الاستدارة التركية في الاقليم: اول الرقص حنجلة في جرابلس

 
الاستدارة التركية في الاقليم: اول الرقص حنجلة في جرابلس

تفاجئ العالم كله بالانقلاب الفاشل في تركيا منتصف الشهر الماضي. هذا الانقلاب الفاشل الذي لم تعرف حتى الان الكثير من تفاصيله. فمن انقلب على من؟ ومن شجع الانقلاب؟ واين قادة هذا الانقلاب وماذا كانت اهدافهم ومطالبهم؟ وكيف تم افشال الانقلاب بسرعه هائلة ودون مقاومة تذكر؟

كما تفاجئ العالم وبعد ايام من الانقلاب الفاشل بالتقارب التركي-الروسي والتركي-الايراني والذي توج بلقاء بين الرئيسين الروسي والتركي في موسكو وكلمات غزل مثيرة وابرام اتفاقيات كبيرة.

وقبل اسبوع تفاجئ المراقبون بالهجوم الكردي على مراكز الجيش السوري وحلفاؤه في الدفاع الوطني في مدينة الحسكة واعلان الكردي مؤيدا بالمشغل الامريكي عن عزمه احتلال المدينة بالكامل تمهيدا لضم الكانتونات التي سيطر عليها مؤخرا تحت مسمى الفيديرالية السورية.

بعد كل هذا فاننا نتفاجئ لحد الصدمة بتفاجؤ البعض بالخطوة التركية بالامس بما يخص مدينة جرابلس وما حولها.

التركي المتهالك للتعاون مع التحالف الروسي-الايراني-السوري في المنطقة لاكثر من سبب, كان جاهزا لتحريك ادواته الارهابية في منطقة جرابلس وحولها لتحقيق مصالح مشتركة مع الحلف. فالحلف الذي تلقى تهديدات فجة من الامريكي بالاشتباك المباشر اذا استمر القصف الجوي السوري لادواته الكردية في الحسكة, وجد من يساعده بتحقيق اهداف تقليم اظافر الكردي ودون المخاطرة باشتباك مع الامريكي.

فالتركي اصلا غاضب جدا من التعاون الامريكي-الكردستاني لتفتيت سوريا باستخدام الورقة الكردية, عن طريق اقامة كيان كردي يكون مقدمة لتشجيع المكونات السورية الاخرى للمطالبة بكيانات مماثلة. اقامه هكذا كيان في سوريا سينعكس سلبا على تركيا, التي تعاني ولعقود من حرب طاحنة يشنها الكردستاني في الجنوب-الشرقي للبلاد مطالبا بدولة كردية مستقله. حيث ان اقامة كانتون كردي في سوريا, وبوجود الكانتون الكردي في العراق, سيحرج انقرة جدا ويضغط عليها لتقديم تنازلات كبيرة لاقامة كانتون كردي مماثل في تركيا.

الخطوة التركية التي فاجئت الكثيرين جاءت بالتنسيق الكامل مع روسيا وسوريا وايران, حسب ما اعلن المسؤولون الاتراك وحسب كل المعطيات الميدانية.

فاعلان تركيا عزمها اقامة مناطق امنة في محيط جرابلس قديم. ولكن التركي لم يجرؤ على تنفيذه, حتى قبل التدخل الروسي في ايلول الماضي وانقلاب المعادلة في سوريا لصالح الدولة. ولو كانت تركيا تريد المخاطرة بتدخل احادي لفعلت ذلك منذ عامين او ثلاثة عندما كان الارهابيون يهددون امن العاصمة دمشق وليس بعد ان وقع التركي على تفاهمات مع روسيا لم يجف حبر الموقعين عليها بعد. هذه التفاهمات التي سعى نظام اردوغان للتوصل اليها بكل قوة وضحى في سبيلها بالكثير ومن ضمنها

الاعتذار الرسمي المهين لروسيا على اسقاط السوخوي وتعويض عائلات الطيارين والقبض على الفاعلين ومحاكمتهم. كل هذه الخطوات التي اثرت على شعبية ومكانه اردوغان كخليفة متوج لاتباعه والتي لن يقامر بخسارتها بخطوة غير محسوبة النتائج.

التدخل التركي الذي انهى حلم الكردستاني باقامة كانتون كردي في كل الشمال السوري اراح السوري والروسي من مخاطر مواجهة حرب شاملة في منطقة الحسكة-القامشلي قد تشمل تدخل امريكي يحتاجه الثنائي اوباما-كلينتون لضرورات انتخابية امريكية بحته. وهيلاري المعروف عنها تاييدها لحل الحرب كخيار اول في سياساتها الخارجية, ستؤيد اي حرب اقليمية في المنطقة قد ترفع من شعبيتها.

كما ان التدخل التركي في جرابلس وما حولها سيؤدي الى استكمال الاستدارة التركية والبدء بالمطالبة بالتعامل مع السلطات السورية لتنسيق الادوار العسكرية في محاربة الارهاب وكل الخارجين عن السلطه في دمشق. هذا التنسيق الذي كشف احد مساعدي رئيس الاستخبارات التركية انه قد ابتدأ فعلا وان هناك اجتماعات تمت في طهران وموسكو بين الجانبين السوري والتركي.

قد يقول احد محبي سوريا بان العدل يتطلب محاسبة نظام اردوغان على المصائب التي جلبها على المنطقة والاقليم. ولكن احداث جرابلس اكدت بما لا يدع مجالا للشك بان نظام اردوغان هو الوحيد المسيطر على المجموعات الارهابية وبالتالي الوحيد القادر على ايقاف حمامات الدم في الشرق الاوسط برمته. فنظام اردوغان “حرر” مدينة جرابلس من تنظيم داعش (وهو الاكثر ارهابا وتوحشا بين التنظيمات الارهابية جميعها) بساعات قليلة ودون قتال. بل المشهد كان واضحا انه “تسليم وتسلم” والكثير من مقاتلي داعش خلع البدلات العسكرية لداعش ولبس البدلات العسكرية للجيش الحر. وهذا ارسل رسالة واضحة ان اشراك نظام اردوغان في الحل هو الحل الاسلم لوقف الارهاب في المنطقة. واي مطالبة لمحاكمته ستعني جر المنطقة (والعالم) لعقود من عدم الاستقرار والارهاب.

اردوغان اثبت في جرابلس انه مستعد للاستدارة 180 درجة ان تطلبت مصلحته الخاصة ذلك. نفس الاستدارات التي نفذها في اكثر من مرحلة سابقة ببراعة كبيرة مقنعه لاتباعه واعدائه على حد سواء.

من يعتقد ان اردوغان ونظامه سيسعى لتوسيع تدخله في سوريا وصولا الى احتلال دمشق واهم جدا. فالوجود الروسي والايراني سيمنع حتى الولايات المتحدة من تحقيق هذا الهدف. كما ان صمود الشعب السوري وجيشه احبط هكذا سيناريو حتى قبل المشاركة الروسية الحاسمة قبل عام.

الحكومة السورية الان همها الاول انهاء العنف والارهاب والبدء باعادة بناء المجتمع السوري والدولة السورية. ولتحقيق ذلك فانها مستعدة للتغاضي عن جرائم نظام ايردوغان, مؤقتا.

ختاما نعتقد ان الاستدارة التركية الان ستشجع (او تعطي مبررا قويا) استدارة امريكية مماثلة قريبا للبدء بترميم النظام العالمي والبدء باعادة بعض الاستقرار له. مع ان ذلك لن يبدأ قبل انتهاء الانتخابات الامريكية.

المقال السابقأم المهازل …..!!!!!؟
المقال التالىلعنة الانتظار
اعلامي وسياسي استرالي من اصول فلسطينية. عمل في صحيفة الحياة العربية الاسترالية كمحرر للشؤون المحلية. خبير في شؤون المجموعات المتطرفة في استراليا. له مقالات باللغتين العربية والانجليزية تنشر في الصحف المحلية والمواقع الاخبارية وعلى مدونته الخاصة. محلل سياسي يظهر بشكل مستمر في التلفزيونات والاذاعات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد