الشباب التونسي في مرمى البطالة ……هل من حلول في الأفق ؟؟؟


 

تعد البطالة من أخطر وأكبر المشاكل التي تهدد استقرار الدول وتختلف حدتها من دولة لأخرى ومن مجتمع لاخر , فالبطالة تشكل السبب الرئيسي لمعظم الأمراض الاجتماعية وتمثل تهديدا على الاستقرار السياسي , وخاصة بالنسبة لدول العالم العربي ومنها تونس في الوقت الراهن , حيث تشهد أغلبها معوقات اجتماعية واقتصادية , أدت الى تفاقم ظاهرة البطالة .

لقد أصبحت مشكلة البطالة في تونس من القضايا الملحة والحاسمة التي لا تقبل بأي حال التأخير والتأجيل , فهي تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه حكومة الشاهد والاقتصاد التونسي , لكونها تمثل خطرا مباشرا يهدد الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي للبلاد , ويبرز الخطر في التزايد المستمر المطرد في عدد الأفراد القادرين على العمل والراغبين فيه والباحثين عنه دون جدوى , وبالخصوص في أوساط الشباب , حيث صدرت العديد من التقارير التي تحذر من التداعيات الخطيرة لهذه الظاهرة وتدق ناقوس الخطر من العواقب السلبية لها على الفرد ولاسيما الشباب , هو جيل العمل والانتاج , وجيل القوة والطاقة , وأن تعطيل تلك الطاقة الجسدية بسبب الفراغ , يؤدي الى أن ترتد تلك الطاقة لتهدمه نفسيا مسببا له مشاكل كثيرة , وتكون المحرك لحالات التظاهر والعنف والانتقام ضد الحكام وأصحاب رؤوس الأموال , باعتبارهم مسؤولين في نظرهم عن مشكلة البطالة .

ولا شك أن تونس تعاني من البطالة منذ ما يزيد على العقدين من الزمن , وكانت أحد أهم أسباب في اضرام نار الثورة قبل ست سنوات , ولا تزال هذه المشكلة عصية على الحل الى يومنا هذا ,فقد ارتفعت نسبة البطالة بصفة قياسية في حدود 15% سنة 2015 , وهي أعلى نسبة بطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا وفقا لصندوق النقد الدولي . فما هي أهم الأسباب التي تقف وراء تنامي هذه الظاهرة في تونس ؟ وما هي اثارها على الفرد والمجتمع ؟ وكيف يمكن مواجهة هذه المشكلة والحد منها حتى لا تتفاقم المشكلات المترتبة عنها ؟؟؟

من المعلوم , أن البطالة أصبحت تعد من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمع التونسي , لكونها تشكل اهدارا لعنصر العامل البشري وما يترتب من اثار اقتصادية واجتماعية وخيمة , وبيئة خصبة لنمو الجريمة والتطرف وأعمال العنف وسببا رئيسيا في انخفاض مستوى معيشة المواطن وفي تزايد الفقراء . ولعل الأرقام والدراسات والاجصاءات تؤكد على مدى تفشي هذا المرض العضال داخل مجتمعنا التونسي , الذي بات يئن تحت وطأته رغم كل المحاولات التي قامت بها الدولة قبل الثورة وبعدها , الا أنها انتهت بالفشل . فمنذ ست سنوات وتونس تعيش على وقع الاحتجاجات والتوترات, تكاد تكون يومية , في كل مرة تنتفض جهة والسبب الرئيسي هو تفاقم نسبة العاطلين عن العمل من سنة الى أخرى . وتفيد اخر الاحصائيات حسب تقرير المعهد الوطني للاحصاء , أن نسبة البطالة ارتفعت خلال الثلاثي الثاني من سنة 2016 الى 15,6% بعد ان كانت في حدود 15,4 % خلال الثلاثي الذي سبق . كما أشار أنه يوجد في تونس حاليا 629,6 ألف عاطل عن العمل في حين يبلغ مجموع السكان النشيطين 4 ملايين و47 ألف شخص , اضافة الى ذلك أن نسبة البطالة مستشرية بنحو الضعف في صفوف الاناث , اذ قاربت 40% مقابل 19% بطالة الذكور , ناهيك على وجود 236,8 ألف عاطل عن العمل من حاملي الشهادات العليا من مجموع عدد العاطلين في البلاد , مقابل 240,1 ألف حامل شهادة عليا خلال الثلاثي الأول من سنة 2016 , وتقدر نسبة البطالة بين 30,5% و31,0% . كما تتراوح نسب البطالة خلال نفس الثلاثية حسب الجهات , حيث ترتفع في جهة الجنوب وتصل الى 26,1% في جهة الجنوب الغربي لتونس و22,2% في جهة الجنوب الشرقي , بينما لا تتجاوز 8,9% في الوسط الشرقي أين المدن الساحلية والسياحية , و 10,4% في الشمال الشرقي .

