امريكا ، العالم .. الادارة الجديدة !! ج٢

 

الشرق الأوسط
تصنف السياسة الامريكية الحالية في الشرق الأوسط على انها “انسحاب ” ، فيما يعتقد اخرون انها عودة الى الوضع التقليدي لما درجت عليه قبل التدخل العسكري في العراق عام ٢٠٠٣ ومن اجل ازالة اللبس فإنني استميح من يتابعني العذر في تقديم بعض التفاصيل ذات صلة بأصل الأحداث .

لعل اصعب جوانب السياسة الخارجية الامريكية على الفهم هي سياستها الشرق اوسطية ، ليس لانها صعبة ومعقدة فقط بل لان العقول التي تتعامل مع قضية فهمها معبئة حتى التخمة بالافكار المسبقة او الحماسات ذات الاطياف والالوان المختلفة بما تجعل الرؤية الى هذه السياسة تمر من خلال ألوان محددة تضفي على القضية كلها لوناً دون اخر ، ويوازي ذلك صعوبةً محاولة فهم هذه السياسة دون العودة الى جذورها ، القريبة منها على الأقل .

لاتختلف الستراتيجية الامريكية في منطقتنا عن سواها في المناطق الاخرى من حيث الاهداف العامة كما فصلناها في الحلقة الاولى وما يختلف هي السياسات ، وهنا تبدأ مشكلة الفهم لان هذه السياسات تبدو أحياناً متناقضة ،،الى حد يعسر على الفهم ، مع متطلبات الستراتيجية العامة . وفقاً لتعبير جميل قدمه احد دارسي السياسة الاقليمية للولايات المتحدة ، هو البروفيسور طارق اسماعيل في كتابه ” العلاقات الدولية في الشرق الأوسط المعاصر ” ، وفحواه ان السياسة الامريكية في هذا الإقليم خضعت لمتطلبات السياسة الداخلية الامريكية المتمثّلة في توجهات الرأي العام الذي عملت على تشكيله وسائل الاعلام وتأثير جماعات الضغط بما جعل هذه السياسة بعيدة عن واقع الشرق الأوسط ، ومن هنا جاءت قضية صعوبة فهم هذه السياسة .. لكن مالايجب ان يفوتنا هو ان مضمون المصالح الامريكية هو في نهاية المطاف ماستقرره النخب السياسية الامريكية وليست قناعات وتطلعات شعوب الشرق الأوسط ، وبالتالي فمن يبحث عن حل لمشكلة تتسبب بها السياسة الامريكية في المنطقة عليه ان يبحث عن حلها في داخل امريكا وليس بمواجهتها في المنطقة فحسب لان ذلك يعني خوض معركة خاسرة ضد خصم مقتدر ؛ بمثل هذه القناعة تحركت اسرائيل وحققت نجاحاتها في المنطقة رغم انها لم تكن صناعة أمريكية بالدرجة الأساس .

تضمنت جميع الإعلانات التي صدرت باسم الرؤساء الأمريكان بدءاً من ترومان وحتى باراك اوباما مبدءاً اساسياً ، صراحة او ضمناً ، باعتبار ان قيام آية دولة اقليمية او خارجية بالهيمنة في الشرق الأوسط مساساً مباشراً بالمصالح الامريكية العليا وبأمنها القومي لان ذلك يمثل تهديدا لمصلحتين أساسيتين للولايات المتحدة وهما آمن اسرائيل وأمن النفط . لقد استخدمت سياسات عديدة من اجل تنفيذ هذه الستراتيجية العامة تضمنت تطوير منظومة من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع قدر محدود من الحضور العسكري المباشر كما تم ضمان استمرار الاستقرار من خلال إدارة نظام توازن إقليمي بين دول المنطقة الرئيسية بغض النظر عن توجهاتها السياسية . وقد توافقت الولايات المتحدة مع اغلب دول المنطقة على الحاجة الى ادامة هذا الاستقرار للمحافظة على استمرار تجهيز السوق العالمية بمايكفي حاجته من النفط وباسعار مناسبة ودون عوائق في خطوط الامداد . اما آمن اسرائيل فقد اعلنت الولايات المتحدة في مناسبات متعددة ان آمن اسرائيل ضمن خطوط الهدنة جزء من أمنها القومي . لهذا الغرض احتفظت الولايات المتحدة بوجود عسكري دائم ، وان بشكل محدود ، في عدد من القواعد العسكرية داخل المتطقة وحولها ومنها مقر دائم لقيادة الأسطول الخامس في البحرين كما شكلت قيادة عسكرية مستقلة باسم القيادة الوسطى تشمل آمن منطقة الشرق الأوسط من كابل الى طنجة .
جاءت ” الثورة الاسلامية ” في ايران لتمثل نوعاً من المساس بالوضع القائم الا ان نظام التوازن الاقليمي تمكن من احتواء هذا التطور في وقت مبكّر خلال الحرب العراقية الايرانية وقامت الولايات المتحدة بإدارة الموقف بشكل يحول دون انتصار اي من طرفي الحرب بما يشكل تغييراً جوهرياً في نظام التوازن التقليدي حتى بدأ الميزان العسكري بالتحول بشكل نهائي لصالح العراق منذ عام ١٩٨٧ فبدأت بتحرك دبلوماسي دولي أسفر عن فرض وقف لإطلاق النار في أب ١٩٨٨ .

كان دخول العراق عسكرياً للكويت يمثل تهديداً اخر لنظام التوازن هذا وتمت معالجة الموقف بتشكيل تحالف دولي اخرج العراق بالقوة العسكرية من الكويت ووضعه تحت نظام صارم من العقوبات الدولية بما يكفل بقاؤه في إطار النظام ذاته .

اعتمدت إدارة كلنتون نظاماً جديداً تحت لافتة الاحتواء المزدوج الذي هندس فكرته مارتن إنديك مساعد الرئيس لشؤون الشرق الأدنى وجنوب اسيا في مجلس الامن القومي وعرضه في محاضرة القاها في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بتاريخ الثامن عشر من شهر مايس ١٩٩٣ وعلى الشكل التالي : ان الولايات المتحدة الامريكية قد تخلت عن لعبة توازن القوى في إدارة علاقاتها مع العراق وإيران وانها قوية ، بفضل علاقاتها مع بقية دول المنطقة ، لكي تتخذ سياسة المواجهة مع البلدين ولكن بشكل متباين . تجاه العراق فإنها ستعمل على تغيير نظامه السياسي كهدف نهائي لسياستها تجاهه اما بالنسبة لايران فإنها ستعمل من خلال منظومات دولية متعددة الأطراف لاحتواء الخطر الذي تمثله وذلك من خلال إقناع البلدان الاخرى بعدم إبرام صفقات تسلح او تأسيس علاقات تجارية طبيعية ، مع عدم استبعاد إمكانيات الحوار مع طهران بما لا يؤثر سلباً على المصالح الامريكية وانه قد حان الوقت للشروع فيه .
بالنسبة للعراق ، باشرت الولايات المتحدة ومن خلال وكالة المخابرات بتنفيذ مشروع لإنشاء كيان سياسي بشكل حكومة مؤقتة في اقليم الحكم الذاتي ، وتم اعتماد احمد الجلبي باعتباره العنصر الرئيسي في المشروع . اتضح فيما بعد ان الجلبي على صلة بالمخابرات الايرانية دون إشعار مسبق للجانب الامريكي في العملية الامر الذي قاد الى افشال المشروع برمته وبشكل كارثي بعد ان قامت قوات خاصة عراقية بعملية عسكرية خاطفة اقتلعت المشروع برمته مما دعى وكالة المخابرات لتحميل مسؤولية الفشل للچلبي واعتبرته رجلاً غير موثوق به وتحوم حوله شبهة العمالة لايران وظلت علاقته بها متوترة وربما كان هذا التوتر هو السبب الذي حال دون توليه رئاسة الحكومة في العراق بعد الاحتلال رغم وعود سابقة قطعت له بذلك مقابل وعده بإعلان الاعتراف بإسرائيل واعادة احياء خط كركوك حيفا النفطي الذي يتولى الاكراد حالياً تنفيذه ولكن دون الانبوب من خلال بيع النفط العراقي لاسرائيل وفقاً لما نشرته مجلة فورين افيرز الامريكية .
قامت مجموعة باحثين من اليهود الأمريكان الصهاينة عام ١٩٩٦ بتقديم تقرير شهير الى الحكومة الإسرائيلية يتضمن توصيات لسياسة جديدة في الشرق الأوسط . حمل التقرير عنوان “A Clean Break “وشارك في كتابته دوجلاس فيث وريتشارد بيرل وديفيد وورسمير ؛ خلال إدارة بوش الابن سيُصبِح الاول الشخص رقم ٣ في البنتاغون وسيتولى إدارة الملف العراقي والثاني سيكون معه رئيساً لهيئة التخطيط في البنتاغون والثالث سيتولى إدارة الحملة الإعلامية الخاصة باسلحة الدمار الشامل وصلات القاعدة بصدام حسين والترويج لحملة نشر الديمقراطية بالقوة في الشرق الأوسط . أوصى فريق البحث الحكومة الإسرائيلية للسعي لدى الحكومة الامريكية لتنفيذ الخطة التي يقترحها لإعادة رسم الشرق الأوسط ولعل اهم مايلفت النظر فيه هو انه تحدث عن أشكال مما يجب ان تتضمنه السياسات القادمة في المنطقة من ضغوط واضعاف دول ، لكنه اعتبر الساسة الوحيدة تجاه العراق هي الاحتلال و ” اعادة صياغته ” . تبنت الحكومة الإسرائيلية مجمل الافكار وشرعت بالتحرك من خلال أدوات ضغطها داخل اروقة الادارة والكونغرس والإعلام .
جاء بعدها قانون تحرير العراق الذي اقترحته إدارة كلنتون واعتمده الكونغرس عام ١٩٩٨ بميزانية تبلغ ٩٦ مليون دولار . تمكن الجلبي من توطيد صلة ما مع المفكر والمستشرق الصهيوني برنارد لويس واخرين في إطار من عرفوا آنذاك بالمحافظين الجدد وتم تخصيص معظم الاموال المخصصة بموجب القانون المذكورلمشروع يديره الجلبي لصالح البنتاغون ومن خلال ماسمي ” مكتب الخطط الخاصة ” الذي شكله فيث عند توليه المسؤولية في البنتاغون ومهمته تسلم المعلومات الاستخبارية من المعارضة العراقية وتحديدا مجموعتي احمد الجلبي وعبدالعزيز الحكيم ، وكلاهما محسوبان على ايران ، واعادة صياغتها وتقديمها الى مجلس الاستخبارات الوطني او إرسالها الى مكتب نائب الرئيس تشيني لكي يقوم مدير مكتبه سكوتر ليبي بفرضها على وكالة المخابرات المركزية باعتبارها معلومات ذات مصداقية .

هذا الدور الجديد الجلبي والاخرين سيتعزز في ضوء المستجدات التي طرأت بعد هجمات سبتمبر ١١ في الولايات المتحدة والتي صارت ذريعة للشروع بتنفيذ الفكرة العامة التي اقترحها مشروع القطيعة التامة من اعادة ترتيب اوضاع الشرق الأوسط من اجل اجتثاث جذور الاٍرهاب بنشر الديمقراطية التي اصبحت عاملاً مضافاً للسياسة الامريكية في الشرق الأوسط الى جانب قضيتي النفط وأمن اسرائيل .

هذه الاطالة بعض الشيء توضح الجذور الحقيقية للسياسة التي تم انتهاجها تجاه العراق والتي لم تختلف كثيراً بعد انتهاء ولاية بوش الأب ومجيء كلنتون وتبني ادارته لمبدأ الاحتواء المزدوج خلافاً لسياسة إدارة التوازن التقليدي في المنطقة .
تم احتلال العراق وكان من الواضح منذ اللحظة الاولى ان ماسينفذ فيه ليس خطة العمل الامريكية الرسمية المعلنة الهادفة لتغيير النظام وإحلال نظام مدني تعددي كما أعدتها لجنة متخصصة مؤلفة من مجموعة من الخبراء الأكاديميين وتتضمن المحافظة على كيان الدولة واعادة تنظيم مؤسساته بعد استبعاد العناصر البعثية الرئيسية وكانت الفكرة تتجه نحو انشاء قوة عسكرية وطنية من ١٠٠ الف جندي مع ضباطهم من عناصر الجيش السابق وتأسيس مكتب أمريكي ذو خبرة بشؤون العراق لإعادة الإعمار وكلف الجنرال غارنر بهذه المهمة . عارض البنتاغون وتحديداً مكتب فيث كل ذلك ، وتقرر حل الدولة حتى الأسس وفق خطة سميت ” اجتثاث البعث ” أعدها مكتب فيث بديلاً للخطة الامريكية الأصلية ثم تم إقناع جورج بوش الابن بحصر ملف العراق بالبنتاغون وتم ذلك بالفعل فكانت مرحلة بريمر ، ومن الجدير بالملاحظة ان خطة الحرب وقرارها ظلت مكتومة على هيئة الأركان المشتركة الى وقت متأخر ؛ كانت القيادة الوسطى تعد الخطة بتكتم شديد وكان يتابعها رامسفيلد شخصياً وكان وولفويتز وفيث وپيرل يعدون خطط مابعد الحرب مع طاقم مدني محدود من بيروقراطيا البنتاغون .

نشرت صحيفة Washington Monthly تقريراً تحت عنوان ” ايران كونترا ٢ ” في عددها لشهر سبتمبر/ أيلول ٢٠٠٤ تضمن معلومات موثقة عن تورط جواسيس لصالح اسرائيل يعملون ضمن مجموعة فيث وبعلمه في البنتاغون ، وقد عقدوا لقاءات خارج الاراضي الامريكية ( روما – باريس ) ضمت ضابط الحرس الثوري السابق منوجهر فربانفر ومايكل ليدن و رود من موظفي البنتاغون ، حيث تم التداول فيما سيحصل بعد اسقاط النظام في العراق وقد اعترف قربانفر فيما بعد ان ماحصل في العراق بعد الاحتلال كان قد تم عرضه خلال اللقاءات ” كلمةً بكلمة ” . مجموعة البنتاغون هذه كانت تنسق عملها في إطار عمل البنتاغون مع شبكة الجلبي- الحكيم كما قام الجلبي بزيارتين الى طهران قبل الاحتلال بوقت قصير . هذه اللقاءات تمت دون علم البيت الأبيض او الخارجية او المخابرات الامر الذي استوجب صدورالامر بإيقافها بعد كشفها من قبل السفير الامريكي في روما لكنها استمرت في باريس . جدير بالذكر ان هذه الاتصالات صارت فيما بعد موضوعاً للتحقيق بعد انكشاف حجم الورطة التي وجدت الولايات المتحدة فيها نفسها منذ عام ٢٠٠٤ وبعد ان أخذ الوضع العام في العراق ينزلق نحو فوضى حرب أهلية مع تصاعد العمليات الإرهابية كبدت الأمريكان الآلاف من القتلىوالجرحى في بلد كان الأفضل في المنطقة من حيث سيطرة سلطاته على الامن العام فيه . جرت بعد ذلك عمليات تحقيق في إطار المتفشية العامة في البنتاغون وفي الكونغرس خلصت الى انه تم تقديم مجموعة من الخلاصات والمعلومات المضللة من قبل فيث ومجموعته أدت الى اتخاذ قرار الحرب وقد تقرر اجراء تحقيق شامل تمهيداً للمحاسبة القضائية الا ان توافقاً حزبياً تم في إطار الكونغرس قضى بتأجيل الموضوع لحين انتهاء الانتخابات في نوفمبر / ت٢ عام ٢٠٠٤ ثم صرف النظر عن الموضوع بعد الانتخابات باستثناء احالة بعض أعضاء شبكة فيث الى القضاء وصدر ضد احدهم الحكم بالسجن بتهمة التجسس لصالح اسرائيل ، اما الكبار فقد تمت تنحيتهم من مناصبهم بدءاً بنواب رامسفيلد ، وولفويتز وفيث ، وريتشارد بيرل ومايكل ليدن ثم بعد ذلك رامسفيلد نفسه وبعدها حكم بالسجن على سكوتر ليبي مدير مكتب نائب الرئيس وجميعهم من اليهود الصهاينة الذين لايخفون ولائهم لاسرائيل ومشروعها في الشرق الأوسط ، ولذلك يعتبر اغلب المحللين ان حرب امريكا على العراق كانت حرباً من اجل اسرائيل كان لايران فيها دور محدد تؤديه وجزء من الغنيمة .
هذا لاينفي من جهة اخرى حقيقة ان تنسيقاً أمريكياً ايرانياً على المستويات الرسمية التي تقع ضمن إطار مؤسسات القرار النظامية لم يكن موجوداً ، وقد ذكر زلماي خليلزاد في كتابه ” المبعوث ” انه قام بالاتصال بممثل ايران لدى الامم المتحدة في جنيف آنذاك محمد جواد ظريف وتم ابلاغه بقرار الحرب على العراق وتسلم منه مقترحات محددة تضمنت ضرورة حل الأجهزة الأمنية العراقية واعادة بنائها من الجذور كما تم ابلاغه بان الطائرات الامريكية قد تقوم باختراق الأجواء الايرانية خلال عملياتها وان تسمية ايران من قبل الرئيس بوش كإحدى دول محور الشر لايعني انها مستهدفة عسكرياً .
كانت فترة إدارة بوش فترة استثنائية قياساً على السياق العام للسياسة الامريكية في المنطقة غير ان الضرر قد وقع في نهاية الامر وحلت قواعد لعبة جديدة في المنطقة واخرج العراق كدولة من لعبة توازن القوى على مستوى التوازن الشامل وتفرعاته في الإقليم بعد تسليم السلطة فيه الى مجموعة الاحزاب الدينية الموالية لايران وأصبحت سياسات الشرق الأوسط الامريكية تدار على أسس جديدة تقوم على التوازن بين العرب والفرس على حد تعبير بعضهم او بين السنة والشيعة على حد تعبير اخرين . اصبح عصر الدولة الوطنية في المتطقة على عتبة النهاية حتى مع بقاء الخرائط السياسية على حالها ، اضافة الى تصاعد موجة العداء الطائفي وموجة الاسلام السياسي والذي ترجم نفسه الى ارهاب اعمى لدى بعض المجموعات ، من مختلف الطوائف . هذه النتيجة هي حصيلة سياسة طويلة الامد اعتمدتها الإدارات منذ عهد كلنتون وقد تمكنت اللوبيات والبيروقراطيات الموالية لاسرائيل من توظيف جوانب هامة في هذه السياسة لصالحها ، تماماً كما وصفها البروفيسور طارق اسماعيل . الا انه من الملفت ان العراق وقد اصبح تابعاً لايران وساحة مفتوحة لنفوذها يرتبط الان بعلاقات تعاقدية مع الولايات المتحدة تمنحها الحق بالعودة اليه عسكرياً تحت مظلة مكافحة الاٍرهاب وفقاً لتعريفها وتقديرها ، وقد عادت بالفعل بقوات تقرب من خمسة آلاف جندي مع وحدات جوية وثقيلة .
لقد تعززت هذه الاتجاهات الفوضوية بعد قيام هبّات الربيع العربي والتي تمت مواجهتها بردود فعل عنيفة من قبل السلطات الدكتاتورية القائمة فتحولت المنطقة الى حالة من الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والارهاب المنفلت كما يحصل في العراق وسوريا وليبيا واليمن باستثناء مصر التي تضم مصالح حيوية كبرى لا يمكن تركها تغرق في محيط الفوضى فقام الجيش باسقاط النظام المنتخب الذي كان يتخبط في وسط فوضى الحالة والتداعيات التي خلفها سقوط النظام القديم على يد تظاهرات شعبية لاتمتلك قيادات واضحة او برامج محددة سوى شعارات عامة فبرز تيار الاسلام السياسي وهو الوحيد الذي كان يمتلك بنية تنظيمية قادرة على إدارة عملية الوصول الى السلطة من خلال الانتخابات لكنه واجه عجزه الفكري الذاتي وعدم نضوجه كقوة عمل سياسي قادرة على إدارة دولة ومجتمع معقد كالمجتمع المصري تتشابك فيه مصالح دولية واقليمية كبرى فضلاً عن ساحة سياسية داخلية ابرز سماتها قلة النضج وعدم الكفاءة السياسية لدى النخب السياسية كافة خلفتها عقود الدكتاتورية الطويلة .

لم يكن اعلان إدارة اوباما نيتها الانسحاب من المنطقة مفاجئاً بعد تفكك العلاقة النفطية التقليدية بين الولايات المتحدة ودوّل المنطقة المنتجة بفعل اتجاه الانتاج الامريكي المحلي نحو سد الحاجة وربما التصدير كما لم تعد اسرائيل تواجه تهديدات جدية من قبل اي قوة اقليمية باستثناء القلق الذي اثاره المشروع النووي الايراني ؛ ظهرت مناطق اخرى في العالم لتحتل الصدارة في سلم أولويات الاهتمام الامريكي مثل غرب الپاسفيك وظهور الصين كقوة كبرى وإعلانها برامج على المستوى الدولي شكلت تهديداً للوضع القائم مثل مشروع البنك الآسيوي او ماعرف إعلامياً باحياء طريق الحرير الذي تخشى الادارة الامريكية ان يكون بديلاً للبنك الدولي على مستوى القارة الآسيوية ، اضافة للازمة المالية الكبرى التي ورثتها إدارة اوباما عن إدارة بوش جراء الحروب في أفغانستان والعراق .
كان الملف النووي الايراني من بين اهم القضايا التي واجهتها الولايات المتحدة في المنطقة بعد اسقاط النظام في العراق ولم يكن الحل العسكري مطروحاً بسبب كلفته وما قد يسفر عنه من اختلال شامل في النظام الاقليمي أسوأ مما احدثه احتلال العراق رغم إمكانيته من الناحية الفنية كما لم يكن خياراً مقبولاً على المستوى الدولي ومن المتعذر تشكيل تحالف كبير حوله . تبنت إدارة اوباما سياسة مزدوجة مزدوجة تقوم على التفاوض مع نظام عقوبات مشدد . وقد أفلحت هذه السياسة فقد أوقعت العقوبات الاقتصادية أضراراً شديدة بالاقتصاد الايراني اوصلته الى حافة الانهيار مما دفع ايران لقبول تسوية تفاوضية تحظى بتأييد الأعضاء الدائمين في مجلس الامن زائداً ألمانيا وهي مجموعة ٥+١ التي كلفت بمتابعة التفاوض مع ايران بقرارات صادرة عن مجلس الامن .

يتضمن الاتفاق النووي في خطوطه العريضة نزع حلقات أساسية من المشروع النووي وتخفيض مستوى مخرجاته من المواد المشعة من حيث ألكم والدرجة تجعله غير قادر على التحول الى برنامج غير صالح لإنتاج سلاح نووي ؛ اخرج مفاعل اراك من الخدمة وتم تحويل المنشأة الى مركز للابحاث بمشاركة دولية وتم صب الإسمنت في قلب المفاعل كما جردت ايران من الماء الثقيل واليورانيوم المخصب لأكثر من درجة مخفضة عن طريق تصديرها للخارج فضلاً عن وضع الواردات الايرانية تحت الرقابة الدولية ؛ ورغم ان مدة الاتفاق تمتد من عشرة الى خمس عشرة سنة الا ان ذلك لايشمل الالتزام بمعاهدة حظر الانتشار النووي والبروتوكول الاضافي كما ان بنودا معينة في الاتفاق ستحيل البرنامج النووي برمته الى برنامج ذو نوعية تكنولوجية لاتصلح للعودة به الى المسار العسكري الا بجهود ذات كلفة ومن الصعب إخفاؤها مثل التحول عن تكنولوجيات الماء الثقيل الى تكنولوجيات الماء الخفيف .

لقد جرى الكثير من الحديث عن ان الاتفاق هو الجزء الظاهر من اتفاقات اخرى غير معلنة تتعلق بالوضع في المتطقة خاصة بعد ان تمت ملاحظة التغاضي الامريكي عن نشاطات إيرانية في المنطقة ذات طابع عدواني وتوسعي ومن شانها زيادة حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة أصلاً مثلما يحصل في سوريا ولبنان واليمن والبحرين ؛ الامريكيون من جانبهم ينفون ذلك ويعزون المشكلات التي تزج ايران نفسها فيها الى اختلالات داخلية تتعلق بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعاني منها بعض دول المنطقة وان الولايات المتحدة ملتزمة بأمن هذه الدول ان تعرضت لاي اعتداء إيراني مباشر ، لكن عليها من جانب اخر ان تحسن من ادائها السياسي الداخلي . هنالك ايضاً من المراقبين من لايعتقد بوجود بنود او اتفاقات سرية مرافقة للاتفاق النووي والدليل هو ان العقوبات التي رفعت هي تلك المتصلة بالمشروع النووي حصراً فيما تم الإبقاء على تلك التي لها صلة بالنشاطات الإرهابية كما ان تصنيف بعض الهيئات الرسمية في ايران كالحرس الثوري وبعض فروعه وقائمة طويلة من اسماء الأشخاص والهيئات لازالت مدرجة على قوائم الاٍرهاب الدولية والأمريكية مع العقوبات المفروضة جراء ذلك ، بل ان تنفذ الاتفاق النووي اصبح يواجه في التنفيذبسبب احجام بعض المؤسسات المالية الاورپية عن استئناف التعامل مع ايران خوفاً من عقوبات أمريكية محتملة قد تطالها مع إدارة أمريكية جديدة مما حدا بالوزير كيري الى شد الرحال الى اوروپا لحث تلك المؤسسات والهيئات على تغيير موقفها واستحق جراء ذلك وصف ” سمسار ايران ” التي أطلقها عليه رئيس مجلس النواب الامريكي مما يعني انه لم تتم آية تفاهمات مع قيادات الكونغرس حول ترتيبات او اتفاقات سرية مع ايران وهو ماجرى عليه تقاليد العمل السياسي في الولايات المتحدة ؛ ويُعتقد بشكل عام ان ان الوزير كيري يقف خلف الموقف الامريكي ، من بين عوامل اخرى ، الذي يوصف بالتساهل نسبياً مع ايران بسبب صلات يرتبط بها مع اللوبي الايراني من خلال صهره الايراني الناشط البارز في هذا اللوبي وان موقف كيري يستمد قوته من رؤية الرئيس اوباما الرافضة لاي تدخل عسكري أمريكي او توظيف للنفوذ الامريكي في قضايا لاتمس الامن او المصالح الامريكية بشكل مباشر .
