القوة العظمى … مرةً والى الأبد !!


 

The Once and Future Superpower : Why China Won’t Overtake the US
By : Stephen G. brooks and William C. Wohlforth
Foreign Affairs Magazine – May/June 2016

تتكرر منذ وقت ليس بالقصير ، وربما منذ بداية مرحلة مابعد الحرب الباردة ، مقولة مفادها ان العالم يتجه نحو قطبية متعددة الأطراف . هذا المفهوم الغامض قلما لقي اهتماماً لإيضاح معناه على اي مستوى بل صار يطلق هنا وهناك في سرديات غريبة لم تعكس سوى قلة المعلومات ، وهي في اغلب الأحوال تترافق مع حالة من التفكير بالتمني وهو العلة التي قادتنا الى مانحن فيه . على المستوى الشخصي ، نحن جميعاً نكره السياسات الامريكية وندعو الى مقاومتها ولكن علينا ان نفهم على وجه صحيح من هو الخصم الذي نواجهه وما هي حقيقة قدراته وقدرات منافسيه لكي نقوم بعدها بتقدير سليم للموقف .
لقد انتهت الحرب الباردة بانهيار معادلة دولية ، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ، كرستها لبعض الوقت قدرات اقتصادية وتقنية كانت حتى اوائل السبعينات من القرن الماضي متقاربة من حيث قدرتها على ترجمة نفسها الى قوى متكافئة الى حد معين في ميدان التنافس الدولي على النفوذ ؛ لكن هذا الموقف لم يستمر بعد ذلك طويلاً وتحديداً بسبب تخلف احد الطرفين في ميدانين أساسيين :
الاول ، تمثل في تراجع قدرة الاتحاد السوفيتي على تعويض تخلفه ” النوعي ” نسبياً في مجال التكنولوجيا العسكرية عن الخصم الامريكي باللجوء الى التعويض ” الكمي ” . على سبيل المثال وضع الاتحاد السوفيتي في ترسانته العسكرية عدة دبابات مقابل كل دبابة أمريكية او غربية . تتفوق الدبابة الامريكية مثلا بمدى مدفعيتها ودقتها( كانت واضحة خلال الحروب العربية الإسرائيلية ) ولتعويض الفرق النوعي وضع السوفيت عدة دبابات مقابلها مما قد يلغي الفارق النوعي وهو تكتيك قديم من خبرات الحرب العالمية الثانية حين كانت دبابات النمر الألمانية تتفوق بنوعيتها فكان الحلفاء يواجهونها بالكمية . هذا الامر لم يعد متاحاً دون كلفةٍ باهظة ناء بها الاقتصاد السوفيتي وعجز عن الاستمرار في تأمينها بسبب ميل المواد والخامات الأولية اللازمة للصناعة العسكرية الواسعة النطاق الى الندرة وارتفاع الكلفة ؛ هذا ليس تقديري بل هو ما كتبه السيد غورباتشييف في كتابه البيروسترويكا .
الثاني ، ان الثروة الاقتصادية ان توفرت فهي لم تعد قادرةً على ترجمة نفسها الى تفوق عسكري بسبب ظهور تكنولوجيا المعلومات وأصبح الفارق النوعي لايعني فارقاً زمنياً يمكن احتسابه بالعدد كالعقود او القرون وإنما اصبح فارقاً في العصور . تقنيات ماقبل ثورة الحواسيب والمعلومات ليست من جنس تقنيات العصر الجديد ، وتقنيات عصر الحواسيب نفسها صارت تصنف الى اجيال . هذا الفرق صار تماماً مثل الفرق بين عصر البارود وعصر السيف والرمح .
في مثل هذا الإطار صار الحديث يلقى على عواهنه في إطلاق عبارة مثل ” التعددية القطبية ” في إشارة الى الصين دون تكليف النفس عناء التدقيق الواضح فيما تعنيه عبارة ” الدولة التي تشكل قطباً دولياً ” ؛ ان امتلاء أسواق العالم بالألبسة الصينية الرخيصة او عبوات النودلز وحتى باجهزة التلفاز او الحواسيب المجمعة لايعني انها تحولت الى قطب دولي ذو سطوة عالمية ؛ هنالك فارق كبير بين ان تكون الدولة قوة كبرى تتمتع بالثراء قادرة على فرض هيمنة في إقليمها المباشر وبين ان تكون قطباً تدور حوله دول اخرى كالاقمار وقادرة على فرض سطوتها والتدخل في اي زاوية على الكرة الارضيّة لحسم نزاع او تاجيج اخر مع مايستلزمه ذلك من بنى تحتية مادية وسياسية وعسكرية وقانونية .
هنالك معلومات ومعطيات متاحة على مواقع الإنترنيت تساعد في فهم هذا الامر ، وفي هذا الاتجاه اعرض تلخيصاً لدراسة مهمة قدمها أستاذان في العلوم السياسية من كادر جامعة ” دارموث كوليج ” الامريكية العريقة وهو فصل من كتاب يزمعان إصداره عن الولايات المتحدة ومركزها الدولي في القرن الحادي والعشرين ، ولذا تعتبر الدراسة من صنف دراسات المستقبل ؛ أودّ قبل البدء بعرض مضمون الدراسة الى التنويه بان عرضها لايعني تبنيها بالكامل ولكن من يود معارضة نتائجها ان يقدم معطيات واضحة وان يتم الابتعاد عن الخطابات الحماسية التي لم نجن من ورائها غير الفشل تلو الفشل .
تبدأ الدراسة من سؤال بذات المعنى الذي أوردته آنفاً وهو : هل ان العصر الذي شكلت فيه الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة قد انتهى ؟! ويبدا الباحثان بالاقرار ان الصين في طريقها لان تصبح القوة الاقتصادية الاولى في العالم . لقد استخدمت الصين ثرائها في ردع الأعداء وكسب الأصدقاء وتحديث آلتها العسكرية فضلاً عن مساعي حثيثة لتوسيع سيادتها الاقليمية ؛ هذا يعني بالنسبة للبعض ان تحول الصين الى قوة عظمى هو قضية وقت فقط !!
يلاحظ الباحثان ان التراجع النسبي للقوة الاقتصادية الامريكية لم يؤد الى تغيير هيكلي في خارطة النفوذ الدولي .
الامر الأهم في تقدير الباحثين هو الفارق التكنولوجي الجوهري بين البلدين ؛ لازالت نصف الصادرات الصينية من المنتجات ذات التقنية العالية هي “صناعات تجميعية” وان الأغلبية الساحقة من الشركات المنتجة لهذه الصادرات تدار من قبل شركات اجنبية تعود ملكيتها لبلدان اكثر تقدماً ؛ تكسب الولايات المتحدة ١٢٨ مليار دولار سنوياً حصيلة تصديرها لحقوق ملكيات فكرية وهي تعادل اربعة أمثال ماتكسبه اليابان الثانية عالمياً في هذا المجال بينما تبلغ عائدات الصين مليار دولار فقط . ان احد اهم مؤشرات الفارق التكنولوجي هو مايسمى حقوق الملكية ثلاثية القيد ( المسجلة في اوروپا وأمريكا واليابان ) التي بلغت أربعة عشر الفاً للولايات المتحدة مقابل ألفين فقط للصين في عام ٢٠١٢ . لقد تسلم العلماء الامريكيون ١١٤ جائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب منذ عام ١٩٩٠ مقابل اثنتين فقط للصين .
اذا عدنا الى موضوع الحجم الحقيقي للاقتصاد فان ذات القصة تتكرر مع الأخذ بالاعتبار ان المعيار الحديث المعتمد لقياس ذلك لم تعد تعتمد على اجمالي الناتج الوطني التقليدي بل الى مايسمى قياس الثروة الشامل الذي تعتمده الامم المتحدة حالياً والذي يتكون من ثلاثة عناصر تمثل قيمة الأصول الاقتصادية لاي بلد وهي :
١- راس المال الصناعي المؤلف من الطرق والمباني والآلات والعدد .
٢- راس المال البشري والذي يشمل المهارات والتعليم والصحة .
٣- راس المال الطبيعي مثل الموارد الطبيعية في باطن الارض والمنظومات البيئية الحيوية والجو .
بموجب هذا المقياس قدرت أصول الولايات المتحدة بحوالي ١٤٤ تريليون دولار مقابل ٣٢ ترليون للصين وهذا يعني ان تحت تصرف صانع القرار الامريكي عمقاً من الأصول يساوي اربعة ونصف أمثال مالدى نظيره الصيني وذلك عندما يتعلق الامر بالمنافسة على النفوذ بالمعنى الجيوبولتيكي .
هذا الفارق في حجم الثروة الحقيقية يمكن ان يتحول ، وفقاً للباحثين ، الى أسطورة عسكرية مع التفوق التكنولوجي النوعي في الحالة الامريكية بينما ليس الحال كذلك بالنسبة للصين بسبب تخلفها النسبي من الناحية التكنولوجية .
عدا الفوارق التكنولوجية والاقتصادية فان هنالك فارقاً في نطاق السطوة العالمية . الولايات المتحدة تمتلك الأدوات والبنى التحتية (حاملات الطائرات – شبكة القواعد العسكرية – التسهيلات اللوجستية – التحالفات والاتفاقيات الأمنية …الخ ) * لفرض تفوقها في البحار والأجواء والفضاء في المناطق التي تسمى المناطق المشاعة (commons) او الدولية مثل أعالي البحار على امتداد الكرة الارضيّة ، بينما الصين ماتزال قوة ذات طبيعة اقليمية وقد يلزمها عقود من الزمن لكي تحقق مثل هذه السطوة في واحد من الأقاليم العالمية ناهيك عن جميعها .
تُطرح أيضاً قضية تتعلق بكفاءة إدارة الموارد المخصصة للبحث والتطوير في مجال التقنيات العسكرية ؛هنالك خبرات عقود من الزمن في الولايات المتحدة وقد بلغ إنفاقها السنوي في هذا المجال ٧٩ مليار دولار سنوياً بما يعادل ثلاثة عشر ضعفاً عما تنفقه الصين مع فارق الكفاءة في إدارة هذا الاستثمار . ان الخبرات المتراكمة في ميادين الادارة لتطوير وتوظيف القدرات العسكرية هي نوع من الرصيد الذي تتناقله اجيال العاملين وهو رصيد غير قابل حتى للسرقة من خلال التجسس مثلاً ، ناهيك عن الخبرة لإدارة العليات العسكرية المعقدة والتي تتطلب استخدام انواع معقدة من أنظمة التسلّح مثل مجاميع قتال حاملات الطائرات وغيرها .
ان الصناعات العسكرية الصينية مازالت في طورها ” الطفولي ” بشكل عام . فيما عدا الصواريخ البالستية مازال هذا القطاع يفتقر للتطور العلمي ويلجأ أحياناً الى استخدام بدائل روسية وان هنالك قطاعات مثل أنظمة الحرب تحت سطح المياه لاتحظى بالاهتمام المطلوب ؛ الان فقط توصلت الصين الى انتاج غواصات نووية مما كانت تنتجه الولايات المتحدة خلال خمسينات القرن الماضي بينما تنتج الولايات المتحدة حالياً الغواصات ذات الصمت التام من طراز فرجينيا ولكن بعد ستة عقود من البحث والتطوير انفقت خلالها مئات المليارات من الدولارات .
هنالك عامل اخر يعمل كعائق في وجه الصين كعائق يحول دون تحولها الى قوة عالمية عظمى وهو عدم وجود التحدي المحفز . لقد طورت الولايات المتحدة قدراتها العسكرية الكونية وهي تحت هاجس الفزع جراء التهديد الوجودي الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي وهو تهديد لا تواجه الصين مثيلاً له ولعل هذاهو السبب الذي يبقي روسيا القوة العسكرية الثانية عالمياً لانها بنيت تحت ذات التهديد .
من الناحية الستراتيجية فان شبكة التحالفات التي يمتلكها الطرفان تختلف من حيث النوعية . ان قائمة حلفاء الولايات المتحدة تتضمن البلدان الأكثر تقدماً في العالم وقد ساهموا في تقليل الاعباء المترتبة عن المحافظة على وضعها كقوة عظمى ، فبقي انفاقها العسكري بحدود ٣٪‏ من ناتجها القومي كما قدموا لها ماتحتاجه من القواعد والتسهيلات العسكرية مما جعلها قادرة على البقاء قوة عالمية عظمى باقل التكاليف ، وأسهموا بشكل فعال في تطوير منظوماتها التسليحية بينما لاتمتلك الصين من الحلفاء العسكريين غير كوريا الشمالية التي تمثل عبئاً اكثر من كونها منفعة .
ان مستقبل النظام الدولي يعتمد الى حد كبير على قدرة الولايات المتحدة في ابقاء انغماسها الدولي العميق بذات الكلفة المتدنية التي هو عليها الان . هذا الوضع يمنحها مزية من يحافظ على وضع قائم مقابل من يسعى لتغييره مثل الصين لانها في موقف مناسب لإدامة قدراتها العسكرية وتحالفاتها والتزاماتها التي تضمن آمن مناطق حساسة في العالم وتسند الوضع الاقتصادي الدولي فضلاً عن رعايتها للتعاون بشان المشاكل الدولية . ان عالماً تنسحب منه الولايات المتحدة كعامل كبح سيكون مليئا بمشاكل لايقوى احد على التعامل معها مثل انتشار الأسلحة النووية وسباق التسلّح بين القوى الكبرى وانتشار الصراعات بين التكتلات العسكرية والاقتصادية .
ان بقاء الولايات المتحدة في العالم ” قوة كبح ” بفضل تفوقها العسكري رغم تراجعها الاقتصادي مشروط باربعة امور :
١- تجنب إغراءات القوة والتّنمُّر في الساحة الدولية وان ترسخ الولايات المتحدة تعاملاً دولياً على أساس الفوائد المشتركة وعدم استثمار تفوقها الحالي لتحقيق مكاسب انفرادية ، وان تسعى لتعزيز منظومات العمل الجماعية الدولية وبعكسه ستفقد شرعيتها في القيادة وشرعية النظام الدولي القائم .
٢- ستسعى الصين لاحلال تغييرات في النظام الدولي من خلال قدراتها الاقتصادية التي ستظل اكبر من قدراتها العسكرية وعلى الولايات المتحدة احتواء هذه المحاولات من خلال ادخال الصين في إطار النظام القائم بدلاً من استفزازها ودفعها باتجاه عكسي . كما ينبغي التجاوب وبإيجابية مع مبادرتها لإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية الذي حظي بقبول اسيوي واسع والمضي قدماً في المبادرة الامريكية للشراكة عبر الپاسفيك .
٣- تجنب الانجرار وراء إغراءات التدخلات في القضايا التي لاتشكل تهديداً واضحاً للامن القومي الامريكي وابقاء التركيز على القضايا التي تضمن الاستقرار في المناطق الحساسة من العالم والمحافظة على استقرار الاقتصاد العالمي .
٤- تجنب المواجهة العسكرية قدر الإمكان ؛ ينبغي التعامل مع محاولات الصين توسيع نطاق هيمنتها في الأطراف المحيطة بها وفرض مناطق محرمة من خلال تأمين سلامة حلفاء امريكا في المتطقة وتطوير منظومات اقليمية للتعاون الاقتصادي تجعل هذا التحدي تحت السيطرة ؛ بالإمكان فرض مناطق محرمة مثيلة حول الحلفاء لتأمينهم بدلاً من التلويح بالحرب وذلك من خلال استخدام وسائل عسكرية دفاعية محضة لحماية نطاق الجزر المواجه للصين ، كما ينبغي تجنب الانجرار الى الصراع بسبب بعض الإجراءات التي لاتؤدي الى تغيير جوهري في التوازن العسكري ؛ في هذا الإطار قامت الصين بنشر منظومات تسليحية في جزر صناعية جنوب بحر الصين ، لكنها تبقى منشات معزولة ومكشوفة . ينبغي زيادة القوات العسكرية في الفلپين ونشر قاذفات بعيدة المدى في استراليا وهي امور يجري العمل عليها حالياً .
يخلص الباحثان الى ان الصين لاتمثل تهديداً منظوراً لهيمنة الولايات المتحدة في الساحة الدولية وان التهديد الحقيقي ينبع من الداخل . ان الاندفاع او الانكفاء في الساحة الدولية ليسا خيارين حتميين .

مابين القوسين توضيح مضاف من عندنا

المقال السابقالشباب بين النار والنور
المقال التالىولدي الشهيد..وميض الوزان
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد