أيا حبيبتي

 
لوحة للفنان محمود فهمي

أيا حبيبتي.. أضْفتْ عليّ روحك معنى مالم أحلم به، يقولون إنّ الفارابي كان إن عزف على آلة بدّل النّغمة نغمات، إحداها تضحك الحاضرين والثّانيّة تدهشهم والثّالثة تبكيهم والرّابعة تنيمهم، ثمّ يتسلّل من بين الحاضرين تاركًا إيّاهم نائمين، ويغادرهم متسلّلاً كما دخل من نافذة تركوها مفتوحة له، ليحتسي فنجان قهوة أعدّت على جذوة من رماد، وهكذا روحك الّتي تتسلّل إليّ كلّ ليلة.
لولا إشراق إنسانيّتي لما بقيت على قيد الحياة، لا تدعي طيفك يعتذر عن عجز الحضور ومشاركتي وحدتي وألمي. أنا أحترم الضّعف الإنسانيّ ولا أحترم الخنوع، أحبّ أن أتذوّق الرّحيق قبل النّشر.. لذا ما زالت جوارير مكتبي تحمل أوراقًا مبعثرة، في معظمها كتبتها لك، أعلم أنّها رسائل لن تصل، أتردّد في نشرها،لم أنشرها بعد ولا أفكّر بذلك، أكتفي بقراءتها لطيفك الّذي لا يفارقني، أستطعم رحيقها وكأنّه شهد شفتيك، سأحضر معي الليلة واحدة منها لأتلوها عليك همسًا، لعلّك تتركين لي نافذتك مفتوحة لأتسلّل منها في هدأة الليل وسكناته.
تفاصيلي الصّغيرة هي أنا، أزهار أبعثرها، فأنا لا أكتب بالقلم، أكتب بريشة أقتنصتها من دُرّاجّة برّيّة، أغمسها بألمي، بروحي، فتنطلق ريشتي الأثيرة كما اعتادت الدُرّاجّة البرّيّة عندما تكون في غابة صنوبر أو سُهب مترامية، فترسم.
ربّما أنت سمكة فعلاً، حُوت كما هو برجي..، لذا لن أتوقّف عن السّباحة بحثًا عنك، ولن أغلق ستارة عينيّ لعلّي ألتقيك، وحين ألتقيك مؤمنًا بأنّك رغم سنوات الضّياع، ستسمحين لي بأن أرتشف من شفتيك النّبيذ المعتّق بألوان الزّمن؟
عشقتك مهرة برّيّة عصيّة على التّرويض، فأنا لا أحبّ المرأة المطيعة كفرس لم يتبقّ منها إلاّ هيكل جسد وقدرة على حرث الأرض والسّرير، تضع النّير برقبتها راضية، تقوم بكلّ الواجبات وتنهيها بجسد ميّت..، تضاجع من يعلفها في آخر الليل أو عند الطّلب.
لست يا حلوتي من الأكثريّة السّاحقة الصّامتة، أنا من الأقلّيّة التي لا تجيد الصّمت، تنشب أظفارها في وجه الزّمن، لذا كنت وما زلت، أرفض التّدجين، التّرويض، أدفع الثّمن كما اعتدت أن أدفعه دومًا. ولعلّ ضياعنا عن بعض في متاهات الزّمن، بعض ممّا دفعته حين وأدت حرّيتي سنوات في محاولة لترويضي، فبقيت أسير الجسد، لكن طليق الرّوح.
ينتابني إحساس بأنّك تعملين عملاً له علاقة بمساعدة المظلومين، لي رجاءٌ يا زنبقتي.. إذا تسامرنا في مكتبك مرّة أخرى، أو ارتشفنا قهوة الصّباح..أتركي بعض الملفّات التي ربّما كانت لمظلومين، هم وحدهم لا يعرفون الولولة، إنّهم يئنّون بصمت احتراماً لكرامة ما زالت بالنّفوس.
ليلتك أرواح متمرّدة، أنت وأنا عبق ياسمين وزنابق مجنّحة، فيء زيتون ونسغ سنديان.

* من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات

المقال السابقالعلاقات التركية الجديدة والصفعة المزدوجة لأمريكا
المقال التالى الخيمة الصغيرة
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد