عيد وأطفال ومدن على حافة الهاوية

 
عيد وأطفال ومدن على حافة الهاوية

ننام ونصحو ونذهب إلى أعمالنا، نلزم الظل في الشّوارع حتى لا نصاب بضربة شمس، ونعود أدراجنا إلى بيوتنا، عيوننا مشدودة إلى الشّاشة، نتابع أخبار العالم، نرقّ لطفل يموت تحت الأنقاض أو يختنق بغاز محرّم دوليا، ونقرأ شريط الأخبار تحت الصّور مباشرة ليأخذ انتباهنا لحظات عن بشاعة المناظر التي تولد من قساوة قلوب طواغيت العالم، الذين يتشبثون بالخشب، فعليه يموتون وعليه يحيون، ودونه تزهق الأرواح وتدك المدن ويرمى بالتّاريخ في مزابل الجغرافيا التي أنهكها الديكتاتور، ثم بعد هذا كله نرتشف فنجان قهوة على شرفة الدّار أو في فناءها متمتّعين بحركة الشّارع أو بشجرة تتلاعب أوراقها فوق رؤوسنا، ونغرس أعيننا في قعر الفنجان لنتذكر أنّ العيد على الأبواب، والأطفال لا بد لهم من ملبس، والمدن عليها أن تتزيّن لنزواتنا.

ما أشدّ ملهاة هذا العالم، وهذا المعيش، لقد كان آخر ما قاله أحد أطفال المأساة السّورية أنه سيخبر الله بكل شيء، نعم، إنّها براءة الطفولة التي انتبهت قبل عقول الرّاشدين إلى الملكوت الأعلى وقدرته على إنقاذ البشر ممّا هم فيه، إنّها البراءة التي تهرب من أطماع البرابرة في امتلاك العالم، وقسوة الجبابرة الذين يأكلون لحوم الإنسان، إنّهم أطفال يرسمون على طرف وجوههم أحياءهم التي شربوا من ظلّها، ونعمت أظفارهم في ترابها، واحتوتهم جدرانها حين التعب، وعشقوا أزقّتها حين اللعب، إنّها ذاكرتهم التي مهما تشرّدوا في الملاجئ وامتدّت بهم السّنون واحتوتهم القبور فإنّهم لن يبرحوا لحظة استنشاقهم هواء الطين الأول الذي شكّل ذاكرة المدن والعيد والطّفولة حين صرخوا بين يدي القابلة وعرفوا العالم لأوّل مرّة.

كم سنكتب ويكتبون، كم سنموت ويموتون، كم سنلعب ويلعبون، فكتباتهم وموتهم ولعبهم سوف تكون علامات محفورة في القلب وفي الوجوه أيضا، لأنّ الوجوه ذاكرة المدن وقلب العيد الذي سوف يحلّ قريبا وهم إمّا أجسادا طواها التراب أو أرواحا معلقة على مداخل التّيه أو كيانات في غربة الملاجئ، ولما يفكّرن في لعبة يفتتحون بها شروق شمس العيد فإنّ فرحتهم تغيب وسط زحام التاريخ الذي غيّب عوائلهم وهدم بيوتهم ورسم في اللاشيء عناوين المدن التي أسّست للتاريخ عناوينه، دمشق، بغداد، صنعاء، عدن.. وهل البقية سوف تأتي؟

العيد على الأبواب وأيدينا ليست على أبواب السّماء، كم هو فظيع أن ننسى الوجهة الأقوى !!

أيدينا تتوجّه صوب الجيوب نتحسّس صرّة المال التي تكفي لكي نجرّ كبشا ننحره صبيحة يوم الأضحى، وتأبى ذات اليد أن تتوجه إلى ذات الجيب كي نحفظ ماء وجوهنا ونعيد للطّفولة وللنساء الثكالى المشرّدات على قارعات المدن الغريبة والشّوارع النّزقة شرف العروبة الذي أريق على عتبات أطماع الطواغيت والجبابرة، كم نحتاج من صعقة كي نعيد “وامعتصماه” إلى الذاكرة والشّعور القريب من القلب والعقل، بل كم نحتاج من الرّزانة والهدوء كي نعرف أنّ الجدران التي تنهدم لا يمكن إلا أن تحمل معها وجوهنا وبَصْمتنا في الوجود وفي التاريخ..

كم يبقى من الوقت كي نغسل عند مداخل المدن المنهارة نجاساتنا وأوبئتنا التي تمنعنا رؤية الإنسان بداخلنا.. رؤية العيد وهو يضحك على أذقان من نسوا قناديل الزيت وهي تضيء الأزقة والحواري للمأمون كي يكتب في صحائف الحياة رونق الترجمة ومحبّة “الحكمة”..
كم يكفي من العقاقير المنوّمة كي ننسى مأساتنا، فرقتنا، تقاتلنا، اندحار مسعانا الوجودي، غربتنا في ديارنا وفي ذواتنا.. كم هي الجرعة التي يمكن أن تلهينا لبعض الوقت عن جرحنا النّرجسي؟؟
كل الكلام لا يجد له معنى حين يصبح الإنسان العربي مجرّد يد تتسوّل المأكل والمأوى والمأمن على الأبواب التي حتما بعضها يفتح وكثير منها يوصد، وتصبح الملاجئ لعبة تخفي وراءها معتقلات رهيبة تهان فيها الكرامة ويضام فيها الإباء وتنهك فيها العزّة، صعب أن يمشي العربي في الشوارع العربية ولا تتخطّفه الأيدي لا لكي ترمي به في مهاوي الردى ولكن ليتأكد أنّ “كل أوطان العرب أوطاني”.
كيف سنكتب مأساتنا، هل بحبر الدواة أم بدم الشّتات؟ هل نقول للأجيال القادمة إنّها حكاية أم خرافة؟ هل سنكتبها بطريقة الرّحلة؟ الأكيد أنها سوف تكون رحلة إلى جراحنا وأحزاننا ودواخلنا المنكسرة، سوف يكون بناءها الحدثي أكثر تشويقا لأنّ الدّم العربي أصبح يشتاق الريشة ليشكل لوحة عميقة في الأسطورة والسوريالية والملامح التي تتضح خطوطها إلا عندما يصل فهم الإنسان في تعقيده وبساطته إلى أنّ الحياة مازال فيها متّسع للعيد والطفولة والمدن التي تنهض من رماداتها..

لا تعليقات

اترك رد