نخاف من غصن تهزه الريح، ومن قطرة المطر !


 
نخاف من غصن تهزه الريح، ومن قطرة المطر !

نخاف من كلام الناس، ونحسب لكلامهم ألف حساب، ونفعل ما يرضي قناعاتهم وإن كانت تلك القناعة لا تناسبنا ولا تليق بمستوى عقولنا. طالما أن الناس لا ينفقون علينا فلساً، ولا يتكفلون بشراء ثيابنا، ولا يدفعون قيمة الأثاث لبيوتنا، إذن، لماذا هم يتدخلون بأذواقنا؟
أحياناً شدة الأدب والتهذيب الزائد مع بعض الناس، يعطي نتيجة سلبية؛ إذ أنه يساعد قاصر الأدب على نمو بذرة الغرور، والتمادي والسفاهة في التعامل. إن استخدامنا للغة واحدة وأسلوب واحد مع الجميع، يشكّل خللاً في الاتصالات؛ لأن فهم اللغة يختلف من عقل لآخر ومن شريحة لأخرى. فلو أننا رفعنا من مستواها مع فئة لا تفقه هذا النوع من التعامل سوف يُساء فهمنا بدل من أن نبادل بالاحترام الذي نترجاه. فالخوف من هؤلاء الشريحة هو الذي يساعد على امتداد السلوك الخاطئ وانتشاره.

الخوف الأعمى من العقاب الإلهي، كذلك هو ينمّي هاجس الخوف في داخلنا. كمن يخاف من عقوق الوالدين، ويفعل كل ما يرضي والديه؛ حتى وإن كانوا على ضلال وخطأ. أغلبنا متزوج ولديه أم، فلو كانت الأم قاسية وتتهكم على زوجة الابن دون وجه حق. فهل سكوته عن ظلمها للزوجة هو برٌ للوالدين؟ وهل حين يدافع عن حق زوجته ويناصرها هو عقوق للوالدين؟ قبل أن نبر ونعق علينا أن نفهم معنى البر ومعنى العقوق بالشكل القويم لا أن نكون تحت تأثير الخوف من العقوبة الإلهية في الوالدين دون أن نميز ما بين الحق والباطل الأم والأب هما بشر مثلنا وليسا ملائكة ووجوب طاعتهم لا يبيح لنا أن نظلم الآخرين من اجلهما. السماء لا تستقبل دعاء به ظلم ولا تستجيب لكل أم رفعت يدها إلى السماء تدعوا، مالم تكن هي الأم التي أوصى الله ببرها.

قليلون هم الأشخاص الذين استطاعوا التمرد على الموروث الفكري الخاطئ، وانفردوا بقناعاتهم الخاصة وصار لهم كياناً مستقلاً ونظاماً يتوافق معهم أكثر مما يتوافق مع كل من هم حولهم. طالما أنهم لا يرتكبون خطايا وآثام ولا يتجاوزن الأخلاق العامة هم أحرار باختيار أشكالهم وأذواقهم وسلوكهم وما يتبنونه من أفكار ومعتقدات وجدوا الراحة والأمان معها. تحرروا من نظرة الناس ومن كلام الناس وماذا يقولون الناس عنهم همزاً ولمزاً. لم يعد الخوف سيد قلوبهم ولا الأرق يسيطر على عقولهم، فبدل من أن ينشغلوا بما يقول الناس عنهم وكيف ينظرون إليهم أنشغلوا بأنفسهم؛ فلا يراقبون الناس ولا يموتون همّاً ولا يكترثون بمراقبة الناس لهم وإن مات الناس في مراقبتهم همّاً.

الخوف من الرئيس المباشر، والخشية من أن يكيد لنا الكيد العظيم، نجامله إلى درجة الرياء بدافع الخوف على الرزق والوظيفة. هذا النوع من الخوف هو الذي جعل الفساد يتفشى في أجهزة الدولة وفي جميع المرافق والشركات. خوفنا جعل من كل فاسدٍ فرعون، إلى أن اختلت المعايير الحقيقية للتعامل الإنساني السليم؛ ولكي نخفف من وقع المعاني على ضمائرنا اخترنا لها مسميات ذات ايقاع مخملي فسمينا الرياء كياسة، والنفاق لباقة؛ إلى أن أصبحت تلك المسميات الجديدة هي الأخلاق والتي من خلالها يتم تقييم نسبة الذكاء لدى البشر.

في المقابلات الشخصية للوظائف، أصبحت هناك دورات يديرها المتخصصون في تنمية الموارد البشرية، من خلالها تُعطى مناهج للمتدربين على تقوية مهارة الكذب والرياء، وتزوير شهادة الخبرة ( ( C.V وتجميل السيرة الذاتية، من أجل حصولهم على وظيفة بطرق ملتوية ” فلو سألك من يجري لك المقابلة عن خبراتك أذكر له العديد من الخبرات والمهارات” حتى وإن كان المتقدم للوظيفة لا يعرف شيء من تلك المهارات. وبهذا هم يعدّون جيلاً فارغاً منذ البدء بذريعة الذكاء الاجتماعي والحصول على وظيفة مرموقة بأسهل الطرق وعلى حساب أهل الخبرات الحقيقية والشخصيات الصادقة التي لا تعرف الكذب والإدعاء؛يقتلون العفوية والصدق. هم ينتهون من خوفهم من البطالة لكنهم يعيشون الخوف من أن يُفضح أمرهم فلا مفر من الخوف أبداً.
خوفنا من كل شيء وعلى كل شيء، هو من جعل الطغاة يتحكّمون بعقولنا من خلال هواجسنا. خوفنا من الجوع أوصلنا إلى الجوع فما تخاف منه وهماً يحدث لك فعلاً. خوفنا وحرصنا الشديد على مستقبلنا جعلنا ننسى ونهمل حاضرنا. خوفنا على مصير أولادنا من بعد موتنا جعلنا نموت قبل أن يأتي موعد موتنا. من خوفنا المبهم من كل شيء؛ أصبحنا نحاف من غصن تهزه الريح، ومن قطرة المطر …!

لا تعليقات

اترك رد