لِمَاذَا قَبِلَنَا خدَاعُ الْمُسْتَشْرِقِينَ ..؟

 
لماذا قبلنا خداع المستشرِقِين ..؟

عند العودة إلى قراءة المؤلفات و كتب التاريخ للحضارة الإسلامية أو الإمعان في الخرائط التي رسمها الرحالة المستكشفين على مر الأزمنة و العصور فإننا لن نجد أمامنا سوى إن نركن إلى تلك المخطوطات التي قام على تدوينها المستشرقون ، بعد إن فقدنا كعرب كنوزا ثمينة من الكتب التاريخية و العلمية على يد التتار ، فلو كان اولئك الغزاة يملكون جزء من العقل البشري ما كدسوها في مجرى نهر دجلة لتكون لجيوشهم جسرا للعبور ، و لو أنهم كانوا استعانوا بجذوع نخيل الرافدين بدل من تلك الكتب القيمة في محتواها العلمي لكانت قد أسدت للبشرية خدمة عظيمة ، و مدت جسورا من البناء والتقدم عبر الزمان ولتعرفنا كثيرا على حضارة مابين النهرين ، وكذلك أغنتنا عن جدلية دراسات المستشرقين الذين نقلوا و كتبوا ما يتناسب مع مصالحهم الدنيوية و أهدافهم العقائدية التي غالبا ما أخذت مسار التشويش وعدم الحيادية و الواقعية فيما يتعلق برموز الإسلام و العلوم الإنسانية و الثقافية عند المسلمين ، لكن الأوروبيين قد يغفر لهم بأنهم يملكون عقل البشر ، و يبغضون لمكر الشياطين فيهم ، فقد كانوا نبلاء مع علوم المسلمين و ثقافتهم التنويرية و نقلوها إلى مدارسهم و جامعاتهم و متاحفهم في أوروبا ، كما ساهمت في تطور التقدم العلمي الذي أفاد البشرية جمعا، حتى يقال إن الأندلس كان فيها عند خروج المسلمين منها أربعة آلاف من الكتب النادرة وقد تم التحفظ عليها من العبث و التلف و أصبحت مصدرا مهما للباحثين إلى ألان ..

لقد أضحت دراسات المستشرقين و نظرياتهم مرجعا ذا قيمة قانونية و ثقافية لدي المنظمات العالمية ذات الاختصاص العلمي و الثقافي و التراثي ، و مرجعية تاريخية يتم أرشفتها ، ووضعها في المكتبات الوطنية أو عرضها كمخطوطات بالمتاحف الدولية ، لكنها تعتبر لدى الباحث و القاري رحلة تقصي للحقائق ، وتوقف عند محطات متعددة من نقاط التحولات الفعلية ذات التأثير المباشر في حياة الشعوب وغالبا ما تكون تلك القصص و الروايات التي ترصد وقائع هامة كالإبادة العرقية و الصراع الديني أو النزعات الدولية محل الدراسات و النقاشات و كذلك مستندا يتقدم به إلى التحاكم في المحاكم الدولية ..

أفردت صفحات التاريخ في بحوث المستشرقين مساحة أكبر من شواهد الأسى و سياسة الفوضى الخلاقة و التوترات المذهبية التي صنعت أزمات اقتصادية و اجتماعية عانت منها شعوب البلدان العربية خاصة و الإسلامية عامه ، فمنذ إن كان هجوم المغول الهمجي على بلاد الرافدين و العبث في حضارته العظيمة و حتى توالي الحملات الصليبية على ارض الشام التي وصل عددها إلى تسعة حملات ، هذا إذا أضفنا حملة بوش الأخيرة في حاضرنا المعاصر على أفغانستان والعراق و التي جاءت تحت غطا محاربة الإرهاب الإسلامي ، و جميع تلك الحملات أحدثت وقائعها التاريخية شرخا كبيرا و مستداما في نسيج الأمة الإسلامية ، وذهب اغلب المستشرقين الغربيين إلى محاباة مذاهب إسلامية دون غيرها ، والعمل على فصل الإنسان العربي من مكوناته العقائدية و القومية إضافة إلى ذلك السعي لعزله عن شان المسلمين في باقي البلاد الأخرى ممن لا يتحدثون اللغة العربية ، أما من كان يعيش بين ظهري المسلمين من أتباع الديانات السماوية الأخرى فقد تم تغريبها عن القضية العربية و أخذت موقف المحايد و أحيانا المستهدف ، بعد إن كانت يوما ما مدمجة في وئام بالمجتمع العربي كعنصر فاعل و منتج ، لقد تعايشوا مع الثقافة الإسلامية و احتوتهم دون إن يكون لديهم أدنا شعور بغربة المكان و الذات ، كان ذلك قد حدث في أوج عصر النهضة الحضارية للإسلام و في قمة باس رجالها الأشداء ، بخلاف أوروبا التي كانت تعيش في ذلك الوقت من القرن العاشر ميلادي في مستنقع الجهل و مرض اللاسامية و الدونية في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و كذلك فقدان الهوية الذاتية ، فتولدت لديها الشعور بالتخلف والقهر الديني الذي كان لرجال الدين المسيحيين لهم دور فعال و مغذي فيه عبر استغلال البسطاء و الفقراء منهم ، و الضخ في نفوسهم التعصب و التدين العاطفي و كذلك الإيمان بالخرافة والكراهية للسامية وأتباع اليهودية الذين كانوا هدفا للقتل و التنصير و التهجير القصري لخارج حدود القارة الأوروبية ..

ظن المسلمين إن خروج الصليبيين من القدس بعد ثمانين عاما من الجثوم على صدر الأمة سيكون بلا عودة دون إن يدركوا بان العودة إلى خلافاتهم القديمة وتعليق حسمها سوف يفتح الباب على مصراعيه لعودة الغزاة الصليبيين مره أخرى ، وسعى آنذاك القائد الصالح صلاح الدين الأيوبي بتشخيص هذا الداء و حصاره حتى لا يصبح وباءا يستعصى السيطرة عليه ، لكن الخيانة و الخديعة كانت سمة ذلك العصر فعجز عن إكمال إصلاحاته بعد أن ظهرت تلك المذاهب الدينية الضالة التي خرجت من عباءة الفاطمية وغررت بإتباعها و من ثم أدخلت المنطقة في صراع طويل من الكراهية و حياكة المؤامرات و الدسيسة للمسلمين ..

جاء دور المستشرق الغربي بعد إن خرجت الجيوش الصليبية من الشرق و انكمش المد الإسلامي في الغرب يدفعه الحقد و الكراهية للإسلام ، و التبشير بالنصرانية ، في قناع الاستشراق ، فانشأ مدارس تعليم اللغة العربية قبل إن يخوض هذه الرحلة في بلاد المسلمين ، إذ خاض في شتى مناحي الحياة العامة التي تتعلق بالإنسان الشرقي و في مكوناته الثقافية و الدينية و حتى اللغوية متزودا بما يمتلكه من علوم تم الاستحواذ عليها إبان الاحتلال ، ليبدأ في ترسيخ مفهوم نقص الذات و العجز ، و نفث سمومه في الدراسات التي أعدها ، ساعده في ذلك حالة الجهل و الظلمات ، وهو ما رآه المثبطون مجالا ليكيلون المديح و الثناء للمستشرقين ، واعتبروا دراساتهم العلمية جهدا يجب إن

يكون محل تقدير الشرق ، في مساعي تهدف إلى إحباط مشروع التصدي و المواجهة التي حشد لها علماء الإسلام و المفكرين لتفنيد مزاعم و خداع هؤلاء المستشرقين القادمين من الغرب ..

اعتبر الغرب و أساتذتهم التنويريين هؤلاء المثبطين تلاميذ نجباء ، و أخذت تستدعيهم إلى أوروبا لتكريمهم ومنحنهم الشهادات و الجوائز ، ثم أطلقوا عليهم التنويريين ، فيما يرى أهل العرب أنهم مجرد ليبراليين جاؤوا بتبني النظريات العلمية و المفاهيم الأدبية الغربية المسيئة للدين الإسلامي و البديلة للثقافة العربية ، في محاولة منهم لفرض التبعية للغرب على المجتمع و الفرد ..

بعد إن شعر أرباب الاستشراق الغربي و تلاميذهم في هذا العصر إن لعنة الاستعمار و المحتل أصبحت تطاردهم ليلا نهارا و في كل المناسبات ، و أنها قد تؤثر على جهدهم العلمي و تطلعاتهم للعلمانية في الشرق الأوسط ، ما يفقدهم في نظر الآخرين مصداقية الطرح في قضايا و علوم تلك الشعوب ، لذلك عمدوا إلى مناشدة مؤسساتهم العلمية و حكوماتهم بضرورة إصدار قرارات دولية تحد من الإساءة لمفهوم مسمى المستشرق على ان يتم تغير المصطلحات القديمة و استبدالها بذات الطابع الإنساني و الحقوقي المهتمة بدراسات الشعوب ، و تحمل صفة المنظمات العالمية التي ترعاها الأمم المتحدة ..

و كما تقدم المستشرقين الصفوف الأولى في حملة نابليون على مصر رافعين القلم و القرطاس و أدوات الطباعة ، مستبشرين و مبشرين بنهضة حديثة ، فأنهم قد كانوا أكبر محركا دعائيا و داعما للحملة الصليبية على العراق في مطلع القرن الحادي عشر بقيادة الصهيونية العالمية التي كشفت عن وجهه القبيح الناقم من كل ما هو عربي و مسلم كاره للعلمانية ، و مهدت للغزو على بلاد المسلمين من خلال غرفة العمليات المشتركة التي أقامتها مع بعض استخبارات الأنظمة التي تدين بالولاء للنصرانية و اليهودية ، و استخدمت فضاء الأعلام الواسع المسيطر عليه من قبلهم في بث رسائل التشويه ، ومشاهد الإرهاب و التطرف في المنطقة العربية إلى العالم ، وعمدت على إن تشيع في الكون الهلع و الخوف من خطر الإسلام ، و تصادم ثقافته مع النظام العالمي الحالي ..

كان وجه الاستشراق والذي سقط عنه قناع العلوم الإنسانية حاضرا بقوة و احد دعائم هذه الحرب المدمرة التي استخدم فيها جميع أنواع الأسلحة المتطورة و المحرمة من اجل إخضاع المنطقة برمتها للحكم العلماني المتسلط ، و بزغ من بين ثنايا الإعلام في صورة المذيع و الإعلامي و الناشط السياسي و الحقوقي ، جميعهم احتشدوا مع من يسمون بالتنويريين في صفا واحدا مع الجنود في معركة الوجود العلماني ضد ما يطلق عليه بالتطرف الديني المتمثل في الإسلام السياسي و السلفي ، و محاربة كل ما هو جهادي و نعته بالإرهابي..

هناك من يعتقد بان مهمة المستشرقين غدت واقعا ملموسا للعيان ، وان افتتاح المزيد من الجامعات و المؤسسات العلمية و التنموية الغربية في كل أقطار الوطن العربي قد ثبتت نظريات و مفاهيم المستشرقين عن الإسلام و ثقافته ، و نقلوا الصراع إلى داخل البيت الإسلامي الواحد بين جيل نشأ في جامعات التغريب ، و جيل أخر خرج من جامعات العلوم الشرعية ، فيما يراهن الغيورين بان القيم الإسلامية الصحيحة التي تربى عليها أفراد المجتمع المسلم ، و المستمدة من تعاليم قرآنية ربانية لن تستطيع أدوات المستشرق اختراقه مهما امتلك من دهاء و قبول ، و إن اقتنع البعض بخدعته فانه ليس بانتصار حقيقي .

لا تعليقات

اترك رد