النووي الايراني من جديد … المخفي والمعلن !!!

 

نشرت وكالة رويتزر للأنباء في الاول من أيلول الجاري خبراً مفاده ان الولايات المتحدة وشركائها الذين فاوضوا ايران حول برنامجها النووي قد وافقوا ” سراً ” على السماح لايران للتملص من بعض الضوابط وذلك من اجل توفير الفرصة أمامها للمباشرة بالاستفادة من نظام رفع العقوبات . وقد نسبت الوكالة هذا الخبر الى احد مراكز التفكير الذي يحمل اسم ” معهد العلوم والاٌمن الدولي ” ومقره واشنطن ويرأسه السيد دافيد اولبرايت وهو رجل ضليع في موضوع نزع الأسلحة النووية وقد عَمَل ضمن فرق التفتيش في العراق وشارك في كتابة هذا التقرير .

وفقاً للتقرير فان السماح لايران بالتملص من التزاماتها جاء بصيغة استثناءات او ” ثغرات loopholes ” تمت بشكل مكتوم ومنها ثغرتان تتيحان لايران الالتفاف حول كمية اليورانيوم واطئ التخصيب التي يمكنها الاحتفاظ بها ، ووفقاً للتقرير فان هذا اليورانيوم “قابل لإعادة التخصيب” لدرجات تؤهله للاستخدام في انتاج سلاح نووي !!

هذه الاستثناءات تمت إجازتها من قبل اللجنة المشتركة التي تم إنشاؤها بموجب الاتفاق النووي لمتابعة التنفيذ وهي مكونة من الولايات المتحدة وبقية الدول من مجموعة الدول التي قامت بالتفاوض . ويستمر تقرير رويتزر بالاشارة الى تصريح ادلى به ” مصدر مطلع ” بان عدم إقرار هذه الاستثناءات كان سيعني ان المنشآت النووية الايرانية لم تؤمن تنفيذ الشروط المستحقة بحلول السادس عشر من كانون الثاني للبدء برفع العقوبات .

لكن التقرير يستأنف بان الولايات المتحدة قد أكدت انها لاهي ولا وبقية الدول المفاوضة قد دخلت في ترتيبات سرية في الاتفاق وان مسؤولي الامم المتحدة رفضوا التعليق على المعلومات .
ينتقل التقرير بعد ذلك الى الانعكاسات السياسية لهذا المعلومات وانها ستثير غضب الجمهوريين الناقدين للاتفاق من الأساس .
من زاوية اخرى يشير السيد اولبرايت رئيس المعهد الى ان هذه الاستثناءات قد تشجع ايران على البحث عن المزيد من التنازلات .

لكن التقرير يعترف بان هذه الاستثناءات قد أُبلغت للكونغرس بشكل سري وكان مسؤولون في الادارة قد أكدوا ان الكونغرس يتم ابلاغه بشكل دائم وشامل بأعمال لجنة المتابعة ، لكن احد أعضاء الكونغرس الديمقراطيين وهو السناتور مانديز عضو لجنة العلاقات الخارجية أنكر تسلمه آية معلومات عن هذه الاستثناءات فيما أعلن السناتور كرومر رئيس اللجنة واحد كبار معارضي الاتفاق النووي بان إدارة اوباما راغبة بشدة في تأهيل ايران من خلال تمرير الاتفاقية التي تسمح لايران بتسلم مليارات الدولارات وتحويل مشروعها النووي الى مشروع صناعي ، لكنه لم يعلق على موضوع الاستثناءات . يضيف تقرير المعهد الامريكي وفقاً لرويترز ان كمية اليورانيوم منخفض التخصيب الذي في حوزة ايران ليست معروفة بشكل دقيق حيث يوجد مانسبته ٢٠٪‏ منه مخزن في حاويات مختبرية وهي كمية من النوع غير القابل للإعادة الى مادة خام لذلك تمت الموافقة على تخصيبه الى درجة اعلى لاستخدامه في الأغراض الطبية . وهنالك استثناء اخر وهو يتعلق بالسماح لايران باستمرار تشغيل ١٩ ” خلية ساخنة ” لإنتاج النظائر المشعة ولكنه يمكن إساءة استخدامها لإنتاج كميات صغيرة من البلوتونيوم .

الامر الأخير هو الماء الثقيل الذي تم الاتفاق على بيع كمياته الفائضة الا ان عدم وجود مشتري دولي أدى الى شحنه الى سلطنة عمان حيث يجري تخزينه تحت إشراف إيراني .
هذا التقرير أقام الدنيا ولم يقعدها في الخليج وأعاد فتح ملف الاتفاقات الايرانية الامريكية السرية المعقودة ، كما يُزعم ، على هامش الاتفاق النووي .

في تقديري المتواضع انه لاتوجد أسس منطقية لمثل هذه لاتفاقيات لان الاتفاق النووي ليس اتفاقاً أمريكياً ايرانياً ، وان كانت الاولى هي الاسم الأكثر بروزاً في موضوع الاتفاق باعتبارها القوة العظمى والأكثر حرصاً من بين الجميع على عقده وهي المعنية بالدرجة الاولى بالدفاع عن آمن اسرائيل ولو لم يتم عقد الاتفاق فقد كانت هي التي ستقرر نوع الرد وبالتالي فمن الطبيعي ان يرتبط الاتفاق باسمها من حيث الواقع رغم مشاركة أطراف اخرى .

اما اذا افترضنا العكس وقبلنا بفرضية ان هنالك اتفاقيات سرية على هامش الاتفاق النووي فانه من الصعب اخفاءها عن الروس بوجه خاص ، اما ان كانت هذه الاتفاقات قد تمت مع المجموعة ككل فإنها لم تعد أمراً يخص الولايات المتحدة وحدها ومن بين الأعضاء من لايستطيع الانخراط في اتفاقيات من هذا النوع دون المجازفة بمستقبله السياسي وقد يكون عرضة للمحاسبة ؛ هنالك ايضاً الجانب الاسرائيلي الذي اقرت السيدة ويندي شيرمان رئيسة المفاوضين الأمريكان انه كان له دور كبير في المفاوضات وأن الإسرائيليين شاركوا في اعادة تصميم مفاعل اراك النووي لجعله غير صالح للاستخدام لإنتاج البلوتونيوم كما اعترفت انها كانت تتحدث بشكل متكرر مع مستشار الامن القومي في مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي يوسي كوهين خلال المفاوضات .

هذا من جهة ، ومن الجهة الاخرى فان التسريبات الحالية تتحدث عن ” استثناءات ” في إطار الاتفاق المعقود وانه قد جرى اقرارها من قبل المجموعة المكلفة بمتابعة تنفيذ الاتفاق واعضاؤها يمثلون فريق التفاوض (٥+١) ولو دققنا جيداً في مضمونها سنجد انها ليست ذات خطورة تتعلق بجوانب فنية ؛ وان كانت تمثل مخاطر من اي شكل فهي لاتتجاوز الافتراضات . كالقول ان اليورانيوم المتبقي وهو من النوع منخفض التخصيب “قابل للتخصيب الى درجات اعلى” مع العلم ان اجهزة التخصيب قد قد تم تفكيكها وما تبقى لايصلح لإنجاز مثل هذا العمل بما يكفي لصناعة سلاح نووي ، اضافة الى ان مكملات إنجاز هذه المهمة قد ازيلت مثل مفاعل الماء الثقيل . ومن المهم ان نتذكر ان السلاح النووي ليس المادة المشعة بل المكملات الاخرى التي لاتقل أهمية مثل جسم القنبلة واجهزة التفجير الأولي واشياء اخرى كثيرة كانت ايران قد قامت بتفكيكها من تلقاء نفسها عام ٢٠٠٥ الامر الذي دفع بعض المحللين الى الاعتقاد بان ايران قد بدلت مسار مشروعها النووي في ذلك العام وقامت بتفكيك المنشآت الخاصة بالمشروع العسكري في موقع پارتشين لاسباب غير معروفة وقد تتصل بقناعة إيرانية ان الوقت غير مناسب للمضي قدماً في مشروع نووي عسكري قد يتحول الى عبء اكثر منه مزيّة والحالة الپاكستانية خير نموذج على ذلك حيث تحولت القنبلة النووية عبئاً على الامن القومي الپاكستاني وأصبحت حماية الأسلحة النووية مهمة وهدفاً بحد ذاتها ؛ ويعزو المراقبون استمرار ايران بعمليات التخصيب والاصرار عليها الى الرغبة الايرانية باستخدامها كاداة للضغط الدبلوماسي في المفاوضات النووية مع القناعة الكاملة لديها بان عملاً عسكرياً امريكياً امر غير وارد لان المشروع النووي ظل يتحرك على حافة دقيقة بين العسكرة والسلمية وكان الايرانيون قد أجادوا هذا التكتيك بشكل كامل الامر الذي أوصلهم الى الهدف الذي يريدونه وهو الإقرار بحقهم بالاحتفاظ بدورة الوقود النووي كاملة داخل ايران مهما كانت درجتها ، كما ان ايران تحتاج بالفعل الى موارد للطاقة النووية رغم احتياطها النفطي الكبير الا انها مع توسع برامجها التنموية قد تتحول الى مستورد للنفط بفعل تزايد عدد السكان واتساع الجغرافية .

ان الستراتيجية التي استند اليها الاتفاق النووي تقوم على مبدا تخفيض مستوى المشروع النووي الايراني من حيث ألكم والنوع ونزع بعض حلقاته التي تؤمن عدم امكانية تحويله للاغراض العسكرية دون كلفة كبيرة ودون ان تتم ملاحظة ذلك لوقت طويل . هذه المتطلبات قد تحققت بالكامل بموجب الاتفاق .

ان مايثير قلق الخليجيين بشكل خاص ليس هذا الجانب من الموضوع بل السياسة الامريكية تجاه ايران والتي تبدو في نظرهم مفرطة في التساهل وربما تكون اكثر ميلاً للتشجيع وخاصة مايتعلق منها بإثارة الأقليات الشيعية ضد أنظمة بلدانها وخاصة في منطقة الخليج مع ما يرافق ذلك من تشكيل المليشيات المسلحة وإمدادها بالمال والسلاح كما حصل في أماكن عديدة في المتطقة ، لكن هذا القلق لاينبغي ان يظهر الان لان السياسة الخارجية تجاه ايران بدات بالتغيير منذ عهد إدارة كلنتون حين شهدت العلاقات لاول مرة تخفيفاً للعقوبات الاقتصادية ورفع الحظر عن استيراد بعض السلع الايرانية مثل السجاد والفستق اما ما تلا ذلك من تجديد وتشديد للعقوبات فقد ارتبط بأمرين وهما البرنامج النووي ودعم الاٍرهاب وقد رفعت تلك المتصلة بالمشروع النووي فيما استمرت تلك المتصلة بالارهاب وهي مرشحة للتشديد في عهد الادارة الجديدة بسبب مشروع تطوير الصواريخ الپالستية ، غير ان من يراهن على رؤية سياسة أمريكية حاسمة تجاه ايران لصالح الجانب العربي من الخليج فهو واهم وان الولايات المتحدة لن تخوض حروباً بالنيابة عن اي احد وان مصالحها مصونة سواء كانت بعهدة العرب ام بعهدة الايرانيين وان لعبة توازن القوى الجديدة بين العرب والعجم او بين الشيعة والسنة هي ” حرفة السياسة statecraft ” السائدة في المتطقة حالياً بالنسبة للامريكان باعتبارها الأقل كلفة والأكثر أمناً للمصالح الامريكية .

جدير بالذكر اخيراً ان هذه التسريبات التي قدمها تقرير المعهد مدار هذا المقال هي الاولى وربما تكون الاخيرة اما ماسبقها من تقارير فقد كانت حديثا يدور في إطار التكهنات والتحليل ولايجب ان ننسى ان هذا موسم انتخابات في الولايات المتحدة وهذا جزء من ألعابها .

المقال السابقسفر الاصلاح
المقال التالىأردوغان والديكتاتورية الإسلامية
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد