امريكا .. العالم ، الادارة الجديدة !! ج١

 
امريكا .. العالم ، الادارة الجديدة !! ج١

رغم ان التلاميذ المولعين بالتاريخ ، امثالي ، قلما يجازفون بالبحث في آفاق المستقبل ، الا ان اغراء هذا الموضوع تبدو اكبر من ان تقاوم .

هنالك وسائل عديدة لاستقراء السياسة الخارجية المستقبلية لاي بلد وخصوصاً في الديمقراطيات ، لكن المؤكد ان البرامج الانتخابية للمرشحين ليست في مقدمتها ، هكذا علمتنا التجربة مع الولايات المتحدة من جهة ، ومن جهة اخرى لو اتخذنا هذا المنهج في موضوعنا هذا فانه يصعب تصور ان الولايات المتحدة ، لو فاز ترامب مثلاً بالرئاسة ، ستبقى قوة عظمى بل ستتحول الى قوة من المرتزقة الدوليين تتقاضى تكاليف حروبها من الشعوب التي تغزوها بحجة انها أنقذتها من حكوماتها الطغيانية ، وهي اغلب حكومات العالم وفقاً لمعايير ترامب . كذلك سيتحول جيش الولايات المتحدة الى قوة مرتزقة تقاتل حيثما تتوقع انها قادرة على استرداد تكاليف عملياتها لانها ستخوض الحروب حسب الطلبات . هذا حرفياً هو جوهر برنامج ترامب الانتخابي . وفي المقابل فان ماتطرحه السيدة كلنتون في برنامجها الانتخابي يبدو بعيداً عن الواقع وقد كانت طرفاً فاعلاً في إدارة اوباما على راس الدبلوماسية الامريكية ولم نجد ان حماسها كان كبيراً للقضايا التي تتحدث بشأنها الان .

ولعل السؤالين الأهم في هذا المجال هما : من يصنع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة وماهي الثوابت والمتغيرات فيها ؟ .
الجواب المباشر وبحكم تحديدات المقال ان الرئيس الامريكي هو من يمتلك القرار الأخير في السياسة الخارجية وعادة ما يكون تحت تأثير مستشاريه وهم رئيس هيئة الموظفين وقادة الأجهزة التي تعمل داخل مؤسسة البيت الأبيض وتشكل قلب بيروقراطيته مثل مستشار الامن القومي وطاقم المجلس ، وهؤلاء يتغيرون مع الرئيس وهو من يقرر اختيارهم في مناصبهم لذا غالباً مايكونوا من ذات التوجه الذي يمثله الرئيس . الى جانب مؤسسة الرئاسة هنالك اجهزة الحكومة التنفيذية الرئيسية ذات الصِّلة بالسياسة الخارجية مثل البنتاغون والخارجية ووكالة المخابرات المركزية وتؤطر اعمال هذه الأجهزة وممثليها على مستويين وهما مجلس الوزراء او كابينة الرئيس principals وهيئة النواب deputies المؤلفة من الأشخاص الثواني في الأجهزة المذكورة ؛ هذا بالاضافة الى الكونغرس وبيروقراطيته الخاصة المتمثّلة في جهاز المساعدين والذي يلعب دوراً هاماً وان كان بشكل غير مباشر في صياغة السياسة الخارجية وهنالك مجموعات المصالح الخاصة او الضغط ( اللوبيات ) ومراكز التفكير ووسائل الاعلام .

السياسة الخارجية الامريكية اذن هي ثمرة عمل وتأثير جميع هذه الجهات لذا يبدو ان عملية صنع هذه السياسة ، وفي دولة عظمى تمتد اهتماماتها الى أقصى أقاصي الكون ، هذه العملية ومحاولة فهمها امر على قدر كبير من التعقيد والصعوبة . الا اننا لسنا بصدد التنبؤ بل نحن بصدد محاولة فهم ظاهرة لها تاريخ وسجلّه ولها معطيات حالية وقد يسهّل ذلك جانباً مهماً من مهمتنا في تكوين ملامح رؤية مستقبلية خصوصا اذا ماعلمنا ان الرئيس الجديد يجلب معه فريق كامل جديد للشؤون الخارجية برؤية عالمية محددة ويتبنى سياسات ، وليس بالضرورة ستراتيجيات او فلسفات فقط ، مستمدة من الخبرات المهنية والمهارات المعرفية لرؤساء الأجهزة الجدد ويمكن تلمس اتجاهاتهم من خلال متابعة اتجاهات مراكز التفكير او الجامعات او جماعات الضغط او الهيئات البيروقراطية وحتى طبيعة مصالح واهتمامات الشركات التي قدموا منها ، هذا بالاضافة الى المتوفر من الموارد التي تحددها حالة البلاد والمزاج العام للناخبين الذي يحدد مدى استعداد البلاد للانغماس او الاحجام في شؤون دولية محددة .

حتى اكثر المتفائلين بشان قدرات الرئيس اوباما على قيادة الولايات المتحدة يعترفون بان السياسة الخارجية قد بدت للمراقبين على قدر كبير من التلكؤ وعدم الحسم وربما فقدان التنظيم من ناحية ترتيب الاولويات . نجحت إدارة اوباما في العديد من الملفات الداخلية ، لكن ما من احد ينكر ان المكانة الدولية للولايات المتحدة قد تراجعت وان الخصوم التقليديين والجدد قد حققوا تقدماً ملحوظاً من الناحية الجيوستراتيجية وفي الأقاليم الحساسة التي شكلت تقليدياً ميادين للتفوق الامريكي ، والخلاف بين مؤيدي هذه الفكرة او معارضيها يختلفون حول الأسباب ، هل كانت موضوعية ام تعود لطبيعة شخصية الرئيس وفريقه ؛ وهذه الأقاليم تحديداً هي : اوروپا وغرب الپاسفيك والشرق الأوسط (ومنه بوجه خاص منطقة الخليج العربي ) ؛ حتى عندما يدافع أنصار اوباما عن سياساته في في هذه الأقاليم فانهم يقدمون تفسيرات اكثر مما يتحدثون عن إنجازات او انتصارات لانها غير موجودة او متواضعة في احسن الأحوال ، وهذا لايعود فقط ، وفقاً لرأي شائع اعتقد شخصياً بصحته ، لافكار الرئيس بل لعوامل موضوعية منها تزايد امتعاض الناخب الامريكي من منظر قتلى الحربين في العراق وافغانستان وكذلك الأزمة المالية الهائلة التي وجدت امريكا واوباما في وسطها جراء تكاليف حروب إدارة بوش والتي قدرت بين ٦ الى ٧ تريليون دولار وهي مصروفات دون عائد على خلاف الحروب الاستعمارية التقليدية التي كانت تشن من اجل الموارد والأسواق ؛ كانت حروب بوش حروباً ايديولوجية بامتياز لا مردود لها وبالتالي تعيّن على اوباما ومؤسسات الحكم الانكفاء الى الداخل في قصة معروفة للمتابعين بشكل عام ويبدو ان ذلك جاء متوافقاً مع رغبة اوباما في الشخصية التي أحب ان يقدم نفسه للعالم في إطارها ، لأننا نعرف ان اوباما المحامي حامل جائزة نوبل للسلام والمدافع عن حقوق الانسان هو الذي اقرّ ستراتيجية تقوم على تنفيذ احكام بإعدام اشخاص دون محاكمة بواسطة طائرات بدون طيار حتى لو كانوا مواطنين امريكان يحميهم الدستور الامريكي من تعسف السلطة في بلادهم ، مع ضحايا عرضيين ابرياء ، وبالتالي فهو ليس الاّ رجل سلام على طريقته الخاصة .

قبل المضي قدماً في بحثنا ينبغي ان نميز بين ماهو ستراتيجية عليا ثابتة Grand Strategy منذ الحرب العالمية الثانية وحتى زمن طويل قادم وما هو سياسات تنفيذية قابلة للتغيير وفقاً للظروف ولقناعات اصحاب القرار ؛ تتكون هذه الاستراتيجية من شقين هما :
١-ان تبقى الولايات المتحدة صاحبة اليد العليا والقوة المهيمنة في هذه الأقاليم الثلاثة .

٢-ان تبقى طرق النقل والمواصلات العالمية وأعالي البحار والممرات المائية الدولية في حالة انسياب طبيعي وخاصة امام حركة التجارة الدولية بمختلف بنودها وخاصة طرق نقل الطاقة ، اضافة الى الإبقاء على الوضع القائم في الأقاليم المشاعة مثل القطبين .
ان اي تغيير في هذا الوضع القائم يعتبر مساساً مباشراً بجوهر الامن القومي الامريكي وبالمصالح الحيوية العليا لها .

من اجل تأمين ذلك تصنع السياسة الخارجية بنوعين من الأدوات ، الدبلوماسية والعسكرية ، وهما وجهان متلازمان في الحالة الامريكية، وتتضمن في خطوطها العليا ثلاثة بنود :
الاحتفاظ بقوة عسكرية متفوقة قادرة على دحر اي خصوم محتملين وإدامة التفوق الاقتصادي الامريكي سواء من حيث ألكم او النوع بما يخدم تحقيق البند الاول وتمويل سياسة خارجية تنسج علاقات نشطة وفاعلة مع بقية دول العالم ثنائياً او متعددة الأطراف ، وأخيراً تقديم نموذج الحياة الناجح للمجتمع الامريكي الصالح للاقتداء به او مايسمى بالقوة الناعمة والتي يسميها الامريكيون تقليديا بالحلم الامريكي التي تتجاوز نطاق الرفاه الفردي والأسري الى النموذج الامريكي في إدارة الحياة العامة .

يعتقد خصوم السياسات الحالية للرئيس باراك اوباما انها احدثت خللاً كبيراً في الستراتيجية بسبب عدم ملائمة هذه السياسات لخدمتها .

في اوروپا استحوذ پوتين على القرم وأشعل حرباً بالنيابة في أوكرانيا ويهدد حلفاء الغرب في الأطراف مثل دول البلطيق وبولندا كما قام الرئيس الروسي بتحديات جدية حيث أرسل قواته الى سوريا ووسع مؤخراً نشر الطيران الستراتيجي الى قاعدة همدان الايرانية مما يمنحه مزايا ذات طابع ستراتيجي وتكتيكي من الناحية العسكرية وأصبحت مناطق حيوية للمصالح الامريكية في مرمى اقرب لطائراته مثل مناطق النفط في الخليج كما قام بتطوير ترسانته النووية فضلاً عن تطوير قدرات جوهرية في ترسانة التسلّح التقليدي وخاصة في منظومات دفاعه الجوية وفي منظومات التشويش وفي الإعادة الصاروخية المضادة للسفن ؛ هذه التهديدات الجدية للتفوق الامريكي التقليدي ، خاصة في الساحة الأوروپية ، تمت مجابهتها باجراءات متواضعة حسب ناقدوا الرئيس اوباما وقد اقتصرت على عقوبات اقتصادية لم تثمر كثيراً من جهة اضافة لاجراءات عسكرية متواضعة مثل إطلاق مبادرة اعادة الثقة في اوروپا ERI بقيمة حوالى ثلاثة مليارات ونصف دولار سنوياً لتعزيز القدرات العسكرية الامريكية في اوروپا اضافة لإعادة نشر قوات عسكرية في بولندا ودوّل البلطيق .
يعتقد ناقدوا السياسة التي ينتهجها الرئيس اوباما تجاه التهديدات الروسية انه يتعين على الادارة القادمة اتباع ستراتيجية مختلفة تقوم على اجبار الحلفاء الغربيين على زيادة مساهماتهم في برامج الدفاع في إطار الحلف الأطلسي كما ينبغي تطوير أنظمة تسليحية جديدة وأساليب عملياتية جديدة تتيح للقوات الامريكية التقرب بشكل اكبر من مسارح العمليات العسكرية التي تتعرض للخطر ومنع روسيا من التهديد بقطع الصلات الامريكية الأطلسية وهنالك معلومات تؤكد وجود مساعي روسية بهذا الصدد حيث يتم تطوير قدرات في الفضاء وفي الفضاء الالكتروني مع قدرات صاروخية تنطلق من قواعد ارضية واُخرى تحت سطح البحر ، مع التوقف عن الستراتيجية الحالية في العلاقة مع روسيا والقائمة على السعي لخفض مستويات التسلّح لان روسيا استخدمت هذه العلاقة لتطوير قدرات عسكرية نوعية في الميدان النووي وفي ميادين حساسة مثل الحروب الالكترونية وحروب الفضاء .

بعيداً عن تصورات المؤيدين والمعارضين يمكن القول في إطار رؤية موضوعية انه تمت المبالغة في تقييم الظهور الروسي الصاخب على الساحة الاقليمية المحيطة بها خلال عهد پوتين ؛ في القرم تحركت روسيا للسيطرة على اقليم كان تاريخياً جزءاً منها وتسكنه غالبية روسية وهو الملاذ الوحيد لأسطول البحر الأسود فضلاً عن هواجس بشان توسع الحلف الأطلسي شرقاًعلى حدودها حتى منطقة القرم ذاتها ، وبخصوص التدخل في سوريا فانه تم في ضوء الفراغ الذي خلقه الاحجام الامريكي عن التدخل الواسع في الأزمة السورية اضافة الى ان النظام السوري يمثل حليفاً قديماً لروسيا ، والبلد يضم القاعدة الوحيدة للاسطول الروسي في البحر الارض المتوسط ؛ في التقييم العام لاتشكل روسيا نداً مكافئاً للولايات المتحدة على الساحة الدولية ، فهي لاتقارن بقوة الاتحاد السوفيتي الذي اندحر في نهاية الحرب الباردة كما ان نظام پوتين بعيد عن ان يوضع في إطار المقارنة مع نظام ستالين وخلفائه من القادة السوفيت الذين كانوا يعملون في إطار نظام مؤسسي ذو تراتبية واضحة وهو ماليس عليه الحال مع پوتين ونظامه الحالي المستند الى شخصه وتحالفه مع النخبة العسكرية والمافيات الاقتصادية الروسية . لذا لايمكن اعتبار روسيا نداً على الساحة الدولية بل قوة عسكرية اقليمية ؛ كما ان روسيا ، فيما عدا ترسانتها النووية ذات الهدف الردعي أساساً ، هي الأكثر تخلفاً بين قريناتها الأوروپية ولايزيد سكانها عن ثلث سكان الاتحاد الاوروپي وذات اقتصادي احادي الى حد كبير وياتي في المرتبة التاسعة بين دول اوروپا من حيث حجم الصادرات ، لذا فقد لانشاهد تغييراً كبيراً في السياسة الامريكية القادمة تجاهها وسيكون الجهد الأساس لمواجهتها في إطار حلف شمال الأطلسي الذي اقرّ بعض الإجراءات الردعية للحيلولة دون مزيد من التوسع في اتجاه أقاليم اوروپية جديدة ، كما قد نشهد مزيداً من الضغط الامريكي على الحلفاء الاوروپيين لغرض توحيد موقفهم ازاء الخطر الروسي وتنسيق أولوياتهم الخارجية وكذلك زيادة مساهمتهم في إطار حلف الأطلسي والتخلي عن فكرة ان الحليف الامريكي جاهز دائماً على الأبواب ، فضلاً عن متابعة التطورات التي تطرأ على منظومات التسلّح الروسية الجديدة وخاصة في الميادين ذات التقنيات المتقدمة ، اما التوجهات الروسية في الشرق الأوسط فهي امر اخر نتناوله في إطاره ضمن المقال .

بالنسبة للوضع غرب الپاسفيك فتبدو الصورة اكثر تعقيداً لانها تتضمن تحديات متباينة ومتعددة المصادر .
هنالك الصين التي تمثل خطراً مزدوجاً فمن ناحية اصبحت تقترب اقتصادياً من الولايات المتحدة من حيث حجم الناتج القومي مما يؤمن لها مايكفي من الموارد لتطوير قدرات عسكرية ومنظومات تسليح متقدمة تهدد آمن القوات الامريكية في منطقة غرب الپاسفيك كما لا تخفي نواياها التوسعية في شرق وجنوب بحر الصين وتدعي حقوقاً بحرية تجعل من مناطق واسعة من بحر الصين تحت سيطرتها اضافة الى قيامها ببناء قواعد عسكرية في جزر طبيعية واصطناعية في المنطقة ؛ تزعم الادارة الحالية ان التعاون مع الصين امر في غاية الأهمية لضمان الاستقرار في العالم وان هذا التعاون حتمي بين اكبر اقتصاديين في العالم بما يترتب عن ذلك من مصالح وفرص مشتركة وقد أمكن للجانبين التعاون في مجالات عديدة مثل قضية التغير المناخي ومكافحة الأوبئة العالمية وقضية الفقر وانتشار الأسلحة النووية وفي ذات الوقت فان الاولويات المتحدة ، وفقاً لنائب الرئيس بايدن ، قد اتخذت مواقف صارمة تجاه الصين فيما يتعلق بقضايا حقوق الانسان والملكية الفكرية وحرية الملاحة . كما تؤكد الادارة الحالية ان المستقبل قد يحمل بعض المصاعب في العلاقة مع الصين مع بدء تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني واتخاذ السلطات الصينية اجراءات تتسم بقدر من التراجع عن مسيرة الإصلاح التي انتهجتها لثلاثة عقود حتى الان مما يضع امام الادارة القادمة ضرورة الاتجاه في مسارين : تعزيز التعاون والتحضير لمنافسة قوية ولابد من تحقيق التوازن بينهما .

الا ان معارضي الادارة يعتقدون ان هذه المواقف ذات طبيعة خطابية وانه لابد من اجراءات عملية لاحتواء الخطر الصيني المتصاعد من خلال وجود عسكري اكبر في البلدان الحليفة التي مازالت امكانية زيادة الوجود العسكري فيها متاحة مثل الفلپين واليابان وحتى ڤيتنام وهو الرد الوحيد الذي من شانه تعديل ميزان القوى في غرب الپاسفيك . يجب اتخاذ هذه الإجراءات الان لان أبواب هذه البلدان قد لاتبقى مفتوحة الى الأبد بوجه الوجود العسكري الامريكي فضلاً عما يستلزمه توسيع الوجود العسكري من وقت لتهيئة البنى اللازمة ، لذا فالوقت للتحرك بهذا الاتجاه لابد ان يكون عاجلاً وليس اجلاً ، خصوصاً مع احتمال تزايد الميول العدائية للصين بعد ان أصدرت محكمة العدل الدولية مؤخراً قرارها برد ادعاءات الصين بشأن سيادتها على مناطق بحرية واسعة محاذية لسواحل الفلپين وهي قضية تعتبرها الصين ذات أهمية بالغة في جوهر مصالحها الوطنية .

هنالك أيضاً خطر التسلّح النووي لكوريا الشمالية وهو موضوع يتزايد تعقيداً نظراً للتهديد الجدي الذي تمثله كوريا الشمالية ضد حلفاء أساسيين للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية . المشكلة تكمن في طبيعة النظام في بيونغ يانغ الذي يمارس نوعاً من الابتزاز مع الجميع دون ان يقدم تنازلات جوهرية ، وقد فشلت جميع الجهود في تحجيم الخطر كما تراه الولايات المتحدة ويبدو ان التوجه القادم للولايات المتحدة يقوم على سياسة من شقين : الاول مواصلة الجهود التي تبذلها مجموعة الدول المنضوية في المفاوضات النووية مع الكوريين الشماليين وتعزيز هذه الجهود من خلال مجلس الامن . اما الشق الثاني فهو تعزيز القدرات العسكرية لكل من اليابان وكوريا الجنوبية وقد قررت اليابان وفي خطوة مفاجئة رفع ميزانيتها العسكرية الى ٢,٣٪‏ من الميزانية العامة وذلك لتغطية تكاليف تطوير منظومة دفاع صاروخية من طراز متقدم من نوع پاتريوت وشراء ٤٢ مقاتلة من نوع F35 A القادرة على تخطي كل منظومات الرادار اضافة لتطوير قدرات هجومية لوحدات برمائية وانظمة صاروخية مضادة للسفن . وستستمر الولايات المتحدة بالضغط على كوريا الجنوبية ذات الاقتصاد الضخم الذي يبلغ عشرة اضعاف اقتصاد الشطر الشمالي كما يبلغ سكانها ضعف عدد سكان الشطر المذكور لغرض زيادة قدراتها العسكرية لاحتواء خطر كوريا الشمالية .

عدا الإجراءات أعلاه فان الادارة القادمة ستواصل العمل الجماعي لتعزيز التعاون الاقتصادي في إطار منظومة ” الشراكة عبر الپاسفيك ” TTP التي تضم ١٢ بلداً اسيوياً وامريكياً ، وقد تصبح اولوية قصوى الى جانب الاستعدادات العسكرية لموازنة النمو الصيني ، رغم ظهور بوادر على تباطؤهِ ، اذ ان بلدان المنظومة تحتكر ثلث حجم التجارة الدولية وحوالي ٤٠٪‏ من اجمالي الانتاج العالمي ؛ لهذه المنظمة أهمية ستراتيجية لان بلدانها ذات مصلحة حيوية في اي جهد دبلوماسي او عسكري للمحافظة على حرية المرور البحري الذي اصبح الموضوع الذي يثير القلق جراء ادعاءات الصين البحرية في الپاسفيك ، هذا التوجه سيبقى ضمن أولويات آية إدارة قادمة لعدم وجود بدائل ملائمة للتعامل مع التحديات المتوقعة في الإقليم على المستوى الستراتيجي والسياسة العامة الا اذا طرأ تطور جديد كقيام الصين بعمل عسكري ضد احد الحلفاء فالمتوقع رداً قوياً وهو امر مستبعد في المنظور القريب ومن دراسة ماضي السياسة الصينية في الإقليم .

يبدو الوضع في الشرق الأوسط والسياسة الامريكية اكثر تعقيداً وأكثر نشاطاً في السنوات الاخيرة خاصة بعد موجة الانتفاضات الشعبية التي شهدتها العديد من البلدان العربية والتي اصبحت تعرف بالربيع العربي . هنالك تحديات محلية واقليمية ودولية تواجه السياسة الامريكية في هذا الإقليم .

( الشرق الأوسط موضوع الجزء الثاني من المقالة .. الجمعة القادمة )

المقال السابقواقع البرلماني!
المقال التالىحزن العراقي
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد