فِراق

 
فِراق.. للكاتب جمال حكمت عبيد #العراق #قصص
لوحة للفنان مراد عبد الله

في احدى أسواق دولة الانتظار، حيث كانت السوق غاصة بالناس، وعند تلك المسافة التي بيننا ..خالني وجه امرأة أعرفها، هفا قلبي اليها، كنت قد فارتها من زمان..
تسمَّرت في مكاني واشرأب عنقي نحوها.. أرنو اليها أتبعها بنظراتي؛ لكيلا تتوه عني، وشعاع عبْرَ الأثير صار يخرج من عيني، يريد أن يخطفها ويجذبها لي..
 لحظة مرَّت.. استدارت بوجهها نحوي، كأني رمقتها بنظراتي وأحسَّتْ بي   …
 أخذَتنا الدهشة والعجب. حلمٌ جمَعنا.. خطونا نحو بعضينا. ادنو اليها، تدنو لي؛ حتى اقتربنا عند فسحة صغيرة التقينا..
 لبثنا صامتيْن، وعيوننا شاخصة، انفصَلت في تلك اللحظة كل معالم الوجود عنّا، ونسينا الناس من حولنا.. نتعبد بوجهينا كأننا في صومعة راهب
زمنٌ طويلٌ مَرَّ على فراقنا، تألمنا به وشقينا بهوانا، سرق منّا أحلامنا وأخذَ معه ملامح وجهيْنا، ضاعت فيه أساريرنا وارتسم الملل فينا.
أنظرُ اليها، تنظرُ لي.. أتعقب كل قطعة أحببت فيها، وكياني المهزوز في تلك اللحظة كاد يخرج من صدري، تملكتني رغبة جامحة في الصراخ بأعلى صوتي.. أني وجدتها…
-هي أنتِ
قالت: هو أنتَ
نداءُ عقلي أخذني نحو أصابعها؛ أخاف رؤية طوق لامع فيها.. رفَعْتُ رأسي اليها رأيتها تتفحص أصابع يدي…وابتسمنا..
سرور في تلك اللحظة غمرنا …
مددتُ يدي نحوها.. تسللتْ بهدوء اليها.. فتصافحنا.
شعرتُ بإغفاءة أصابعها وهي تتلملم في حضن كفِّي.. ضغطت كفّها بكفّي وإذا بسيل متدفق هادر في داخلي أشعلَ كل قناديلي، فبانت مخابِئ لوعة الفراق في جسمي، واستباحت أوراقي القديمة المرمية فوق رفوف ذاكرتي…عندها اكتمل احساسي بها وسلّمْتها كل رسائلي.
حرّكَت ابهامها، واخذت به تداعب كفّي؛ كأنها تقول لي: تسلمت كل رسائلك يا عمري
 لم اكُ اشعر بجمال المدينة ورائحتها سوى اليوم.. لقد عادت أسارير الفرح فينا.. ابتسمنا وابتهجنا، كأن كل واحد منّا رسم للآخر أن لا فراق بعد هذا اللقاء، والقدر قد أعاد لعبة الحظ الينا..
أسألها.. وتحدثني عن حالها.. اصغي اليها.. أكاد أغفو بين شفتيها القرمزيتين التي طالما شربتُ الحنان منها.
شكراً لك يا إلهي لم تنسني..
هاتفها النقال يدق..
ألو نعم..
– نحن من دائرة الهجرة، نحيطكِ علماً إن دولة الاستيطان وافقت على طلبكِ…فاستعدّي للسفر
ارتبكَتْ نظراتها. لم تقو في إخفاء الحزن على وجهها.. تنظر بوجهي لا تعرف ما تقول لي..
انقبض صدري والتاع فؤادي. تطوحتُ كالسكران في مكاني، لم أعد أحمل نفسي، وحيرتي كبست على فمي؛ كأني شرِبْتُ كل قوارير الخمر دون أن أدرى.
عاد الصوت في داخلي يصيح يا لحظّي العاثر وخيبة أملي.. أما زلتَ أيها الخائب فيّ تلاحقني..
تحيرت دمعة في عينيها.. كادت تنطق خجلاً وتأسفاً…فأطبقتُ كفّي على فمها 
صعب الكلام عليّ وأنا أداري حيرتي.. تمتمتُ بصوتٍ خفيضٍ
-أتمنى لكِ السلامة وراحة البال في بلدك الثاني، يا……
دمعةٌ سقطت من عينها وانحدرت على خدها.. مسحتها بيدي وشكرتني..
حملَتْ نفسها وذهبت.. أنظر اليها وحسرة الخجل في عيني حتى توارت عني. كأنها لمح الشِّهابُ إذ أبرَقت في السماء وانطفت   
أخذتُ وجهي ومضيتُ في طريقي. العن الشتات.. حاملاً معي لوعة الغربة وخيبة الفِراق.

لا تعليقات

اترك رد