كانت غارقة في نومها الهنيّ بالغرفة الأخرى من الطابق السفلي. فابتسم وقال: “ألمْ أقُلْ لكِ إنك صاحبة الجرّة الخضراء. ها أنت بدأتِ تجلبين إلى البيت حتى أهل عيسى، لنتبادل وإياهم طقوس الخير والمحبة وأنت بعد صغيرة يا ابنتي الحبيبة. اطمئنّي يا صغيرتي، سوف نقوم بواجب الضيافة، والأهمّ في هذا وذاك، سوف أسعى جاهدا حتّى تعود إلى بلدها آمنة سالمة من كل خوف أو ظلم أو ضرر. دعيها الآن مع والدتِك، وعند العشاء إن شاء الله سوف، أتناقش وإياها سبل الوصول إلى حلّ أمثل لمشكلتها”.

​واجتمعنا أخيرا حول مائدة العشاء، ووعد والدي السيدة آن ماري كلير بعد أن استمع إلى تفاصيل قصتها كاملة بأنه سيرافقها بعد غد إلى السفارة الفرنسية، لتنظر في مشكلتها وتساعدها على السفر وابنتها بدون أدنى مشاكل مع زوجها، خاصة أن هذا الأخير كان يعرف أنها ببيتنا، لأنه كان يراقب تحركاتها من بعيد على دراجته النارية. وذاك ما كان فعلا، فلقد عادت السيدة إلى بلدها بعد أن قضت معنا أسبوعا كاملا، شعَرتْ فيه كأنها واحدة منّا، وأحبّتنا وأحببناها، وأحببنا لُطفها وخُلقها الرفيع وثقافتها العالية، فلقد كانت من أسرة طيبة الأعراق في فرنسا، لكن يحدثُ في كثير من الأحيان أن يرتكبَ الإنسان بعض الأخطاء التي يتعلمّ منها الشيء الكثير، كخطأ سوء اختيار شريك الحياة مثلا، الذي هو من الأخطاء الشائعة بين الناس، ويتكررُ في الكثير من التجارب الإنسانية.

​عادت آن ماري كلير وكتبتْ لنا بعد ذلكَ العديد من الرسائل تشكرُنا على حسن صنيعنا معها، وأرسلتْ لي أيضاً العديدَ من الهدايا ولعب الأطفال. وكبرتُ ومرّتِ السنون على هذه التجربة اللطيفة في حياتي، وذهبتُ للدراسة في الضفة الأخرى، وهناك احتضنَني مرة أخرى سيدنا عيسى وأهله الكرام بمحبة عميقة ونادرة، وبدأتْ تطفو على الساحة العديد من القضايا على ضوء مستجدات الحياة العالمية، وظهرَ في النقاشات الإعلامية والسياسية والأكاديمية شيء اسمه “حوار الحضارات”، وآخر اسمه “المثاقفة”، وثالث اسمه “حوار الأديان”، ورابع اسمه “صراع الحضارات”، وبدأ الطلبة يستمدون مواضيع أطاريحهم الجامعية من وحي هذه المواضيع، لكني لا أعتقدُ أنّ أحدا منهم انتبه لليوم، أنّ كل هذه القضايا هي أوهام مُفتعلة، كيف ذلك؟ مجرّدُ وقفةِ تأمّل في سلوكيات أمّهاتنا وجدّاتنا الطيّبات، وآبائنا الأفاضل في تعاملهم مع الأجنبي والغريب وعابر السبيل كيفما كان نوعه ستؤكّدُ لنا جميعا ما ذهبتُ إليه من نفي لما يسمّى مثلا بـ”صراع الحضارات”، أو “المثاقفة” أو “حوار الأديان”. ذلك أن الذي يعي تماما المعنى الإيديولوجي والدياليكتيكي لمصطلحي “الصراع” و”الحوار” أو لكلمتي “حضارة” و”دين”، فإنه لن يقول أبدا ما يقوله اليوم الآخرون على سبيل الموضة والتقليعات الجديدة. فروح كلّ الأديان السماوية الحقّة واحدة ولا يمكنها أن تتصارع أبدا، وواحدة ومنسجمة ومتكاملة هي المبادئ التي تنبع منها كل حضارة ما أو تمدن ولا يمكنها هي الأخرى أن تتطاحن أو تتحارب فيما بينها. ذلك أنّ الصراع الحقّ لا يأخذ شكل الحرب أو يتجلى عبر الشرّ، وإنما عبر المحبة التي قد تتحول إلى مخاض ثم ولادة بنّاءة لا هدّامة، فأنا مثلا حينما احتضنتُ السيدة آن ماري كلير وأدخلتها إلى بيتنا في طفولتي البعيدة، لم أسألها عن دينها ومعتقدها، ولا حتّى عن لغتها! ولم أتعامل معها من مبدأ اختلاف لون بشرتها أو شعرها عن لون بشرتي أو شَعْري، بل تعاملتُ معها بفطرتي الإنسانية المحضة. والشيء نفسه قاما به أمّي وأبي، ذلك أنني لا أعتقدُ أن والدتي حينما استضافت السيدة الفرنسية في بيتنا لسبعة أيام تقريبا كانتْ تفكر فيما خلّفته الحروب الصليبية مثلا من أضرار، أو أنّ آن ماري كلير حينما كانت تنامُ في سريري، وتأكلُ من أكلنا وتشرب من مائنا، كان يخطرُ على بالها شيء اسمه الفتوحات الإسلامية! لا شيء من هذا كان يحدثُ، لأن الذي حدث ببساطة هو تجلّي المحبّة الفطرية لدى كل واحد منا، وهذا هو حوار الحضارات على طريقة أمّي الطيّبة، وأمّهاتنا الجميلات جميعا. إنّ الأمرَ كان فيه شيئ أشبه بـ”حديث الروح للأوراح يسري وتدركه القلوب بلا عناء”، حديثٌ لا يعترفُ بالخلافات العرقية ولا الدّينية، حديثٌ من القلبِ إلى القلب، يسعى إلى بثّ الأمن والأمان عبر الكلمة الطيبة، والخُلق الحسن، والكرم والإيثار. فليتنا نعودُ جميعا إلى ما علمته إيّانا أمهاتنا منذ الأزل، وسوف ترون أنّ الحروب والصراعات وتلك الإيديولوجيات الرنّانة سوف تختفي تماما ويحلّ محلّها السلم والسلام، هذا السلام الذي به أعيشُ اليوم وسط أهلي وأحبابي الجُدُد هنا في إيطاليا، لا أحاكمُ شخصا على ملبسه ومأكله أو مشربه أو دينه، لأنّ كلّ ما أفعله هنا، هو ما علمتني إياه أمي بالفطرة: أن أملأ خابية قلبي العتيقة بماءِ المحبة المُعتَّق وأسقي به عطش قلب من يطرق بيتي، ولا أسأله عن شيء أبدا لا يخصّني، بالضبط كما فعلتُ قديما مع آن ماري كلير، فأنا لليوم مازلتُ لا أعرفُ إذا كانت حقّا مسيحية أو يهودية أو ربما مُسلمة، فالدينُ لله يا سادتي الكرام، وكلّ ما لله محلّهُ القلبُ، وكلّ ما في القلبِ لا يطّلِعُ عليه سوى صاحب القلوب، خالقها ومُثَبّتها ومُقَلّبها، لا إله إلا هو: السّلام الرؤوف الودودُ، الرحمن الرحيم، اللّطيف بالعباد والخَلْقِ جميعا.

لا تعليقات

اترك رد