التجريب المسرحي المصطلح والتأسيس وآفاق الرؤية

 

ما زال الابهام والالتباس يكتنف مصطلح التجريب.. وما زال التجريب المسرحي قائماً ومستمراً في مشهد المسرح العراقي.. والسؤال، ما حدود المصطلح، وما هي أسس الانطلاق في عوالمه؟.. بل، ما هي علاقة التجريب بالحداثة والمنهجيات الحديثة؟.. هل التجريب، تقليعة أم موجة عابرة، ام ضرورة معرفية؟

حقاً، ان الوسط المسرحي في العراق، ما زال يقف من (التجريب) مفهوماً ومصطلحاً وتوجهاً، مواقف متباينة تصل حد التناقض، وكل مبدع له اجتهاده ورؤياه حول المسرح التجريبي الذي بدأ يأخذ حيزاً واسعاً في المشهد المسرحي العراقي. وكل هذه المواقف بحاجة إلى اضاءة أو استشراف أو تعريف.

كيف نفهم التجريب؟.. وما هي دلالاته؟.. وآفاقه في المشهد المسرحي العراقي..؟
ـ كلمة التجريب، تطلق عادة على الفعل الحادث في مختبر، لإثبات شيء ما خلال التجربة اما في المسرح، فهو عمل إبداعي ينتج إضافة نوعية تنطوي على الجدية لتحقيق اهداف آنية كما في العرض المسرحي.. ويمكن اعتبار العرض المسرحي المرتبط بالمنهج التجريبي عرضاً لنتائج التجربة أو مختبراً للقيام بها.

ومن مبادئه إنه ابداع.. والإبداع هو أهم ما يميز الفنان الحقيقي عن المشتغل في الفن، ولا نجاز هذا الابداع لابد من توفر شروط اساسية في شخصية التجريبي المبدع في المقدمة منها:
(الموهبة) والتي تعني امكانية وضع الفكرة في شكل ملموس وهو أمر لا يتحقق إلا بالخبرة والتوفر الدائم لمحفزات تنطوي عليها ذات المبدع، وثانيهما (الخيال اللا محدود)، في العثور دائماً على بدائل واحتمالات لتحقيق النتائج والشرط الثالث هو (الخبرة) المعبر عنها بالتراكم المعرفي المتأتي من مصادر عديدة كالقراءة والتفاعل مع الحياة والتعامل المتواصل والطويل المدى مع اختصاصه الغني، اما الشرط الرابع فهو (قدرة الذاكرة) أو الذهن على تنظيم الافكار في خلق الجديد بحيث يتمخض هذا التجريب على إضافة.. سواء كانت هذه الاضافة ابتكاراً أو اكتشافاً ولعل الصفة المميزة للنتاج التجريبي (عرضاً، واسلوباً) تكمن في عدم التزامه بقانون أو قاعدة أو طريقة، سبق وان استخدمت من قبل مسرحيين سابقين.. اذ ان اصالة التجربة إلا تكون تقليداً، أو مستنسخاً، ليس كعرف أو قانون أو تقليد مسرحي فقط وانما حتى لنتاج تجريبي آخر! لذا فأن للتجريب اسس علمية، وهو ليس ضبط عشوائي لكي يأتي كل من هب ودب لتبرير عجزه عن الابداع ومتذرعا بالتجريب لتحقيق غايات لا مشروعة.
مشاكسة المتلقي في انتاج المعنى

ـ ما زال الكثير من المصطلحات والتصورات المعرفية بحاجة إلى استكشاف ومعاينة نقدية وتنويرية، وفي مقدمة هذه المصطلحات مصطلح التجريب.. وستعتصر زاوية النظر اليه في اطار التجربة المسرحية.. في المسرح وبعد الانعطافات والمغايرات على مستوى الوقائع التاريخية (حروب/ سقوط ايدليوجيات/ما بعد الحداثة/العولمة) بدأت الرؤى الابداعية تطلق عنان مخيلتها ومجساتها لالتقاط عوالم جديدة والانفتاح على نقط تبئير جديدة تتساوق مع الاختلاف وايقاع العصر وخلو الاشكاليات الجديدة. من هذا الاستهلال نريد توكيد حقيقة ان التجريب بوصفه تياراً ومنهجاً ورؤية جديدة ومغايرة للعالم جاء نتيجة حتمية ابداعية وليس بفعل حتمية مؤدلجة، أي ان المبدع ضاق بالاطر التقليدية والرؤى السلفية في عالم صاخب ومكتظ وملتبس على مستوى الحقيقة ونسبية المعرفة وانشطار وجهات النظر، فكان لابد من هدم البديهيات القديمة والبنى المحنطة للتحليق في عالم متمرد وازاحة القواعد الكلاسيكية ومغادرة نظرية التطهير الارسطية والستانسلافيكية ومسرح القسوة، ونبذ مسرح البوستر السياسي والواقعية الفوتوغرافية، والمباشرة نحو عالم يرتكز على تحسس والتقاط ما هو جمالي مطلق، بعيداً عن مفهوم المطلقية الغيبية، فالتجريب جاء بوصفه ضرورة، وليس مجرد ترف واذا كان التجريب لمجرد المغايرة ذاتها فانه يسقط في الشكلانية أو التجريب لذاته، ولا يعدو ان يكون مجرد لعبة وهم لا تنتج سوى عدمية المعنى والعبث وتشويه الارث.

هناك قاعدة أو قانون علمي في علم الدلالة (السيمانتيك) مفاده: انك اذا اردت ان تزيح نظاماً معيناً يجب ان تضع نظاماً جديداً لضرورة ملجئة، وان تكون الدلالة موازية في عمقها ودلالالتها ومعاكسة في قوة تضادها: وفي نظرة سريعة إلى تاريخ المسرح نجد ان كل المذاهب الثورية المتقدمة في المسرح من النيو كلاسيكية والتعبيرية والبريختية ومسرح العبث واللامعقول قد بدأت وهي تتقمص روح المغايرة والتجريب.. هذا ما فعله ستانسلافسكي ومايرهولد وشاينا وبريخت وبيتربروك وبيتر فايس ولم يقتصر التجريب في ايجاد وابتكار عوالم الصورة والسينوغرافية وكسر افق التوقع، بل امتد الامر إلى المدونات النصية بوصفها المكون الاولي للعملية الدرامية، بل ان بعض تيارات التجريب في المسرح بدأت تتحاشى أو تتجاوز مسرح الكلمة باتجاه فضاء الصورة، باعتبار المسرح معرفة أو كيان في عدة منظومات وخطوط سمعبصرية ولم يعد الحوار المسرحي سيد الموقف.
ان التجريب المسرحي باعتقادي يمثل اكثر من ضرورة في زمن لم يستقر فيه أي شيء ولم تتقدس فيه جميع جمهوريات أو يوتوبيات المثل الثابتة.. من هنا فان التجريب تحريك الدلالة لالتقاط الحقائق المغايرة ومشاكسة المتلقي وزجه في عملية انتاج المعنى وابعاده عن نمطية التلقي الاستهلاكي أي التلقي المجرد، لا سيما وان المنهجيات الحديثة تجعل من المتلقي البؤرة المركزية لانتاج المعنى. والتجريب باختراقاته وكشوفاته يفتح افق المعنى على مساحات شاسعة من التأويل والايحاد والبحث عن رؤى متقدمة بعيدا عن المسرح المدرسي والتعليمي أو مسرح الهتافات والوصايا واستلاب وعي المتلقي. لكننا لا نطرح مفهوم التجريب على عواهنه دون الارتكاز على اشتراطات جمالية وفكرية محددة.
التجريب ووعي الاختراق

التجريب استحداث طرق جديدة في فهم الاصول المسرحية التي تغذي الفهم المسرحي اولاً.. الامر الذي سيؤدي إلى ايجاد تصور اساسي يعمل على انتاج العرض المسرحي، والاصول المسرحية بالمعنى الاكاديمي، حيث العناصر الحركية والسمعية والبصرية التي تتواخى مع رؤية المخرج بايجاد الصورة المسرحية المناسبة وما نعرفه عن التجريب في المسرح العراقي محض اجتهاد يتحرك على مستويين، اولهما ابداعي، وهو تمثيل مبتكر لتلك الاصول المسرحية فهماً ومعالجة وصولاً إلى دهشة التذوق الذي يعد اساس التواصل المسرحي، اما المستوى الثاني فيكون تنظيمياً، سيجمع ويؤلف بين تجارب وخبرات مسرحية سابقة مع ضمان عامل التأليف الجديد لها، وهذا النوع هو ما يكون حاضراً في التجارب العراقية مع فارق النوع والكيف لدى بعض المخرجين العراقيين. ان ما وجدناه من لغة للخطاب المسرحي العراقي التجريبي، يمثل وعياً للاختراق في زمن الصلابة الفكرية، وانفلاقها، من اجل منح المتلقي فسحة رحبة للانتقال إلى نمط مسرحي جديد، نطمح اليه جميعاً شرط ألا يكون فصامياً في نزعته الجمالية والابداعية، مما يضمن لنا هوية مسرحية لطالما اردنا لها باباً واسعاً من الفهم والقبول والحضور في دلالة الاثر في خارطة المسرح العراقي الجديد، انه طموح ينبغي ان يكون حقيقة، لان التجارب المسرحية العربية المعاصرة وهذا بعض ما شاهدته تتسم بوجود نزعة اساسية على ربط المحلي بالاقليمي وعلى نمو موضوعات مفتوحة في دلالاتها مثل الاسطورة والحكاية الشعبية، أو موضوعات تاريخية تكون مادة مسرحية أولى تستثمر ضمن صيغة المسرحية لتكون خطاباً جمالياً مغايراً، يعمل من المتلقي، تواصلاً متحققاً وهنا تكون ضرورة المسرح في ايجاد ثقافة المسرح بلغته الفائقة حيث لا يسمح للقارئ ان يكون اساسا، وهذا ما نريده من عراق يجمع مبدعيه من بعد شتات.

لا تعليقات

اترك رد