بنادق الشعب وجيش الدولة!

 
بنادق الشعب وجيش الدولة!

في ثمانينيات القرن الماضي، واثناء الحرب العراقية الايرانية، كان بعض العراقيين، تزعجهم عبارة، يكررها الاعلام باستمرار، تقول .. نحن نقاتل نيابة عن الأمة! مع انها عبارة تعبوية، لاتقدم ولاتؤخر.. لكنهم يرون انها تجعلهم اشبه بالمستأجرين للقتال، فيما غيرهم او (مستأجروهم) يتنعمون بالسلامة والحياة الآمنة، او هكذا يتصورون … فالانسان حساس تجاه ابسط الاشياء، لاسيما اذا كانت تلامس وجدانه او تدغدغ مشاعره .. العبارة عادت بثوب جديد بعد العام 2003 عندما راح المسؤولون العراقيون يكثرون من عبارة تحاكيها، مفادها، اننا نتصدى للارهاب نيابة عن العالم! وباتت هذه العبارة شائعة جدا بعد احتلال داعش لبعض المحافظات والمدن العراقية، اذ اصبح المسؤولون جميعا يقولونها وفي اكثر من محفل محلي وعربي ودولي، على امل الحصول على دعم العالم للعراق، لكن الكثيرين من العراقيين ايضا، وجدوا في هذه العبارة قسوة على مشاعرهم، وبات لسان حالهم يقول؛ هل كتب علينا ان نبقى نقاتل نيابة عن الاخرين الى اخر الدهر؟!.

المفارقة اللافتة في الخطاب السياسي العراقي بعد العام 2003 تتمثل في كون المسؤولين العراقيين، او اغلبهم، ظلوا حريصين على تكريس الثقافات الجهوية بين ابناء الشعب، بغية جعل المحاصصة الطائفية والعرقية واقعا ومنهجا في ادارة الدولة، وكان من ابرز افرازاتها، ما نسمعه اليوم من البعض حين يقولون لاخوانهم في المناطق او المحافظات المحتلة من قبل داعش، جئنا لندافع عنكم او لنحرر مدنكم! مقابل قول آخر لبعض ابناء تلك المدن، مفاده، اننا مسؤولون عن تحرير مناطقنا ونرفض مشاركة هذه الجهة او تلك في تحرير ارضنا! والملاحظ هنا غياب البعد الوطني في الخطابين، فالاول، ينطوي على منّة، وان لم يكن كذلك، او هكذا يقرأ، والثاني ينطوي على عدم الاعتراف بالشريك الوطني لمواجهة التحديات المصيرية.

وكل هذا مرده الى الثقافة الجهوية التي باتت هي الاكثر حضورا في وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة والتي اسهمت في صنع مزاج مشوه لدى البعض. كون القوى السياسية التي حكمت البلاد بعد الاحتلال، عملت من حيث تقصد او لاتقصد على الترويج لذلك، منطلقة من فكرة المكونات التي اتت على حساب المواطنة، وتقسيم الشعب على اساسها، لتصبح صورة الوطن مجزأة في اذهان البعض ممن صاروا لايرون عراقا واحدا للجميع بقدر ما يرون عراقات متعددة، وبمقاسات الطوائف والاعراق، ولكل منها ثقافته ورموزه السياسية والدينية والقومية.

قبل ايام، تحدث احد المسؤولين الكرد، وذكر بان المناطق التي تدخلها البيشمركة لن تخرج منها، لان البندقية الكردية ليست للايجار! واراد القول، ان مايجري من حرب مع داعش في مناطق لانراها لنا، لانذهب للقتال اليها، ونقاتل فقط في المناطق التي نراها جزءا من الاقليم. وهذا القول يصح تماما لو ان الاقليم لم يكن ضمن الدولة العراقية، والبيشمركة ليست جزءا من المنظومة الامنية والدفاعية للدولة العراقية، التي يجب ان ينتخي جميع ابنائها للدفاع عنها، مثلما قد يصح قول الذي يرى نفسه يقاتل في مناطق يسكنها عراقيون من غير مذهبه او طائفته، وان قتاله هناك بمثابة تفضّل او منّة. وكذلك يصح قول من يرفض مشاركة المقاتلين من مناطق العراق الاخرى في تحرير الارض. لكن هذا لن يصح، لان الدولة العراقية لم تتأسس بعد العام 2003 بل قبل مائة عام وقبلها كان هذا الشعب متعايشا منذ آلاف السنين.

ختاما نقول، هذه الثقافة بالذات، يكمن فيها داء العراق الذي علينا جميعا ان نعمل على استئصاله، لان اهم واقوى سلاح يستخدمه الاخرون ضدنا هو الاشتغال على الثقافات الجهوية، التي بات البعض يعبّر من خلالها عن الدولة، ليحقق مكاسب معينة، ما يجعل العراق يخسر ذاته ومعناه كدولة وشعب، ليس على الواقع من خلال انحلاله وتفتته، لاسمح الله، بل ستتشوه صورة العراق في نفوس ابنائه، ولم يعد هناك شعور وطني عميق وحقيقي لدى بعض العراقيين ممن يتأثرون بهذه الطروحات ويرون أنها باتت من المسلمات في ثقافتهم الوطنية اليومية.

المقال السابقيوسف شاهين والتاريخ كما يراه
المقال التالىرصاصة وبكاء
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد