الإيمان والموسيقى؛ وجهان لمعزوفة واحدة اسمُها السّلام


 
الإيمان والموسيقى؛ وجهان لمعزوفة واحدة اسمُها السّلام

​الموسيقى وحيٌ أُنزل على الإنسان من سماوات الصّفاء والنقاء ليُعَرِّفَهُ بخالقه، ويُسْعِفَهُ بلغة جديدة يتواصلُ بها معهُ، تكونُ ترتيلةً من تراتيل الرّوح، وترنيمةً من ترانيم الفؤاد، وحبلاً سرّيّاً يُغذّيه بمصلٍ كونيّ ليس له مثيل. إنّهَا كالعشقِ تُفتّتُ بمائِها الزّلالِ قلبَ الصّخر، وتغسلُ همومَ النّفس وأحزانَها. وكالقنديلِ تطردُ العتمة من وجه النهار، وتفتحُ ذراعَيْها لمعانقة كلّ البشر مهما اختلفت لغاتهم وعاداتهم وانتماءاتهم. إنها الفنّ الذي يُجسِّدُ في أحسن صورة سرَّ الخلقِ والخليقة، وهيَ لهذا لصيقة بأهمّ الحالات والتجارب الروحية التي يمكنُ أن يمرَّ بها كلّ كائنٍ في حياته، وأعني بها تجربةَ العشق، ثمّ تجربةَ الموت والفقد، وكذا تجربة التعرفِ إلى اللّه، وهي أمُّ التجاربِ كلّها التي منها انطلقَ كلّ شيء، لذا فإنّ صوتَ الإنسان وحده يُعَدُّ في هذه الحالة غيرَ كافٍ للتعبير عمّا يختلج الفؤاد من المشاعر القوية الجارفة، وهذا ما يبرر لجوءَهُ إلى اختراع الآلات الموسيقية التي تُعَدُّ القيثارة أكثرها رقيّاً وصفاءً.
وكلّما تعمّقتْ علاقة الإنسان المؤمن بخالقه كانت موسيقاه أكثر نقاءً وسُمُواً وشفافية، وأصبحَ أكثرَ قدرةً على فهم أسرار لغة الكون المُشَفّرة بحِبْر الرياضيات، ورُزِقَ منطقَ الطّير والبحر والحجر، وأعْطِيَ مفتاحَ “وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُوراً”، لأنهُ المفتاح الوحيدَ الذي يُخْبِرُ عن لغة أهل السّماء.
​الموسيقى عارفٌ كبير يُحَدّثُ أهلَ الصّبرِ عن العرش والكرسيّ، ويعرفُ المعمارَ الداخلي لكلّ الأشياء. إنها ابنةُ النقطة وشقيقةُ الحرف، تجدُها في نبضِ القلبِ، وفي طرفةِ العين، وفي صوت الجنين وهو يطلُّ من عالمِ المشيمة بوجههِ المُشرق ليدخلَ إلى عوالم الصّدق والكذب، والبسمة والدّمعة. وتجدُها أيضا في ضحكات الأمّهات وزغاريدهنّ أثناء الأعراس ومواسم حصاد الحنطة وجني العنب والزيتون، كما تجدُها في تراتيلِ الرّجال وسط المعابدِ وتلاواتهم في المساجد وقدّاساتهم في الكنائس، وكذا في مآقي العرائس العذارى وهُنّ يبكينَ بعد الحروبِ موتَ مُحاربٍ حبيبٍ أو فَقْدَ جُنديّ قريب.
إنّها رفيقُ الرّوح في رحلة الحياة: رفيقٌ مُجَنَّحٌ لا يعرفُ مقامَهُ إلا الواصلون أصحابَ القلوب الخاشعة، والأرواح المرهفة الرقيقة السّابحة في بحار العلوم. رفيقٌ يراهُ الأعمى والمُبصر منهم، ويسمعُ حرفَهُ الأبكمُ والأصمّ فيهُم، لأنّها من أمرِ ربّي، روحاً تتجلّى مِن الدّاخل، وليس من الخارج أبدا، لذا تجدُ حتّى الأصمَّ يعرفُها، ويسمعُها بأذن غير الأُذن، فيصبحُ ضوءُ الفجر بها عندهُ مسموعا، وأنفاسُ الحبيبة معزوفةً لا يعادل صفاء لحنها شيء، وحضورُ اللّيل نوتةً لا يُمكن عزفها أبدا ما لم يبلغ الفؤادُ مقامَ السلام. لذا فإنّ أجملَ المعزوفات تلكَ التي يعرفُها أصحاب “وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰما”، لأنّهُم أهل السّلامِ الحقّ، أنبياء بدون رسالة وعُلماء بدون كراسٍ، وعرفاء بدون خرقة، ولأنّها وحدَها الموسيقى توحي لهُم بالجمالِ، وتأخذهم إلى فراديس الرؤية والمشاهدة، وجنان الخلّة والوفاء واللّقاء. ولأنّها وحدها الخمرةُ المعتّقة التي ماذَاقَهَا بشرٌ إلّا وعافَتْ نفسُه كلَّ حانات الأرض وأهلها، واللّحنُ البلّوري الذي منْ سمعَهُ ظهرَ لهُ سيّدُ السلام، وحظِي منهُ بقُبْلةٍ فوقَ الجبينِ، تظلُّ متلألئةً بين عينيه إلى ما شاء الله، وتصبحُ نبعاً يأتي إليه كلّ أهل الموسيقى ليغرفوا منهُ ما يطفئُ ظمأَ الرّوح ويُشْفي أسقامَ القلب والجسد، ويبدّدُ وحشةَ الأماكِنِ.

لا تعليقات

اترك رد