موازنة العام المقبل … وقبله!


 
موازنة العام المقبل ... وقبله!

في سبعينيات القرن الماضي، جاء شاب قروي من اقاربنا الى بغداد لكي يعمل، وقد تأتى له ان يجد فرصة بين عمال البناء وسرعان ما صار عاملا ماهرا (خلفة) او (اسطة) كما يسميه اخواننا المصريون. وعندما ذهب الى اهله في القرية بزيارة، تصادف وجود حفل زفاف لأحد الشباب، وجاء اهل العريس بالغجر (الكاولية) ليحيوا الحفل الذي تتخلله كما هو معروف، فقرة تعليق النقود على فستان الغجرية، اثناء وصلتها الراقصة، وهي مناسبة يتبارى بها البعض للتباهي امام الآخرين، ولمغازلة الغجرية امام الناس، لما لهذا من نشوة، لا سيما عند الشباب!. وبما ان صاحبنا عاد ومعه الكثير من الدنانير، لذا ملأ فستان الغجرية بدنانيره التي جلبها من عمله، فكان محط اعجاب وحسد الشباب والكبار معا، وصار اسمه في تلك الليلة يتردد بين اهل القرية ويطرق اسماع الفتيات ايضا، وربما كان هذا هو الهدف الاهم من (مبارزته) تلك. في اليوم التالي، نقل الشاب الى المستشفى، لاصابته بمرض جعله طريح الفراش، ولم يشف منه الا بعد ان انفق ما بقي عنده من دنانير، لكن هذه المرة على الاطباء وليس على الغجريات، وقد قال اهله ومعارفه، إن اعين الحساد اصابته، لأنه كان مثار اعجاب اهل القرية كلهم، إذ لا يوجد بينهم من يملك كل هذه الدنانير!.

شخصيا تعاطفت مع هذا الشاب، لأنه ضحية واقع مريض، نقل اليه العدوى وليس له ذنب في ما قام به، بل انه يجب ان يشكر من قبل اهله واقاربه كون فعله هذا جعل رؤوسهم في تلك الليلة تطاول السماء! او هكذا كانت مشاعرهم وهم يرون ابنهم (الفلتة)، يحرج كل شباب القرية ويجعلهم فاغري الافواه، ينظرون اليه وهو يصف الدنانير على فستان الغجرية، فيما هم لا يملكون ما يجعلهم يبدون مثله ويحظون بشهرته التي ملأت القرية كلها، وارجفت قلوب العذارى!.

نعيش اليوم واقعا اقتصاديا صعبا، بكل ما في الكلمة من معنى، فبعد ثلاثة عشر عاما دخلت خلالها خزينتنا مئات المليارات من الدولارات التي لم يجتهد ساستنا في الحصول عليها، بل دخلت البلاد عن طريق النفط الذي شقت له الشركات الاجنبية الانابيب ليرسل الى الخارج مقابل ان تعود الينا انابيب اخرى بالمليارات من دون عناء.. وحين اراد الكبار ان يقطعوا الطريق امام النفط، قطعوها وجعلونا نخلط الشعير بالتراب طيلة سني الحصار العصيبة. وكان هذا درسا يجب ان نتعلم منه الكثير، فهل تعلمنا؟!

اغلب المسؤولين العراقيين، ممن هبطت عليهم المناصب والاموال بعد العام 2003 يشبهون في سلوكهم حكاية الشاب القروي الذي بدأنا بحكايته هذه السطور، مع الفارق طبعا، كونه كسب المال بعرق جبينه وبذّره تحت ضغط الجهل الموروث في واقعه المريض الذي يحتفي بمثل هذه الترهات ويعظّم اصحابها.. فالغريب حقا، هو ان ساسة العالم ومسؤوليه، يختلقون الفرص من اجل دعم اقتصادات بلدانهم، اذ ان نجاح المسؤول يقاس بمقدار قدرته على تعظيم موارد بلاده، والمسؤول الذي يقف على رأس مؤسسة استهلاكية، يعمل كل ما بوسعه من اجل ان يضغط النفقات بما يجعل عبء مؤسسته خفيفا على موازنة الدولة، الا المسؤول العراقي، فهو خلاف العالم، فمصادر التمويل على كثرتها معطلة، واجتهاد المسؤولين في تفعيلها شبه مختفي، ناهيك عن الفساد المتمثل بهدر التخصيصات السنوية. اما النفط الذي كان يدر على العراق المليارات، اختفت عوائده، حتى قيل ان الاموال التي دخلت العراق من عوائد نفطه منذ العام 2003 الى اليوم بلغت الالف مليار وهو رقم يكفي لبناء دولة كاملة في الصحراء، لكن الذي حصل هو ان العراق المبني صار يتدمر ويتصحّر على مختلف الاصعدة، والسبب هو النهب المنظم للاموال، وغياب التخطيط او التحسب للمستقبل الذي انكشفنا امامه حين ادخلت علينا «داعش» بخطة جهنمية رافقها اسقاط اسعار النفط، لنجد انفسنا بلا رصيد مالي يسعف دولتنا المحاربة. وفي خضم حمى الصراع بين الساسة اختفت حقيقة محاربة الفساد، وصار هذا مجرد عنوان لحرب بين الساسة انفسهم، ليس من اجل اصلاح الحال، بل لتكالبهم على سرقة المال العام ورميهم التهم ضد بعضهم البعض!.
اليوم، كثيرا ما تطل امامي صورة ذلك الشاب القروي، لأني اراه باستمرار في وجوه بعض ساستنا الذين اخذتهم سكرة المال الوفير، حين امتلأت به جيوبهم وخزائنهم، وراحوا يبذرونه او يسرقونه، ونسوا القادم من الايام، وربما اصابتهم عين الحاسد كما اصابت الشاب وهو يعلق الدنانير على فستان الغجرية، وباتوا اليوم يتخبطون في ادارة بلد لم يحفظوا امواله، ففرطوا بمستقبله الاقتصادي، بعد ان كان يتوقع انه سيكون البلد الاسرع نموا في العالم.

لا تعليقات

اترك رد