الانتحار في تونس شهقة اليائسين … في تزايد مخيف وانتشار رهيب داخل المجتمع !!!

 
الانتحار في تونس شهقة اليائسين ... في تزايد مخيف وانتشار رهيب داخل المجتمع !!!

أصبح الانتحار من الظواهر المنتشرة في الفترة الأخيرة , حيث تشير التقارير والدراسات الى تزايد هذه الظاهرة وخاصة في العالم العربي , بشكل يدعو الى القلق والخوف وانتشارها المفرط في صفوف الشباب اثر قيام الثورات في البلدان العربية , لما تعانيه هذه الفئة من مشاكل اجتماعية ونفسية .
ولقد باتت هذه الظاهرة حاضرة بقوة في تونس , فلا يكاد يمر أسبوع أو شهر , حتى يهتز أحد الأحياء السكنية في مدينة أو قرية , على وقوع حوادث انتحار تجري بوتيرة مقلقة ومتسارعة , يروح ضحيتها أناس من فئات عمرية واجتماعية مختلفة , ولم تسلم منها البراءة حيث تفشت حوادث الانتحار في صفوف الأطفال الصغار الى درجة تنذر بخطر يهدد المجتمع .
ورغم اختلاف الدوافع والطرق التي يستعملها المنتحرون , تبقى النتيجة واحدة ألا وهي وضع حد للحياة . فما هي أسباب وجود وانتشار هذه الظاهرة في المجتمع التونسي ؟ وما هي الحلول الناجعة لضرب هذا المارد الذي يفتك بشبابنا ؟
ان من أخطر الظواهر التي تعد جد مأساوية وأبرزها الواقع الاجتماعي , هي ظاهرة الانتحار والتي استفحلت داخل المجتمع التونسي وتزايدت بشكل رهيب ومرعب في الآونة الأخيرة , حيث احتلت تونس المرتبة السادسة عربيا في نسبة المنتحرين بمعدل 2,4 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص , حسب تقرير حديث نشرته منظمة الصحة العالمية , والتي أطلقت بدورها ناقوس الخطر من تنامي هذه الظاهرة وخاصة في صفوف الشباب والأطفال . وبالتالي عرفت هذه الظاهرة في بلادنا منعرجا خطيرا خلال هذه السنوات الأخيرة , وقد أثار تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية) الريبة والهلع في الشارع التونسي بخصوص تنامي الانتحار خلال التسعة أشهر الأخيرة من سنة 2014 , والذي سجل 122 حالة انتحار من بين المنتحرين تلاميذ وأطفال . كما أشار أن عدد حالات الانتحار المسجلة خلال سنة 2015 في تونس بلغ 549 حالة مقابل 203 حالة سنة 2014 , بتطور نسبة 170 بالمائة . وارتفع عدد محاولات الانتحار بنسبة 44,9 بالمائة لتصل مع موفى سنة 2015 الى 247 حالة مقابل 50 محاولة انتحار في السنة التي سبقتها .
وبالنسبة الى التوزيع الجغرافي لحالات ومحاولات الانتحار حسب التقرير السنوي للمنتدى التونسي , استأثرت ولاية القيروان بالمرتبة الأولى بنسبة 16,2 % 89 حالة , تليها في المرتبة الثانية ولاية بنزرت ب 12,9 % 71 حالة , فولاية قفصة ب 11,1% 61 حالة , فيما لم تسجل ولايات الجنوب عموما أية حالة انتحار .
والمخيف في هذا التقرير , هو ارتفاع حالات الانتحار لدى الأطفال أقل من 15 سنة , حيث تم تسجيل 54 حالة سنة 2015 مقابل 18 سنة 2014 بزيادة نسبة 200 بالمائة ( يتجاوز فيها عدد الاناث 34 وعدد الذكور 20 حالة ) . كما تطورت حالات الانتحار في الشريحة العمرية 16/ 25 سنة من 52 الى 39 حالة بين 2014 و2015 , أما الشريحة العمرية 26\35 سنة , فقد ابرز التقرير , شهدت قفزة محيرة من 69 حالة الى 224 حالة في الفترة ذاتها . وفيما يتعلق بالشريحة العمرية التي تفوق 60 سنة , فقد ارتفع عدد حالات الانتحار من 4 الى 27 حالة .
وبناء على هذه الأرقام , نتبين مدى استفحال هذه الظاهرة الاجتماعية في بلادنا , حيث أصبحت تستقطب كل الشرائح العمرية من موظفين وأصحاب الشهائد العليا , وأيضا متقاعدون وأطفال وحتى نساء , اخرها انتحار فتاة أصيلة معتمدية رمادة من ولاية تطاوين , يوم الأحد 21 أوت 2016 داخل غرفتها شنقا باحدى الفنادق وسط مدينة مدنين .
ولئن اختلفت طرق الانتحار , فان الأسباب متنوعة ومختلفة . فالانتحار هو قرار يأخذه الشخص من أجل انهاء حياته بقتل نفسه بارادته واختياره لأسباب يعتقد بأن مماته أصبح أفضل من حياته . ومن أهم أشكال الانتحار التي يلجأ اليها المنتحر مختلفة ومنها عن طريق الشنق وهي الطريقة الأكثر تداولا بين المنتحرين , أو حرق النفس واضرام النار في الجسد , كما يمكن تناول المواد السامة أو الكمياوية مثل الأدوية , قطع الشرايين أو تسلق عمود كهربائي ولمس الخيوط العالقة , أو القاء النفس من مكان مرتفع…
وفقا لدراسة قام بها المنتدى التونسي , فقد وقع تسجيل 238 حالة انتحار بواسطة الشنق , و105 حالات حرق و29 حالة بشرب مواد سامة و20 حالة جراء القاء أنفسهم من مكان مرتفع . والسؤال المحير : ماهي أسباب ارتفاع معدلات الانتحار واستفحالها ما بعد الثورة في تونس ؟
قد تدخل العديد من الأسباب وتتراكم فيما بينها لتجعل الشخص يفكر في الانتحار , فان يفكر الشخص في وضع حد لحياته , فهذا يدل على انه يمر بظروف يصعب عليه تحملها , ظروف قد تكون نفسية أو اجتماعية . وحسب الخبراء النفسانيين والباحثين الاجتماعيين , يعود ارتفاع المنتحرين في تونس الى أزمات نفسية يعاني منها المنتحرون , وتتصل بتفاقم الأزمات المعيشية , خاصة الفقر والبطالة , فمعظمهم هم ضحايا ظروف اجتماعية قاسية وسط كم من ضغوط الحياة , فباتوا لا يستطيعون تحملها .
ولعل السبب الرئيسي وراء تلك الحالات , يرجع الى تدني مستويات المعيشة التي تراجعت بشكل ملحوظ بعد الثورة , الى جانب قلة فرص العمل والحاجة الى المال , اضافة الى الظرف السياسي غير المستقر والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد , مما زاد في الشعور باليأس وفقدان الأمل في حياة كريمة ماليا واجتماعيا , وخاصة في صفوف الشباب الذين كانوا ينتظرون من بعد الثورة علامات أمل ايجابية , الا أنهم تفاجؤوا بعملية اقصائهم من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية , اضافة الى تفاقم ظاهرة البطالة في صفوفهم وانعدام الأمن بالبلاد . وأمام انسداد الافاق وازدياد الاضطرابات النفسية لديهم , بات الانتحار وسيلة احتجاجية على الوضعية الراهنة للبلاد ورسالة أراد هؤلاء ايصالها الى رجال السياسة , تدل على حالة اليأس والاحباط التي يعيشها الشباب التونسي بعد الثورة . وهذا ما يؤكد الهشاشة النفسية والاجتماعية للشباب التونسي الذي قاد منذ ست سنوات انتفاضة من أجل تحسين أوضاعه المعيشية والاجتماعية , الا أنه تعرض الى صدمة قوية بعد فشل سياسة كل الحكومات المتعاقبة في معالجة مشاكله الأساسية والاستجابة لتطلعاته وأملهم في العيش الكريم والشغل , بل بالعكس زاد التهميش والشعور بالحرمان والقهر أمام تفاقم عدد العاطلين عن العمل الى أكثر من مليون عاطل . فالاحساس بالعجز وقلة الحيلة , يفقد الفرد احترامه لذاته واحترام الاخرين له , ويصبح المستقبل مظلما في عيونه , ويكون اليأس الدافع والمحرك لجل حالات الانتحار في صفوف الشباب . والأمر المؤلم الذي يدعو الى الفزع ويعكس مدى فشل الدولة في حماية هذه الشريحة , هو تسجيل حالات انتحار لدى الأطفال , وهي ظاهرة غير مسبوقة في تونس وخاصة الانتحار الجماعي, حيث حاولت 7 تلميذات تتراوح أعمارهن بين 12 الى 14 الانتحار بطريقة جماعية من خلال تناول سم الفئران في المدرسة لكن المحاولة لم تنجح .
فلجوء الأطفال للانتحار يعود الى عدة أسباب , منها انعدام الحوار داخل الأسرة وتراجع دور المؤسسات التربوية , التي لم تعد فضاء للتنشئة والتربية بل أصبحت مجرد مكان للتعليم , اضافة الى الانقطاع عن الدراسة والعنف المسلط عليهم والادمان , كذلك بسبب تردي الأوضاع المعيشية والاجتماعية وعدم توفر الحاجيات الأساسية من المأكل والملبس والسكن والمقارنة مع الأطفال الاخرين .
وأمام هذه الحقيقة الصادمة , والتي تبين مدى التزايد الخطير لهذه الظاهرة , لابد من مجابهة هذا المارد القابع في مجتمعنا ووضع الحلول الناجعة لمقاومته والوقاية منه . وهذا يتطلب تخطيطا منظما وتظافر كل جهود العاملين في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في ضبط جميع التصورات والرؤى التي من شأنها أن تحد من هذه الظاهرة , وذلك بالتنسيق مع جميع الأطراف ( صحة , شؤون اجتماعية , تربوية , دينية ….) لتحديد استراتيجية واضحة المعالم للوقاية منها , وذلك بارساء برنامج وطني لمعالجة مشاكل التمدرس , وعلاقة التلميذ بالمدرسة وتدعيم خلايا الانصات وضرورة تنمية مهارات وقدرات الأطفال التي تمكنهم من الابتعاد عن المخاطر , كتعزيز ثقتهم بأنفسهم وتحفيزهم أكثر على البحث عن البدائل الايجابية , حينما تصادفهم بعض المشاكل وتدفعهم الى البحث عن الخلاص . كما يجب أن تبدأ الأسرة بتدعيم الجانب الديني الذي يقلل من فكرة الانتحار , باعتبار الدين يعطي الانسان دعما روحيا واجتماعيا يجعله لا يسقط في اليأس والقنوط , ويمده بحالة من الرضا , لأن الأمل يظل في الله , الذي ضمن لنا الرزق والآجل , وبالتربية السليمة والتوعية للأبناء , فتخلق شبابا سويا وشخصية ناضجة متوازنة , كما يجب تعزيز الترابط الأسري سمة التونسيين , حتى لا يبقى المرء يواجه مشاكله منفردا , وبالتالي اعادة قيم التراحم والمساندة والتكافل , ويبقى الآمان الاجتماعي .
الى جانب ذلك , على الدولة توفير المساعدات النفسية والاجتماعية للناس وذلك عن طريق الاهتمام بالمؤسسات النفسية , والعمل على استيعاب الشباب لكي لا يشعر باليأس , وايجاد مخارج لاشغال الشباب وأن لا نتركهم بدون نشاط (ثقافي أو سياسي أو اجتماعي و …. غيره ) ,كما يجب أن نهتم بابداعات الشباب واستثمارهم بدلا من الفراغ الذي يعيشونه حاليا .
لاشك أن مشكلة الانتحار هي مسؤولية الجميع , لكن على الدولة أن تتنبه الى خطورة هذه الظاهرة , وتتجرأ على ازاحة النقاب ومعالجة الأسباب التي تفضي الى ارتفاع نسبة المنتحرين , وتسارع الى وضع خطط وبرامج وسياسات اقتصادية واجتماعية عاجلة وعملية من شأنها أن تضع حدا لهذه الظاهرة , التي فتكت بالمئات من الشباب , وذلك من خلال حلول جذرية لمشاكله وفي مقدمتها الشغل والتنمية وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة وصون كرامة الناس في العيش الكريم وفتح الآفاق أمامهم .

لا تعليقات

اترك رد