بدات تظهر في الآونة الاخيرة لهجةمتشددة نسبياً تجاه الأنشطة الصاروخية الايرانية واعتبار ان بعض أنواعها تشكل خرقاً للاتفاق النووي الذي يمنع تطوير وسائل نقل الأسلحة النووية الى الاهداف ؛ ان بعض انواع التجارب الصاروخية والابحاث المتصلة بها شملت مايعرف بكبسولات العودة التي تستخدم حصراً لنقل الرؤوس النووية ومن المرجح ان تبدأ هذه القضية بأخذ منحاً جدياً خلال عهد الادارة القادمة أياً كانت هويتها خاصة وان هذه الأسلحة تثير قلقاً إسرائيلياً ولدى حلفاء اخرين في المنطقة ؛ تنام السيدة كلنتون الى اليمين الديمقراطي وينتمي ترامب الى اليمين الجمهوري وكلاهما سيكونان اكثر ميلاً للتشدد مع ايران واذا ماتم حسم الموقف في العراق مع داعش فان ملفات ذات أهمية ستفتح في مجال العلاقات بين الطرفين على الساحة العراقية خاصة مايتعلق بمستقبل المليشيات الطائفية وطبيعة الوجود الامريكي الذي يبدو انه يتجه للبقاء الى فترة طويلة نسبياً وان كان بشكل محدود ، كما يجري الحديث عن تأسيس قاعدة أمريكية دائمة في القيارة تحسباً لاية صعوبات مع الأتراك بشان قاعدة انچرليك في المستقبل والذريعة المطلوبة جاهزة وهي التهديدات الإرهابية التي لاتغيب عن اجواء السياسة في الشرق الأوسط .
في سوريا يبدو المر في غاية التعقيد مع طول الفترة التي اخذتها الثورة والتي تحولت الى نوع من الحرب الأهلية التي تشارك فيها أطراف خارجية عديدة ؛ لقد تم تحقيق إنجاز مهم وفق طبيعة الاهتمامات الامريكية بالموضوع وهو نزع السلاح الكيمياوي السوري وبذلك تكون سوريا كساحة للصراع قد فقدت جزءاً كبيراً من أهميتها بالنسبة للامريكان باستثناء الجانب الإنساني وقضية اللاجئين ، لكن ذلك لايعني انهم غير معنيين بما يجري هناك اذ لاتزال قضية الترتيبات النهائية التي من شانها حل النزاع تعني الولايات المتحدة كقوة عظمى وهي منخرطة في مفاوضات متواصلة مع الروس للتوافق على صيغة نهائية للوضع هناك ، هذا بالاضافة لاهتمامها بموضوع الاكراد ؛ وتشير المعلومات الى انها تعمل على تعزيز موقف الاكراد من خلال تأسيس اتصال بين مناطق الاكراد في سوريا وإقليم كردستان العراق وفق رؤيا بعيدة نحو انشاء دولة كردية رغم مايثيره ذلك من حساسيات لدى دول المنطقة وخاصة تركيا . لقد اجبرت المبادرات التركية الاخيرة بالتصالح مع الروس والسوريين الولايات المتحدة على التريث في هذا الموضوع واضطرت الى إعطاء الضوء الأخضر لتدخل عسكري تركي محدود النطاق في المناطق السورية الحدودية المحاذية للأراضي التركية بهدف محاربة داعش ووحدات حماية الشعب الكردي خشية عدم اجبار تركيا الى مزيد من الاندفاع باتجاه الروس والايرانيين الذين يسروا لتركيا الاندفاع داخل الاراضي السورية وآمنوا الأجواء امام سلاح الجو التركي للقيام بعمليات داخل الأجواء السورية مما قد يشكل جبهة قوية يصعب التعامل معها . وفقاً لتقديرات مركز “Stratfor ” الاستخباري فان الاكراد سينسحبون تحت الضغط التركي والتهديد الامريكي بقطع المساعدات الى غرب الفرات مما يعني ان اولوية الاهداف الكردية قد تراجعت قليلاً على قائمة الاولويات الامريكية في سوريا .

في تركيا كان الانقلاب العسكري الفاشل الأخير مناسبة لإعادة تقييم الموقف الامريكي بالنسبة للاتراك ؛ شهدت الأشهر الاخيرة التي سبقت الانقلاب حملة إعلامية شديدة ضد تركيا وقد خصت هذه الحملة الرئيس اردوغان بالجزء الأكبر منها رغم ان الاعلام الامريكي لم يوفر قبل ذلك فرصة الا وتناول توجهات تركيا منذ الوقفة المشهودة لأردوغان في وجه بيريز خلال مؤتمر دافوس الاقتصادي وما تلا ذلك من تعقيدات أدت الى تراجع شديد في العلاقات التركية الإسرائيلية . هذا الموقف في الاعلام جاء انعكاساً للانزعاج الامريكي الرسمي من الموقف التركي ازاء اسرائيل ثم الافتراق الكبير بين الموقفين التركي والأمريكي تجاه تطور الأحداث على الساحة السورية اذ اعتبر الأتراك ان تراخي الموقف الامريكي وتردده تجاه بقاء الأسد في السلطة نوعاً من التوريط الذي وجد الأتراك والخليجيون أنفسهم فيه بعد تراجع اوباما عن الخط الأحمر الكيمياوي دون تشاور مع الحلفاء والشركاء في المنطقة ، وقد زاد من ذلك القرار الامريكي بتقييد المساعدات المقدمة للثوار السوريين خاصة بعد سقوط أدلب بيد الثوار وهو موقف كانت له سوابق حين تمكن الثوار من التقرب من دمشق نفسها ؛ تكررت المواقف الامريكية التي قرأها الأتراك كنوع من الاخلال بعلاقات التحالف بين الطرفين مثل رد الفعل البارد ازاء التهديدات الروسية اثر اسقاط المقاتلة الروسية وكان الأسوأ من بين كل تلك المواقف الإعلان الذي قام به كيري خلال الساعات الاولى للمحاولة الانقلابية والذي خلا من آية ادانة لها . جاء الرد التركي سريعاً وذلك بإعادة تقييم شاملة للموقف وإعلان الاعتذار عن اسقاط الطائرة الروسية فضلاً عن الاستئناف الفوري للعلاقات المجمدة مع الروس وما تلا ذلك من تفاهمات معهم ومع الايرانيين حول اجراءات محددة في سوريا ؛ لقد جاء ذلك في سياق اثار قلقاً جدياً في واشنطن حول احتمالات خسارة دولة بوزن تركيا كحليف وعضو في حلف الأطلسي في ظروف نشاط روسي في المنطقة لابد من النظر اليه بعين جادة وخاصة بعد أنباء سابقة عن قيام الروس بنشر قاذفات روسية في قاعدة همدان الايرانية مما يعني تقدماً على المستوى الجيوستراتيجي لصالح الروس في المنطقة . صحيح ان الوجود الروسي في المنطقة لا يمكن مقارنته بحجم ونوع الوجود الامريكي فيها الا انه وجود يتقدم ويحرز أرضاً جديدة ومن غير المعقول المجازفة بخسارة حليف بوزن تركيا في هذا السياق . جاءت زيارة بايدن الاخيرة لاحتواء الموقف التركي وقد مُنحت انقرة الضوء الأخضر لمعالجة تقدم تنظيم الدولة ووحدات حماية الشعب الكردي في منطقة شرق الفرات وقد باشرت تركيا عملية عسكرية واسعة النطاق في المنطقة وببركات روسية أمريكية إيرانية ، وهذا مكسب فريد للدبلوماسية التركية التي قدمت درساً جيداًلدول المنطقة بان التحالفات هي من اجل خدمة الامن الوطني وليس العكس .

ازاء التغيرات العامة في البيئة الدولية من المرجح ان تستمر العلاقات الامريكية التركية بالتحسن اذ يبدو انه من غير المحتمل او الممكن ان تنخرط الولايات المتحدة خلال مستقبل قريب في السياسات الاقليمية بشكل واسع ومباشر اكثر مما هو عليه الوضع حالياً رغم تزايد التحديات فيها ، ولذلك فمن المنطقي ان يتم التعويض عن ذلك بتوثيق التحالفات المحلية وتحسين العلاقات مع الشركاء والحلفاء التقليديين الذين شعروا ان السياسات الامريكية الماضية وخاصة خلال عهد الرئيس اوباما قد خذلت توقعاتهم .
( مصر والخليج والسياسة الخارجية الامريكية اضافة الى التقييم الشامل للسياسة الامريكية المتوقعة خلال السنوات الأربع القادمة وما كتبه السيد جو بايدن حول الموضوع في الحلقة القادمة )

المقال السابقسْطَر
المقال التالىالعلاقات التركية الجديدة والصفعة المزدوجة لأمريكا
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد