سفر الاصلاح


 

الاصلاح بكل اشكاله السياسية والاجتماعية والاقتصادية هو ديدن الخالق والخلق، كان الله يرسل الانبياء والمرسلين الى البشر لاصلاح حالهم وللفت انظاهرهم الى الفساد والجهل والظلم والشرك الذي هم عليه، وبعد ان اتضح الطريق ونضج الوعي واتسعت المعارف وتنوعت الثقافات، اصبح الاصلاح واجبنا كبشر، بدأ من الفرد ومرورا بالعائلة وانتهاءا بالمجتمع، والعامل المشترك والدافع الاساسي للفرد والعائلة والمجتمع في البحث عن الاصلاح هو التقدم الى امام والوصول الى افضل وضع ممكن، مستخدمين مواردنا وامكانياتنا وفي الاساس عقولنا وارادتنا نحو التقدم مع استغلال الفرص المتاحة واحيانا خلق الفرص الممكن خلقها من لاشيء احيانا، وفي العالم هناك امثلة كثيرة لرجال ونساء خلقوا فرصا نقلتهم لاوضاع لم تكن حتى في حساباتهم..

اما على صعيد المجتمعات التي تدار من قوى سياسية او اجتماعية او دينية، فان مسالة الاصلاح وان كانت هدفا يرومه الجميع الا انها اعقد مما يمكن توقعه، فالتنازع على المراكز والمصالح والامتيازات، اضافة الى النوازع الشخصية كالغيرة والحسد والانانية، خاصة في النظم الدكتاتورية او الدينية، يلعب دورا كبيرا في اضعاف ارادة التقدم والاصلاح، ولعل اقرب مثال لدينا هو ما حصل للزعيم عبد الكريم قاسم الذي تمكن وخلال فترة حكمه القصيرة من القيام باصلاحات وتحقيق تقدم لم تتمكن قوى ما بعد الاحتلال وعلى مدى عقد ونصف مع موارد هائلة من تحقيق جزء منه، ومفهوم الاصلاح يعني التطوير والتحديث والتغيير الجزئي، واذا ما تعدى ذلك فيتحول الى ثورة، والتغييرات السياسية في النظم الديمقراطية الحقيقية تجري بسلاسة وهدوء ومقبولية اجتماعية باغلبية بسيطة او مطلقة، اما في النظم الدكتاتورية والدينية فالامر يتطلب ثورة كبرى لاحداث التغيير..

وضع العراق اليوم معقد جدا، ويكاد يكون فريدا من نوعه، فالنظام فيه يسمى (ديمقراطي برلماني) ولكنه في الحقيقة نظام دكتاتوري من نوع خاص شائك ومختلف، فالقوى المتنفذة ( سياسية ودينية) تستخدم الوسائل الديمقراطية باحتيال علني او على شكل صفقات ومؤامرات احيانا لتنفيذ مخططاتها الخاصة، واحيانا أخرى تستخدم الميليشيات لفرض اراداتها، سواء على المواطن او فيما بينها لارضاخ الاطراف التي تعترض طريقها، وبذلك فانها تستخدم الديمقراطية وآلياتها كوسيلة لفرض هيمنتها ومصالحا واهدافها بعيدا عن ارادة الشعب ومصالحه واهتماماته، هذا النظام الذي يدعي الديمقراطية فرض عبودية فريدة من نوعها هي الاخرى، تختلط فيها قوى الميليشيات مع مع قوى رجال الدين الذين حولوا الشريعة من عبادة الله الى عبادة الفرد، فراح رجال الدين وغالبيتهم حمقى ومدعين يتسابقون لجمع الاتباع من الرعاع والجهلاء لامتلاك القوة والسيطرة والثروة، الى الحد الذي لم يعد يعرف المواطن فيه الى اي اتجاه يمكنه ان يوجه غضبه ومن ثم ثورته، الى رجال السياسة وقادة الميليشيات ام الى رجال الدين الذين اصبحوا الستر والغطاء لهم، وقد تكون الثورة ضد رجال السياسة والقوى المهيمنة على شؤون البلاد اسهل كثيرا من الثورة على رجال الدين المهيمنين على العقول بعد ان اتفقوا جميعا على ان الحديث عنهم وعن شرعيتهم والمساس بهم هو خط احمر لايمكن تجاوزه..

هذا السبب هو الذي دفع العراقيين منذ نهاية تموز 2015 والى تموز 2016 الى الدعوة باستحياء وفتور للاصلاح والخروج بتظاهرات حاشدة واحتجاجات اسبوعية، كانهم غير متاكدين تماما من ان ما يريدونه هو حقا ام باطلا، ولو كان ايمان غالبيتهم بحقهم في الحياة الحرة الكريمة قويا واصيلا، لكانت ثورتهم شاملة كاسحة وليست نزهة اسبوعية، رغم ان الشعب بغالبيته، على يقين تام في ان القائمين على الامر، سواء سياسيين ام رجال دين، ليسوا سوى عملاء مأجورين فاسدين قتلة ولصوص، ولكن ورغم ذلك اليقين الا ان الجماهير وتعبيرا عن شللها وقلقها وعدم قدرتها على التعبير عن نفسها، كانت تستغيث احيانا بالمرجعية الدينية لوقف معاناتها وانهاء مآسيها، ولكنها كانت كالمستغيث بالرمضاء من النار، فالمرجعية لم تكن ولن تكون ابدا سوى الستر والشريك لكل جرائم زمرة العمالة والفساد الحاكمة، ومع ذلك فان استمرار التظاهرات والاحتجاجات خلق جوا ومزاجا شعبيا ملائما لثورة عارمة لايمكن السيطرة على تداعياتها، مما دعى رجال الدين وكبيرهم القابع في ايران الى الايعاز الى مقتدى الصدر لقيادة التظاهرات والسيطرة على الشارع ومنع قوى التيار المدني الحر والشباب الوطنيين الاحرار من الاندفاع اكثر مما يمكن احتماله، ومن ثم حرف التظاهرات عن طريقها وهدفها وعدم افساح المجال للقوى الثورية الوطنية للمشاركة فيها، وكانت النتائج باهرة امام شعب خجول يستحي من المطالبة بحقوقه المنهوبة، فانتهت ارادة التظاهرات وارادة الاصلاح الذي لايتناسب اساسا مع ما نحن فيه، فالاصلاح يعني فيما يعنيه اساسا تصحيح وضع خاطيء ضمن مشهد صحيح، اما ان يكون كل شيء خاطيء وغير منطقي وصحيح، فان الامر يتطلب ثورة ولا اقل من ذلك، ولعل في قصة الخلق عبرة لنا جميعا، فالله وهو الخالق الاوحد العظيم عجز عن اصلاح القوم الاولين الذين سكنوا الارض وسماهم بالوحوش، فكنسهم جميعا وقدم خلقه الجديد (آدم)، كان ذلك الخلق يعيش مفاسد ازعجت الملائكة ولم تعد تسمع صوت الله ولم تطعه او تطع انبياءه ورسله وملائكته، فرأى سبحانه وهو الذي ان قال للشيء كن فيكون، ان لا اصلاح لحالهم وليس من حل سوى انهاء وجودهم بشكل كلي ومطلق، وهذا تماما ما نعيشه اليوم في العراق وربما في بلدان اسلامية كثيرة.. لم يعد منهج الاصلاح منطقيا ولا ممكنا بل ليس من بد لمنهج الثورة الشعبية الشاملة..

قد يفهم البعض ان تركيزي على رجال الدين، يعني ان الثورة المنشودة يجب ان تتخلى عن الدين او ان تقف موقفا عدائيا منه، وهذا غير صحيح تماما، فنحن كغالبية مسلمة في مجتمعنا اذ نفتخر بكوننا مسلمين فاننا نشعر بالاسى والقهر من صورة الاسلام التي جرى تشويهها وتغيير ملامحها على يد غالبية رجال الدين الذين اساءوا للمجتمع ولا نفسهم وللدين بتسترهم على الجريمة والفساد ودعم بعضهم للارهاب، واباحتهم للمحرمات من اجل نوازعهم ومصالحهم الشخصية، ولعل موقف المرجعية الصامت من مجزرو الكرادة وتبعها محرقة مستشفى اليرموك للاطفال الخدج، وقبل ذلك نهب المال العام ورهن ثروات البلاد خير دليل على تواطئها وتواطؤ رجال الدين عموما على ما يجري في العراق من جرائم ومآسي وكوارث، بل ان تصرفات المرجعية كان صادما لمشاعر الناس حين أرسلت ممثلا عنها ومعه بعض رجال الدين وما يسمى بشيوخ العشائر لتقديم الدعم الى وزيرة الصحة بعد محرقة اليرموك كوسيلة لاسكات الاصوات التي يمكن ان تنادي بمحاسبتها او محاسبة المسؤولين عن تلك المجزرة..

الخلاصة ان مسالة الاصلاح والمطالبة به لم تعد تتوافق وتتناسب مع ما يجري في العراق، لاسيما ان بامكان كل مراقب لما يجري معرفة ما ستؤول الامور اليه على المدى القريب، سواء مرحلة ما بعد تحرير الموصل وما يعقبها من صدام قادم مع الاكراد او تجنبه من خلال الاستجابة لمطالبهم لضمان البقاء في السلطة، او مرحلة ما بعد الانتخابات القادمة والتي ستؤمن الغطاء السياسي والدستوري للعصابات والميليشيات السائبة التي تعيث في الارض فسادا..
ولكن السؤال الاهم: هل هناك امكانية للثورة والتغيير ؟…
فرصة الثورة والتغيير وعدمها موضوعنا القادم

1 تعليقك

  1. السلام عليكم ….ارى انك تقترب وتبتعد بنفس الوقت من الايمان والالحاد ،الدين الاسلامي اصبح مهنة يعتاش منها بل هو حقا مهنة مربحة تروج بضاعتها عند السذج من الناس ،فهم ﻻيدركون حقائق التاريخ وحوادثه بل تحكى لهم ويروج لها عبر السلطه الدينيه ومراجعها التي تركز بحوثها على الطائفة وارجحيتها وعلو شأن معتنقيها وفساد الاخر وهذا الاخر الى جهنم تلاحقه اللعنات ﻷنه مات ميتة جاهليه فلم يعرف امام زمانه ،أما الذي عرف امام زمانه فقد فاز فوزا عظيما حتى لو كان سارقا منحطا مزورا فهو من المله التي قال عنها الامام بأن النار ﻻ تمسه وبالتالي فهو مع الحق والحق معه…اغلبنا ونحن من الطبقه المثقفه والتي جاهدت حتى يكون لها شيئا من البصيره المستقله ،ﻻ تستطيع ان ترشد من عشش الوهم في عقولهم فهم منقادون الى سلطة رجل الدين حتى لو كان مزيفا ،أما رجل الدين الحقيقي فهو اكثر بلاءا وسطوه فهذا يستقي منهجه الطائفي من تراكم الحقد والغي الذي يكنه الغير للعرب منذ ان خرجت جموعهم من جزيرة العرب لنشر الاسلام،ونحن صغار كنا نردد عبارات يلقنها لنا الكبار تمس احد الصحابه بل تحط منه وعندما كبرنا وتفتحت عقولنا ادركنا سبب هذا الحقد وهذا التجني على هذا الصحابي والى اليوم ﻻ نستطيع ان نذكر هذا الصحابي بأي خير خوفا من ان تلحق بنا اللعنات او تنسب لنا صفة الطائفيه والتي تحيلنا الى متسولين بعد ان نفقد كل شيئ ،هذا أذا قدر لنا ان نبقى احياء!،واليوم علينا ان نلطم على صدورنا ونستذكر حوادث تآريخية ملفقة صنعتها عقول سياسية تريد ان تستعيد مجدا زال عندما علا شأن العرب قبل امثر من 1400عام ،وعلينا ان نؤمن بأن اسلافنا كانوا محض غزاة وقتلة ومجرمين محتلين ﻷوطان الغير وان بغداد كانت عاصمة للهو والمجون والقتل وسفك الدماء وان بيت الحكمه كان دار للكفر وكل خلفاء بني العباس زنادقه وان بغداد لم تكن منارة للعلم والثقافه بل كان سجن كبير وفيها ظلم وان اكثر من عشرين مليون سخص كانوا يعيشون فيها كانوا فقراء وليس في بغداد معبدة بالاجر وليس فيها مدارس وﻻ جامعات وﻻ مراصد للفلك، وان اصحاب الكلام كانوا زنادقه ولم يكن الاصمعي عربيا وﻻ ابن سينا وﻻ الخوارزمي وﻻ الجاحظ ،ولم تصنع الساعة في بغداد ولم تشق فيها قنوات للري وان بغداد خربه يرتع فيها الملوك وتسبى فيها النساء وتمارس الرذائل وتحط قيم الدين ويقتل رجال العلم …الحديث يطول …تحياتي

اترك رد