ساندرو بوتيتشيللي … والربيع الأسطورة


 
لوحة الربيع لساندرو بوتيتشيللي

انهى بوتيتشيللي احتفاليته بفينوس إلهة الحب والجمال .. أعلنت الشموع انتحارها في حالة عصيان فني كامل لقناعتها بأنها وجدت هنا فقط من أجل فينوس …… جلس بوتيتشيللي في مرسمه هائما مع أيقونته ميلاد فينوس ـ أو مع معشوقته سيمونيتا التي رسم ملامحها الرقيقة وجمالها الساحر عندما رسم فينوس إلهة الحب والجمال كما يقول بعض الباحثين ونقاد الفن التشكيلي ـ … بوتيتشيللي يتصارع مع ألوانه وصفحاته البيضاء .. صمت مطبق يغلف المكان .. أوراق الأشجار تتساقط مع حبات من المطر تحملها رياح خفيفة … مازال بوتيتشيللي ساكنا بين صفحات لوحاته في مرسمه وكيوبيد الحب يحلق بين جنباته … الأشجار العارية تعلن عن تأهب الشتاء للرحيل فقد تلحفت بوريقات خضراء فتقها برد الندى … بوتيتشيللي يراقص إلهة الحب والجمال … كيوبيد يشاركهما الرقص … مازال الصمت يعزف لحنه بالمكان … صوت قادم من بعيد يكسر هذا الصمت … تتوقف معه رقصة الحب … صوت قادم من السنوات البكر للقرن الثالث الهجري التاسع الميلادي ينشد أبياتا شعرية … إنه أبو عباده الوليد بن عبيد الطائي ( 821 ـ 898 م ) الملقب بالبحتري ـ البُحتر هو الرجل القصير ويقال سمي بذلك نسبة إلى قبيلته بُحتر ـ ولد في سوريا ونشأ فيها وتلقى ثقافته في مدينة بالقرب من حلب وإمعاناً في صقل موهبته الشعرية رحل البحتري إلى حمص حيث كان أبو تمام ، ولما أتقن الشعر انتقل إلى العراق وفيها كانت شهرته وصار شاعرا في بلاط الخلفاء المتوكل والمنتصر والمستعين بالله) … ها هو الربيع الذي يأتي ضاحكا من الحسن وقد أيقظ الربيع فيه غافيات الورد التي فتقها برد الندى ورد على تلك األشجار زينتها، وكأنه بعد أن عراها الشتاء كساها وشيا مكتما يبث حديث النسيم العليل الذي يجيء بأنفاس الأحبة المنعمين في عيشهم .
هاهو البحتري ينشد أبياتا من قصيدته الشعرية عن الربيع قائلا :
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكـا
من الحسن حتـى كـاد أن يتكلمـا

وقد نبه النيروز في غسق الدجـى
أوائـل ورد كن بالأمـس نومـا

يفتقهـا بــرد الـنـدى فكـأنـه
يبث حديثـا كـان بالأمـس متكلما

ومـن شجـر رد الربيـع لباسـه
عليه كما نشـرت وشيـا منمنمـا

أحـل فأبـدى للعيـون بشـاشـة
وكان قذى للعين إذ كـان محرمـا

ورق نسيم الريـح حتـى حسبتـه
يجـيء بأنفـاس الأحبـة نعـمـا

لقد كان وسيبقى الربيع موضوعا شيقا للكثير من مبدعي الشعر والفنون التشكيلية ، ولكن للربيع عند بوتيتشللي جمال مختلف ، وكعادة آل ميديتشي في إسناد الكثير من الأعمال لبوتيتشيللي تم تكليفه بعمل لوحة الربيع ويقال أن لكريدسيا ترنبيوني أم لورندسو ميديتشي هي التي كلفته برسمها.
التفت بوتيتشيللي يمينا ويسارا وكأنه قد راقت له أشعار البحتري يحدث نفسه : أين أجد ضالتي المعقودة ، وأين هذا العالم الذي يمكنني أن أجد فيه كل المعاني التي تتسع لخطوطي وألواني التي أسعى إليها … ينظر حوله … مازالت الشموع المنتحرة متناثرة في منذ احتفاله بميلاد فينوس … يتطلع إلى سقف مرسمه محدقا في كيوبيد … مازال بوتيتشيللي على هذه الحالة يحدث نفسه .. فجأة يصرخ بأعلى صوته : إنها الأسطورة .. هى عالم الأحلام والدهشة والجمال … وكانت الأسطورة وكانت معها أيقونته الخالدة لوحة الربيع التي استلهمها بوتيتشيللي من أسطورة أفروديت التي تعتبر الإلهة الأم في الأساطير اليونانية ، وهي إلهة الجمال والجنس والحب ، ويقابلها في الأساطير الرومانية الإلهة فينوس . والذي طغى بدوره انتشارا وسريانا في الآداب والفنون ، وأصبح ما يتداول هو فينوس بدل عن افروديت اليوناني .
تحكي الأسطورة عن ميلادها فتقول أن كرونوس قام بقطع الأعضاء الجنسية لأبيه أورانوس وهو اله السماء وقام بإلقاها في البحر و لقد تشكلت من تلك الاعضاء الآلهة فينوس ! والتي خلبت اللب بميلادها وفتنتها ولما لا وهي ربة الحب والخصب والجمال عند اليونان القدماء، ويدعوها هوميروس في الأوديسة ابنة زيوس (زفس) من قرينته ديونة بنت أوقيانوس، وهي زوجة أبي أرباب الأولمب ، وكانت تماثل فينوس الربة القديمة في إيطاليا، وقد أُدمجت عبادة الاثنتين عند الرومان منذ القرن الثاني قبل الميلاد بعد اجتياح الرومان للعالم الهليني، كما اندمجت صفات أفروديت بصفات فينوس واختلطت أساطير الواحدة بأساطير الأخرى. ويبدو أن أصل عبادتها شرقي لأن ثمة تقارباً بينها وبين عشتار، وأن أساطيرها انتقلت إلى اليونان عن طريق الفينيقيين وقبرص. ولقد دعيت أفروديت باسمها هذا لأن كلمة «APHROS» اليونانية تعني أمواج البحر التي كان مولدها منها ، وهي تنسب إلى كرونوس، ابن الإله أورانوس كما يروي الأدب اليوناني القديم ، ومن بين الرموز التي يرمز بها إلى أفروديت: اليمام، والرمان، والإوزوغيرها من الرموز .
تتمتع لوحة الربيع بشهرة عالمية كبيرة جدا بين كل محبي الفنون والباحثين والنقاد تلك اللوحة التي امتزجت فيها الأساطير اليونانية بالكثير من الصورالجمالية وحكايات الحب العذري وقصائد العشق … حيث الطبيعة في اللوحة تبدوا فيها الأرض التي تغطيها النباتات والزهور.. وهناك دراسة دقيقة أجريت على هذه اللوحة في سنة 2002 بينت أن بوتيتشيللي رسم في لوحته هذه 500 نوع من النباتات بينها 190 نوع من الزهور.
لقد اختلف النقاد في تفسير هذه اللوحة، فالبعض يرى أن الإله الذي يزفر الهواء بفمه إلى يمين الصورة هو “زفيروس” ربّ ريح الغرب ، وأن الحورية التي تذروها هذه الريح بين يديه هي ( كلوريس )، وأن المرأة المغشّاة بالزهور هي الربّة ( فلورا ) ، وهي في حقيقة الأمر ( سيمونيتا ) محبوبة بوتيتشيللي التي رحلت في صباها نفس السنة التي بدأ بوتشيللي يرسم فيها هذه اللوحة ، وأن ربات الحسن الثلاث من اليمين الى اليسار هن بولكريتودو( الجمال) وكاستيتاس (العفة ) وفولويتاس ( المتعة ) ، وأن الشاب الواقف إلى اليسار هو الإله ( مركوريوس ) ، أما الشخصيتان اللتان تتوسطان الصورة فهما لفينوس وكيوبيد ،
وهناك رأي آخر لعالم الجماليات ( جومبرتش ) وهو أن المرأة الكاسية في وسط الصورة هي ( فينوس هيومانيتاس ) ربة الاعتدال والأمانة والفتنة والبهاء، على حين يرى المؤرّخ الإيطالي ( روبرتو سالفيني ) أن لوحة الربيع هي صورة ترمز للإلهة ( فينوس ) حيث العالم المثالي الذي تتعانق فيه الغريزة مع الطبيعة من خلال ( زفيروس ) الشهواني و( فلورا) بشارة الربيع، بينما ترفع الحضارة والثقافة من شأنهما من خلال “فينوس هيومانيتاس” بمعاونة ربات الحسن، كما يجسّد الإله “مركوريوس” النصيحة الصادقة. ويستند البعض الآخر إلى ما جاء في كتاب (التقويم ) للشاعر (اوفيد ) من أن زفيروس كان يطارد الحورية ( كلوريس )، وما كاد يلمسها حتى تساقطت منها الزهور مع أنفاسها لتتحول إلى ( فلورا ) باقة الربيع ، ومن الواضح أن اللوحة تعبّر جليّاً عن عصر النهضة .
ومازالت العلاقة قائمة بين الشعر والفن علاقة جمالية فنية تبادلية فنري الشاعر السويدي ( بوزيتر لند ) الذي درس الفلسفة والإنثربولوجيا وعلم اللاهوت وله دواوين عديدة وروايات وقصص قصيرة ومسرحيات وكذلك كتب في أدب الرحلات ، ها هو يكتب أبياته الشعرية عندما شاهد لوحة الربيع لبوتيتشيللي سنة 1963.
يقول بوزيتر لند في أبياته الشعرية :
من ينظر في عينيك
يرى في عز النهار السماء المرصعة بالنجوم
فوق محجريك
يرى شبكة النور الدقيقة
التي تلتقط الليل .
من ينظر في عينيك
يسبر أغوار المستقبل
وفي منتصف النهار يرى الليل
الذي تتجمع فيه النجوم الأزلية
في لغة واحدة يقرؤها القلب
يرى الجواب الذي تدخرينه
في انتظار الإظلام المطبق
آه أي أبعاد .. أي دروب نائية
سيكون على عيني أن تجوباها في عينيك
مجرات نجوم لانهائية ، بقع ضبابية
طرق لبنية مستعصية
يشعلها القلب في فضائه الكوني
من ينظر في عينيك
يتبع الدروب التي كتبها القدر على العين
يرى رحلة البشرية في الزمان
نحو صورة النجم المستيقظ
في ضوء النهار .

هكذا كان ساندرو بوتيتشيللي وسيبقى علامة فارقة في الفنون التشكيلية في عصر النهضة ومازالت لوحاته الفنية يحج اليها عشاق فنه بل وكل محبي الفنون والابداع ومازلت عند رأي بأنه لم ينل مايستحقه بعد لما له من مكانة فنية كبيرة لاتقل أبدا عن فناني عصر النهضة الذين ساعدتهم عوامل أخرى كثيرة ساهمت في شهرتهم لم ينل منها بوتيتشيللي إلا القليل .
ومع الفن والشعر للحديث بقية إذا كان في العمر بقية .

لا تعليقات

اترك رد