ومما لا ريب فيه أن هذه الأرقام تبين حجم مظاهر البطالة , ودخول تونس في النفق المسدود لأزمة التشغيل التي باتت تؤرق الدولة وتعد أحد تحديات الحكومة الجديدة “حكومة الشاهد” . كثيرة هي البرامج المنتهجة من طرف الحكومات المتعاقبة والرامية الى ايجاد حلول جوهرية لهذه المعضلة , التي بدأت تستشري في مجتمع يعيش انتقالا ديمقراطيا , بيد أن هذه المبادرات باءت بالفشل ولم تتمكن من مواجهة الأزمات الاقتصادية , وأغرقت البلاد في دوامة الدين العام ليصل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2016 بمقدار 6,3 مليار دينار بالنسبة الى ما بلغه في نهاية الثلاثي الأول من سنة 2015 , بحيث ارتفع الى 47,4 مليار دينار وهو يضاهي نسبة 54,4% من الناتج الداخلي الخام . وهذا يعني أن أكثر من نصف ما يتوفر للبلاد من ثروات , هو عبارة عن أموال لا تسخر في سبيل التنمية وتوفير أسباب العيش الكريم للتونسي. كل ذلك أدى الى زيادة العجز بالميزانية العامة للدولة , وتراجع الانفاق على الاستثمار , وحتى خطط التحفيز التي تبنتها هذه الحكومات بعد الثورة ( مثل برنامج “فرصتي”…) , لم تؤدي الى تخفيض معدلات البطالة نظرا لأنها أنفقت في مجالات لا توفر فرص العمل .

الثابت أن حجم البطالة في تونس يعود الى العديد من الأسباب حسب الخبراء , فمنها تواصل انخفاض نسب النمو الاقتصادي جراء ما تشهده البلاد من اضطرابات أمنية واجتماعية , وأيضا بسبب تواصل الركود الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي , الشريك الاقتصادي الأول لتونس , اضافة الى اعتماد استراتيجيات نمو تقوم على القطاعات المنخفضة المهارة , التي تعتمد على اليد العاملة الرخيصة , وهي قطاعات في مجملها لا توفر فرص العمل وخاصة للشباب الحاصل على الشهادات العليا , مثل المنسوجات وصناعة الملابس , والسياحة الموجهة لذوي الدخل المتوسط والضعيف من الأوروبيين, الى جانب ذلك تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي مما أدى الى خفض الاستثمار العمومي في خلق طاقات انتاجية جديدة تستوعب العاطلين عن العمل . كما يرجع الخبراء ذلك الى القطاع الخاص في تونس , الذي ليس بامكانه خلق فرص عمل للخريجين ما لم ترفع الدولة ” القيود” والمكبلات الادارية والبيرو قراطية أمام المستثمرين سواء التونسيين أو الأجانب . فوق كل ذلك, الأزمة الليبية ساهمت بدورها في تفشي البطالة في تونس , باعتبارها تمثل أول سوق لتونس من حيث الصادرات , وقد شهدت انخفاضا فاق 50% , مما أحدث انفجارا في عدد العاطلين من الشباب في بعض المناطق الداخلية .

فلا يخفى أن البطالة لها اثار وتداعيات كاريثية على المستوى الاجتماعي والسياسي والأمني أيضا , باعتبار أنها ترتبط بانقطاع الدخل ومن ثم صعوبة الحياة نتيجة العجز في تلبية الحاجيات الانسانية الضرورية , مما يترتب عليه الجنوح الى الجرائم الاجتماعية والارهاب والعنف وانتشار مصادر الدخل غير المشروعة , التي تعتبر ذات اغراء مرتفع للضائعين من الشباب المتعطلين عن العمل على جميع المستويات , فضلا عن الاحساس بالاحباط وخيبة الأمل والنقمة على المجتمع وما ينجر عنه من سخط شعبي وتوترات ومخاطر سياسية , ناهيك ارتفاع ظاهرة الهجرة غير الشرعية والتي سميت ” بقوارب الموت ” . فكيف يمكن مواجهة مشكلة البطالة في تونس ؟ وهل من حلول في الأفق مع اتساع هوة الاختلالات الهيكلية لاقتصاد البلاد والاصلاحات التي تفرضها مجموعة البنك العالمي ؟؟؟
باعتبار كون البطالة وانتشارها في البلاد , تعد بمثابة قنابل موقوتة تهدد الاستقرار , فان المطلوب على الحكومة الجديدة ” حكومة الشاهد” وضع استراتيجية شاملة الأبعاد , ولا نكتفي ببعض الاليات, رغم أهميتها , لا تعدو أن تكون مسكنات وقتية , لابد وفق الخبراء من وضع استراتيجية وطنية للتشغيل , حيث تقدم حلولا جذرية ومعمقة لاستئصال جذور البطالة وتجعل من التشغيل الهدف المشترك والأسمى في الخيارات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية وغيرها . كما أن المقاومة الحقيقية للبطالة تكون بدفع الاستثمارات في رأس المال البشري في جميع القطاعات الاقتصادية لخلق مؤسسات قادرة على امتصاص المعطلين عن العمل . اضافة الى الاعتماد على القطاع الفلاحي وتطوير مساهمته في الناتج المحلي , والعمل على تقريب الجهات التونسية ببعضها البعض وذلك بربط المدن والولايات الأكثر تهميشا بشبكة طرقات مع تحسين بنية السكك الحديدية واعادة تشغيلها , مثل خط القصرين – تونس , وكذلك تطوير البنية التحتية للمناطق المهمشة والمحرومة وزرع ثقافة الابتكار والاعتماد على الذات لدى الشباب , وتشجيع على المشروعات الصغيرة الصناعية والزراعية والخدمية ودعمها من قبل الدولة لتشجيع الشباب على الاقبال على هذه المجالات الجديدة , مع احداث تغيرات أساسية في مناهج التربية والتعليم العالي لخلق حالة من التوافق بين اعداد الخرجين ومتطلبات سوق الشغل والعمل على تطوير التعليم التقني . وبما أن البطالة مرتبطة أساسا بسياسة الدولة , فلا بد من تطبيق القانون المبني على الشفافية والمراقبة والمحاسبة مع ايجاد تسوية مع رجال الأعمال الفاسدين ضمن المصالحة الاقتصادية وذلك ببعث مشاريع استثمارية في الجهات الأكثر فقرا مع فرض عليهم ان لزم الأمر نسبة معينة من تشغيل المعطلين عن العمل وتوفير فرص عمل لهم .

لا أمل في علاج هذه المشكلة الا بالتنمية المستمرة , وصياغة هذه التنمية وتحديد مراحلها , وحشد الموارد اللازمة لتحقيقها تعتبر مهمة تقع بالدرجة الأولى على عاتق أبناء هذا الوطن , ولا بمنطق المؤسسات المالية الدولية ومانحي القروض , فمن الوهم أن نعتبر أن هذه المؤسسات تساعدنا على تنمية بلادنا وعلاج مشكلاته الاقتصادية , فتلك المهمة أبعد ما تكون عن أهداف المؤسسات ومراميها الحقيقية , بل هي تحمي حقوق الدائنين فحسب !!! فهل تلتفت حكومة الشاهد لمختلف التقارير والدراسات التي أكدت على استعجالية مراجعة السياسات العمومية في مجال التشغيل , بما يفتح باب الأمل لفئات عريضة من الشباب ويعزز ثقتهم في المستقبل ويحقق في الأفق المنظور السلم الاجتماعي ببلادنا ؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد