فلاحون يصبحون فرنسيين : تمدين الريف الفرنسي ، ١٨٧٠-١٩١٤….ح٣

 
فلّاحون يصبحون فرنسيين : تمدين الريف الفرنسي , ١٨٧٠-١٩١٤ .... ح١

Peasants into Frenchmen , The Modernization of Rural France , 1870-1914
By : EUGEN WEBER
( Stanford University Press , 1976 – 615 pages – )

عرضنا في الحلقتين الماضيتين واقع حال الريف الفرنسي أواخر القرن التاسع عشر ثم الوسائل التي اعتمدت من اجل تعميم حياة التمدن فيه وخلق روح المواطنة الفرنسية العامة واليوم نعرض كيف بدت نتائج فعل هذه الوسائل في مختلف مناحي الحياة كمؤشرات على هذه النتائج حيث بدأت مفردات الحياة اليومية في الريف بالتفكك ، ونعرضها بشكل خلاصات نهائية كما اوردها المؤلف بحكم طبيعة حجم المقال .

١- الاحتفالات الدينية والعطل :
تضاءلت الأعياد المحلية ذات الجذور التاريخية العميقة وأصبحت الأعياد والمناسبات الوطنية العامة تحل محلها تدريجياً . لقد تحولت بعض المناسبات مثل عيد راس السنة الجديدة وعيد ميلاد السيد المسيح الى مناسبات عائلية ، وذات الامر حصل لبعض المناسبات الدينية المقدسة مثل التعميد والزواج . لم تعد هذه المناسبات تترافق مع الولائم العامة او تقديم الطعام والشراب بإسراف ؛ لم تعد هنالك ايام مقدسة holy days بل تحولت الى ايام عطل holidays بمعنى ايام للراحة والاسترخاء والفكاك من روتين الحياة العملية اليومية عكس الاحتفالات القديمة التي كانت تعزز رابطة الناس ببيئتهم اليومية . لقد تبدل مضمون الاحتفالات ، أذلكم تعد تمجيدا للزمن كاحتفالات المواسم ، ولم تعد تمجد العمل مثل الحصاد ولا القديس او ما يرمز اليه . لقد ترافق ذلك مع انتشار التعليم وانتشار الفهم العقلاني لأحداث الطبيعة والكون ، كذلك كان لانتشار أساليب الزراعة الحديثة وزيادة خصوبة الارض بالوسائل الصناعية اثره في ابطال الكثير من العقائد القديمة التي تكمن خلف الاحتفالات التقليدية بشأن الخصوبة والحصاد الأوفر .

٢- الاسواق والمعارض :
لقد لعبت الاسواق والمعارض دوراً مهماً في دورة الاقتصاد الريفي لزمن طويل . لقد كانت الاسواق والمعارض تلعب دور المحلات التجارية التي لم تكن موجودة في الارياف وكان الناس يشترون احتياجاتهم من تلك الاسواق والمعارض ذات الطبيعة الموسمية . ومع تزايد اندماج الاقتصاد الريفي بالاقتصاد العام في البلاد تزايدت أهمية هذه المعارض والأسواق وأصبحت في بعض جوانبها ذات طبيعة شبه دائمية وأخذ الناس يقصدونها بشكل يومي او متكرر لشراء احتياجاتهم الحياتية اليومية اضافة الى السلع الصناعية التي بدات تغزوها مع تصاعد وتيرة التصنيع في البلاد .
تحولت المعارض والأسواق الى مناسبات للقاء بين الريف والمدينة وأصبحت وسيلة لنقل أسليب الحياة المدينية الى الريف فيما كانت وسائل التحديث الاخر تفعل فعلها وبدأت الثقة بين الفلاح وتاجر المدينة تحل محل الهواجس وعدم الاطمئنان التي سادت تعاملهما فيما مضى . لقد لاحظ بعض المؤرخين ان الفلاحين أصبحوا يتعلمون الفرنسية من خلال الاسواق أفضل مما كانوا يتعلمونه في المدرسة كما كانوا يتعلمون أصول التعامل التجاري المتمدن الذي يتماشى مع متطلبات اقتصاد السوق بل لاحظ المؤرخون ان الفلاحين أصبحوا في بعض مناحي التعامل التجاري اكثر حذاقةً من تجار المدينة الذين اشتهروا باللغة المنمقة . لم يعد السوق مكاناً للتبادل التجاري فحسب بل اطاراً لتشكيل العقلية القائمة على حساب الفوائد والنتائج وهي أساليب تفكير جديدة بالنسبة لابناء الريف ولكنها كانت من المتطلبات الاساسية لتسهيل الاندماج بالمجتمع الوطني العام مادياً وفكرياً .

٣- السهر وتمضية الليالي :
في الماضي كانت ليالي الريف في الشتاء الفرنسي طويلة وموحشة وكانت الظروف تقتضي التقتير في إشعال نيران التدفئة او الإضاءة وغير متوفرة في اكثر الأحيان . وكانت من العادات الشائعة ان تجتمع الأسر المتجاورة في مكان واحد ، في الاسطبلات أحياناً ، لغرض التوفير في مواد الإضاءة والتدفئة . كانت هذه لاجتماعات ولأسباب تتعلق بالتوفير تضم أفراد الأسر من الجنسين ومن جميع الإعمار لكن تحسن مستوى المعيشة أدى الى تحول جوهري حيث بدأ الشباب يعزلون أنفسهم عن الأكبر سناً كما اصبحت اكثر ترفاً حيث تغطى الموائد بالشراشف ويقدم النبيذ اضافة الى انواع مختلفة من الأطعمة لذلك بدات تأخذ طابعً طبقياً الى حد ما ، حيث تتباين إمكانات الأسر على تقديم مستلزمات الضيافة . المهم في الامر ان هذه اللقاءات كانت الوسيلة النموذجية في مجتمع الريف أواخر القرن التاسع عشر التي يتم من خلالها نقل الثقافة المجتمعية من جيل الى جيل ، حيث كانت تروى القصص الخاصة بالعصور الماضية مع كل ماتتضمنه من خيال ومبالغات وأساطير . كانت حتى ذلك الحين تمثل وسيلة من وسائل ديمومة المجتمع الريفي التقليدي . يلاحظ المؤرخون ان عادات السهر هذه بدات تتقلص وانقرضت بمرور الوقت وخاصة مع حلول القرن العشرين حيث اختفت تماماً من حياة بعض المجتمعات الريفية كان لتحسن الطرق الدور الكبير في تسهيل انتقال الناس لقضاء أمسياتهم في أماكن بعيدة نسبياً عن حقولهم في مراكز البلدات والمدن .وهكذا اصبح الشبان يمضون سهراتهم في المقاهي خاصة بعد انتشار وسائط التنقل الفردي مثل الدراجات الهوائية اما كبار السن فقد تحولت اهتماماتهم الى أصناف اخرى من الأمور خلال سهراتهم ؛ لم تعد صناعة الحبال او حياكة السَّلات مجزيةً من الناحية الاقتصادية فتحولوا الى لعب الورق .

٤- الحكمة المرويّة :
مع انتهاء عادات السمر والسهر فقد ماتت احدى وسائل نقل المعرفة الشفوية من خلال الحكايات والامثال والضرائف وكذلك الحديث عن الذكريات الشخصية . يعتمد الفلاحون عموماً في أحاديثهم اليومية على عدد من العبارات النمطية التي تعبر عن أفكار عامة ، حيث يكثرون من تكرار الأمثال والأقوال المأثورة والتي تمثل انصهار شخصيته في بيئته وتربة ارضه وتكمن فيها جميع مقتنياته الفكرية ولايتعداها الى مخزون فكري عداها . ويعتبر الفلاحون ان حصيلتهم من هذه الحكمة الشفوية هي جزء من تحوطاتهم المعرفية ضد الاخطار ولذلك كان احد الأمثال يقول ” الكلمات القديمة هي الكلمات الحكيمة ” وبهذا تعتبر الأمثال نوع من الأيديولوجيا مضغوطة في عدد محدود من الكلمات لانها تعبر الى حد كبير عن قواعد التنظيم الاجتماعي ومكانتهم فيه كما تساعدهم على التكيف مع محيطهم الإنساني ؛ كذلك الحكايات القديمة المتداولة بين الفلاحين والتي يستند بعضها الى احداث تاريخية وكانت حرب الثلاثين سنة الدينية قد شكلت مصدراً للكثير منها ؛ تعكس هذه الحكايات المواقف الاجتماعية وأنواع التوتر التي تسود في المجتمع . مامن شيء في الطبيعة او الحياة الا وتجد له مثلاً او حكاية تناسبه وتعكس مضمونه والدروس المستقاة منه . بمرور الوقت وتطور المعرفة بدا الناس بالانصراف عن هذا النوع من المعرفة . لقد تعددت مصادرها وتنوعت وتشعبت حتى لم تعد الحكم القديمة قادرة على استيعابها واتضح شيئاً فشيئاً انه ليس كل الكلام القديم كلام حكيم بعد ان حلت محلها المعارف الجديدة مع قدوم علم المدينة والمعرفة . ذات الشيء حدث للموسيقى والغناء الريفيين .
خدمت الموسيقى والغناء أغراض محددة في الحياة الريفية . كانت تعكس حياة الفلاحين والرعاة وأصناف الناس الاخرين . كانت للفلاحين أغانيهم والرعاة أغانيهم وللفقراء والمتسولين على الأبواب أغانيهم وكانت النساء في المنزل يتعرفون على ساعة عودة أزواجهن من خلال سماعها لأغانيهم على الطريق . كان الغناء مهماً في الحياة العامة في الريف . لو اراد احد إيصال أفكاره فما كان عليه الا ان يصوغها في أغنية ؛ هكذا كانت تنشر تعليمات الأطباء عند حصول الأوبئة . كانت الكثير من الأغاني تعبر عما يمكن وصفه بالأمنيات والأدعية وكانت إيقاعاتها تتناسب مع الأصوات التي يسمعها الناس يومياً مثل أصوات الطيور او أصوات انوال النسيج .دخلت العلوم ومنتجاتها المعرفية في ميدان الزراعة مثل السمدة ومكافحة الحيوانات الضارة بالمزروعات والطب والمدارس ، كلها جعلت من الفنون القديمة غير ذات موضوع ثم جاءت الحرب العالمية الاولى وتوقف الناس عن ترديد أغاني الريف خلال فترة الحرب فأصبحت نسبياً منسياً وحلت محلها ألوان الغناء المديني الحديث وآلاته الموسيقية الحديثة وخاصة تلك القادمة من امريكا مع الجيوش الامريكية من خلال الجنود الفرنسيين الذين احتكوا بالجنود الأمريكان وعادوا الى قراهم مع ماتعلموه من موسيقى وغناء ورقص من رفاق السلاح .

٥- الأوراق التي تتكلم :
تشكل الطباعة بوابة التمدن في العصر الحديث وفي فرنسا صارت المواد المطبوعة المقروءة منتجاً اصيلاً للحياة المدينية . كانت الكتب تباع في أماكن عديدة ابتداءا من محلات التبضع الى محلات بيع الملابس المستعملة كما بدات في منتصف القرن التاسع عشر حركة انشاء المكتبات العامة رغم قلة استخدامها . ودون الخوض في تفاصيل كثيرة لايتسع لها المقال فقد كان لتحسن الطباعة والقدرة على انتاج انواع خفيفة ورخيصة من الورق مما يسر انتشار الصحافة التي وجدت طريقها الى الارياف وقد شكلت الجسر الذي عبرت من خلاله خصوصية الأقاليم الى المستوى الوطني والعكس بالعكس اذ حلت القضايا الوطنية العامة محل الاهتمام الاول في الأقاليم . كان للمدارس دورها في تيسير قدرة الناس في الارياف على قراءة الصحيفة وتطوير معرفتهم باللغة الفرنسية بل وساعدت الصحافة على تعميم اللغة الفرنسية في أنحاء الارياف رغم ما واجهته من صعوبات بالغة في الوصول الى مدارك الطبقات الريفية الدنيا بسبب تدني إلمامها بالفرنسية المكتوبة حتى وقت متاخر من القرن التاسع عشر . لقد استطاعت الصحافة تجاوز هذه الصعوبات من خلال استخدامها لغة مبسطة مفهومة للعموم ومع تزايد هذه الظواهر فقد بدا اهتمام القرّاء الريفيين يتحول الى نوع جديد من القضايا ذات الطابع العام الذي يتجاوز محيطهم المحدود كما وجدت الصحافة الحزبية السياسية طريقها الى مدارك الفلاحين .

٦- معايير الحياة الجديدة :
مع حلول القرن العشرين شهدت الارياف تفككاً كبيراً في منظومات التفكير اليومي . لم يعد الفلاح يفكر في اقتصاد الاكتفاء الذاتي بل تحول ، شانه شان عمال الصناعة والحرفيين ، الى التفكير في اقتصاد النقود وان المزيد من العمل يعني المزيد من الإنتاجية والخصوبة لقد سيطر اقتصاد النقود في نهاية المطاف على العملية الإنتاجية في الريف وقد أدى ذلك الى تراجع الاهتمام بأنواع معينة من العمل ، فلم يعد الفلاح يسعى لإنتاج كل احتياجاته بل نشأت انواع من التخصصات داخل القرية او الإقليم . تخصص البعض بصناعة الحبال واخرون بخشب التدفئة وغيرهم بالبناء والتشييد وساد تخصص العمل الراسمالي .
بالإجمال ، فقد سادت في الارياف أنماط جديدة من الحياة والتفكير مختلفة عما الفه الناس في الماضي . كان دخولهم الى القرن العشرين يتسم بروح جديدة اكثر انفتاحاً على العالم البعيد عنهم وأخذت أماط تفكيرهم تأخذ الطابع الوطني العام وأصبحوا يجدون أنفسهم في هذا الأفق الجديد الي ما ان تذوقوا طعمه حتى ادمنوه .
في نهاية المطاف نشأت الهوية للفرنسية التي نعرفها اليوم ، لم تكن شيئاً موروثاً او معطى بل عملية تراكم حياتي وفكري وثقافي متصاعد خطوة خطوة عبر مسيرة طويلة ومن خلال وسائل مثل التعليم وتعميم الثقافة المطبوعة والمواصلات والخدمة العسكرية الموحدة وتعميم المنافع الاجتماعية التي وفرها التقدم الوطني العام على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

لا تعليقات

اترك رد