أسئلة مبهمة لواقع غامض

 

المتتبع للشأن العربي يعرف جيدا صعوبة فهم ما يحدث على الساحة الإقليمية والدولية لتشابك خيوط الأزمة وعدم وضوح الرؤية. نتقبل فكرة الأزمة دون البحث عن أسبابها، نتقبل ونستهلك كل شيء حتى الأفكار ولا نبدل أدنى جهد لتحليل وفهم حيثياتها.

مند فجر الإستقلال تقلدت السلطة في أغلب الأوطان العربية نخب عايشت المستعمر وعملت وتعاملت معه. نخب كان همها الوحيد المصلحة الضيقة، في الوقت الذي عانت فيه المقاومة من ويلات الحرب والتعذيب من أجل الحرية والإنعتاق. كان هم هذه النخبة إخضاع البلدان للإرادة الخارجية والإستمرار في فرض استعمار فكري واقتصادي يخدم مصلحة الغرب قبل كل شيء. فصار الحكم مقسما بين الخونة والوطنيين.

في خضم الحرب الباردة برزت قيادات معارضة انتمت أغلبها للتيار الإشتراكي، اعتبرت آنذاك المنقذ الوحيد للوضع السائد وتخليص المجتمع من التخلف لذلك سميت أحزاب تقدمية. لكنها سرعان ما انطفأت وفشلت في تحقيق أهدافها ومشاريعها التي طالما نادت بها، فدخلت في صراع مع الذات وانقسامات إيديولوجية قسمت ظهرها، فلم تعد سوى قيادات كرتونية لشعارات فارغة تغذي حديث المقاهي وجلسات الرصيف.

حتى الشارع العربي للأسف لازال يتذكر شخصيات صنعوا منهم رموز تاريخية رغم أنهم لم يقدموا لهذا المجتمع إلا الدمار والخراب. والقليل منهم كان فعلا وطنيون لكنهم سواء تم تضييق الخناق عليهم أو تم الإستغناء عنهم نهائيا بطريقة أو بأخرى.

حين بدأ أفول نجم اليسار، بدأ المجتمع العربي يعرف موجة جديدة من الأحزاب ذات المرجعية الدينية أو ما يحلو للبعض تسميته بالإسلام السياسي، سريعا ما انقسم المجتمع إلى يسار ويمين في حين ظلت الأحزاب الأخرى، إن وجدت، تابعة لسلطة المركز وكراكيز اللعبة الإنتخابية.

حصل كلا التيارين على تعاطف الجماهير في وقت من الأوقات لكن سرعان ما فشلا في تحقيق ما يطمح إليه الفرد والمجتمع، وهذا دليل على ضعف مشاريعهم وقصر نظرتهم الشمولية للواقع والأحداث، ولم يستفد كلاهما لا من التاريخ ولا من التجارب السابقة.

لم يشهد العالم العربي الحديث تداولا سياسيا سليما وعادلا وحرا ونزيها بل غلب عليه طابع الإقصاء والقرارات الأحادية، دفع إلى تعطيل عملية بناء الفرد ومنها بناء المجتمع، لذلك كان الإعتدال وتداول السلطة صعب التحقيق في ظروف سيطرت فيها عقلية الزعامات الأحادية.

لم ترحم الفوضى السائدة الآن كلا التيارين، تخلت بعض التيارات عن الدين وأخرى عن السياسة، وأخرى عن مبادئها وأخلاقها. فعاد العسكر والعملاء والخونة من جديد وكذلك أذيال الأنظمة البائدة للحكم بمسميات جديدة وثوب جديد لكن بنفس المضمون والجوهر. وتعود الأسطوانة لتشتغل من جديد…

فماذا استفاد العرب من تجاربهم السابقة ؟ أم أننا ندور في فلك مغلق ونتداول أفكار مشفرة لا أحد استطاع فك رموزها؟ وما مصيرنا في ظل الظروف الحالية؟ وكيف ننظر للمستقبل وماذا نحظر له؟ و. و.

أسئلة عديدة ومعقدة الزمن هو الوحيد الكفيل بحلها…

لا تعليقات

اترك رد