هل تصبح عدد من مدننا و دولنا العربية أماكن غير صالحة للمعيشة


 
هل تصبح عدد من مدننا و دولنا العربية أماكن غير صالحة للمعيشة

أصدرت وحدة المعلومات و الدراسات التابعة لمجلة THE ECONOMIST قبل أيام تقريرا عن دراسة بحثية ل ١٤٠ مدينة حول العالم، و مدى توفر عدد من العناصر و المعايير التي تجعل هذه الدول أو المدن قابلة للحياة و المعيشة الهادئة المستقرة و السعيدة THE MOST LIVEABLE CITIES ، و ركزت الدراسة على قياس عدد من المؤشرات الرئيسية، هي : الإستقرار السياسي و الإقتصادي و الأمني، توفر العناية الصحية، البيئة و المجتمع، التعليم، و البنية التحتية ..

الخلاصة الأولية للتقرير أشارت إلى أن مدينة ميلبورن الأسترالية قد حصلت على لقب المدينة الأفضل للسنة السادسة على التوالي، تلتها مدينة فينا النمساوية، و من ثم ثلاثة مدن كندية على التوالي، فانكوفر، تورنتو، و كالغاري، فيما تعود مدينتين أستراليتين بالمركزين السادس و السابع هما، اديليد و بيرث، من ثم أكبر المدن النيوزيلاندية أوكلاند بالمركز الثامن، و في المركز التاسع هلسنكي الفنلندية، و المركز العاشر كان من حصة مدينة هامبورغ الألمانية، فيما خرجت مدينة سيدني الأسترالية من بين المدن العشر الأفضل حول العالم ..

و يلاحظ من هذه النتائج أن كل من كندا و أستراليا، قد سيطرتا على حصة الأسد ضمن المدن العشر الأوائل في مستويات العيش الآمن و المسالم و الصحي في العالم ..

في الجانب الآخر يلاحظ أن عالمنا العربي قد حصد أغلب المقاعد في أسوأ المراكز الأحد عشر الأخيرة، إبتداءا من بغداد العراقية في المرتبة ١٣٠، الجزائر الجزائرية في المرتبة ١٣٤، طرابلس الليبية في الموقع ١٣٩، و أخيرا و في ” كعب الدست “، مدينة دمشق السورية التي توجت هذا العام كونها المدينة الأسوأ، فيما كانت المدن الأخرى ما بين إسلامية أو أفريقية، و مع الأسف الشديد، بشكل عام لم يكن وضع عموم المدن العربية الأخرى مسرا و مفرحا كثيرا، فقد كانت معظم نتائجها مخيبة أو غير مرضية، فمثلا البحرين جاءت بالمرتبة ٩١، الكويت بالمرتبة ٨١، و دبي بالمرتبة ٧٤، أما طهران الإيرانية فجاءت بالمرتبة ١٢٦ ليس بعيدا كثيرا عن بغداد و المدن الأخرى السيئة ..
و قد شهدت عدد من المدن تدهورا في مستوياتها عبر السنوات الخمس الأخيرة، جاء معظمها بسبب أحداث العنف و الإرهاب و الصراعات الداخلية أو الحروب الإقليمية، و كان أكبر تدهور لمدينة دمشق التي كانت في المستوى الأسوأ، ، تبعتها مدينة كييف الأوكرانية، و ديترويت الأمريكية، و موسكو الروسية، و من ثم البحرين، ، و طرابلس الليبية، و سنت بطرسبيرغ الروسية، و باريس الفرنسية، و أثينا اليونانية، و كاراكاس الفنزويلية، و ربما بعض هذه النتائج غريبة و مفاجأة كما في حالة باريس مثلا، مدينة النور و السلام، كما هو معروف عنها، لكن إستنادا للمعايير و المؤشرات التي أعتمدت في هذه الدراسة توصلنا إلى هذه النتائج، حيث تسببت أحداث العنف و الإرهاب التي شهدتها المدينة في الفترة الأخيرة تدهور مستواها بهذا الشكل ..

الوضع المؤسف و الطابع العام لهذه الدراسات، أن معظم النتائج الإيجابية باتت حكرا و حصرا بعدد من الدول الغربية و الأوربية و الإسكندنافية، في حين أن معظم النتائج السيئة السلبية باتت حكرا بالدول العربية أو الإسلامية أو الأفريقية أو الشرق أوسطية بشكل عام، و أصبحت ليبيا و اليمن و العراق و سوريا بشكل خاص تتسابق فيما بينها في حصد جوائز الأسوأ من بين الأسوأ عالميا، مع تميز خاص للعراق في كثير من هذه الدراسات و البحوث و التقارير ..

و يلاحظ أن الأوضاع الأمنية و عدم الإستقرار كان العامل الأهم الذي ربما يؤثر سلبا على العوامل الأخرى، و من ثم على النتيجة النهائية، و هذا الواقع لا بد من الإعتراف به، فعدم الإستقرار السياسي، و الصراعات الداخلية و الحروب الأقليمية كلها تتسبب في إنخفاض مستويات العمل و الإنتاجية، و تدهور الفعاليات الإقتصادية، و هذا ما لاحظناه في ترتيب العديد من المدن حول العالم ..

فالحروب الأهلية و الإرهاب أثرت سلبا على مستويات المعيشة ، و كما أشرنا آنفا، في كل من العراق و ليبيا و سوريا و أوكرانيا، في حين أن بعض المدن في نيجيريا قد تأثرت نتيجة للصراع مع بعض الميليشيات أو فيما بينها، في حين أن بلد كبير و مستقر نسبيا مثل أميركا تأثرت بعض نتائجه نتيجة الصراعات و الخلافات التي أعقبت مقتل عدد من الرجال السود من قبل عدد من رجال الشرطة، و هذه المشكلة مرشحة لأن تتفاقم أكثر و أكثر و في أكثر من مدينة و ولاية أمريكية، كذلك الحال مثلا فيما يتعلق بالصين، و الخلافات الدولية حول بعض النشاطات في بحر الصين الجنوبي، و الخلافات و الصراعات المستمرة بين الهند و الباكستان بخصوص إقليم كشمير، و هكذا ..

ما يثير قلقنا في مثل هذه الدراسات و التقارير، أنها على الأغلب لن تنال أي إهتمام من حكومات الدول القابعة في أسفل الترتيب كالعراق و سوريا و ليبيا و اليمن و إيران و غيرها، لعدة أسباب، رغم أنهم الأولى و الأجدر بالإهتمام و الإستيعاب لهذه الدراسات، فربما يقفون اليوم عاجزين عن معالجة أسباب هذه الصراعات و الإضطرابات الأمنية و السياسية التي تحيط ببلادهم، هذه الظروف الإستثنائية التي ربما تمتد لسنين طويلة ، كما هو الحال في العراق مثلا، تتسبب في أزمات و صراعات متفاقمة، سياسية و إقتصادية و أمنية ..
و من أهم مظاهر هذه الأزمات مؤخرا موضوع المهاجرين و المهجرين و اللاجئين حول العالم، حيث أشار تقرير لأحد المنظمات الدولية مؤخرا، أن أعداد هؤلاء المهاجرين و المهجرين و اللاجئين قد بلغ ما يقارب من ال ٦٠ مليون شخص، و هذا رقم مهول ربما لم يسبق الوصول إليه، و ما يثير الحزن و الألم و الشفقة، أن هؤلاء المهجرين و المهاجرين و اللاجئين لا يلقون الإهتمام و الرعاية الكافية لا من قبل المنظمات الدولية و الإقليمية، و لا من قبل دول الجوار، و لا حتى من قبل الدول الكبرى و الغنية، بل البعض أصبح يصرح علنا أن هؤلاد أصبحوا عبئا و مشكلة و أزمة عالمية يعصى حلها و معالجتها، رغم إننا لو رجعنا و حللنا حقيقة أسباب هذه الأزمات لوجدناها نتيجة لحروب و صراعات موجهة و تدار من قبل الدول العظمى من إجل إدارة و حماية شؤونها و مصالحها حول العالم ..

ما نخشاه أن يصل بنا الحال، و خاصة في منطقة الشرق الأوسط، و ربما وصلنا فعلا في البعض منها، أن تتحول معظم مدننا إلى مدن طاردة للبشر، غير قابلة للعيش الآمن السليم الصحي، و أن يتحول سكان هذه المدن شيئا فشيئا إلى لاجئين و مهجرين و مهاجرين و ساكني خيم و مخيمات ، داخل أو خارج بلادهم، و ما نشم رائحته بقوة إنها عملية تغيير ديموغرافي جغرافي تاريخي سياسي سكاني ديني طائفي عرقي تجري هنا و هناك، لكنها أكثر وضوحا في عموم البلاد العربية و الإسلامية، خاصة منطقة الشرق الأوسط و الشمال الأفريقي، و هناك عدد محدد و واضح جدا من الجهات و الدول المستفيدة من كل ما يجري، و لكي نفهم ما يجري علينا الصبر و الإنتظار و متابعة الخيوط المتفرقة المتناثرة هنا و هناك التي تجمع كامل هذه القصة المقيتة المحزنة ..

المقال السابقفي ثقافة الاحترام
المقال التالىالإيمان والموسيقى؛ وجهان لمعزوفة واحدة اسمُها السّلام
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد