فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد

 
لاشك في أن الرؤيا الجمالية من أهم مغريات الخلق الإبداعي،ومؤثرات الإبداع عامة ،سواء الشعري أم غيرها من أشكال الإبداع

لاشك في أن الرؤيا الجمالية من أهم مغريات الخلق الإبداعي،ومؤثرات الإبداع عامة ،سواء الشعري أم غيرها من أشكال الإبداع،وتقاس درجة إبداع المنتج الشعري بمستوى أفقه الرؤيوي المتطور، ومنظوره الخلاق،وتكثيفه الإيحائي،وتعدد طبقاته ومرجعياته الإبداعية؛ والشاعر المبدع هو الذي يطور في رؤياه، تبعاً لمقتضيات فنية تفرضها طبيعة التجربة الشعرية، وعمق المقصدية، ودرجة الوعي الجمالي باللغة، ومفاصلها الحساسة في التشكيل النصي، وقبل الخوض في غمار البحث لابد من الوقوف على بعض التعريفات والتنظيرات فيما يخص هذا المصطلح،وفق ما يلي:
1- تعريفات وتنظيرات:
إن الرؤيا الجمالية هي الحبل السري الذي يصل المبدع بمنتجه الجمالي أولاً ، ومتلقيه المبدع الحساس للمنتج الفني ثانياً؛ والنص الإبداعي لا قيمة له بمعزل عن متلقيه الجمالي الحساس الذي يمتلك الخبرة الجمالية في تقييم هذا المنتج الإبداعي، وفق أسس جمالية، وحس جمالي فاعل أو مركَّز،ولهذا فثمة إيقاع جمالي في عمق الروح يتحثثه المرء إزاء انفتاحه على العالم،والإحساس بالوجود، والأشياء المحيطة به، وبهذا المعنى يقول الناقد أحمد الشايب:” العالم حركة، وخلال كل تغيراته هناك إيقاع جمالي مستمر، وعندما يوافق إيقاع نفوسنا إيقاع الأشياء في الكون تكتسب الأشياء حقيقتها ومظهر جمالها”( ).
وهذا يعني: أن ثمة اندماجاً روحياً بين رؤيا المبدع الجمالية، ورؤيا المتلقي الإبداعية التي تترجم هذا الإحساس الجمالي إيقاعاً داخلياً يتمثل في التفاعل والتلاقي الروحي بينهما، أي خلق نوع من “التناسق الهرموني في نفس القارئ ” ( )،بين الشكل الجمالي للنص،والرؤيا التي يضمرها القارئ في داخله وباطنه الشعوري.
وهذا التلقي الروحي هو ما يجعل العمل المنتج يستحوذ على خاصيته الجمالية، أو الإبداعية، نظراً إلى ما حققه من لذة، ومتعة، وسلاسة شعورية لحظة تلقيه، فالشاعر مثلاً يستجر اللغة؛ ليخلق منها نفثة جمالية من نفثاته الشعورية المحتدمة، ولهذا، سُمِّي الشاعر” جلاداً رقيقاً يعذب اللغة”( ). لأنه” يختار الكلمات بعناية للبحث عن رنين الألفاظ، أو غرابتها، أو ندرتها لدرجة ترغمه أحياناً أخرى على وضعها في المكان المناسب لها في أتون الأرض بحيث يجذب بعضها بعضاً، أو يرد بعضها على بعض، لتعطي لنفسها ولجاراتها قيمة خاصة، أو يدفعه أحياناً إلى مجرد وضع معناها بصيغة غير طبيعية، أو إلى إحياء معناها القديم عن طريق إروائها من المنابع الأولى للغة”( ).
وهذا يعني أن الرؤيا الجمالية- في لغة الشعر- لتستحوذ على شعريتها لا بد من أن تخلق درجتها الفنية التأثيرية، بحنكة تصويرية، تحقق عنصر المتعة؛ والمفاجأة، والإثارة النصية؛ وبهذا المعنى يقول الناقد الجمالي (برادين):”إن الفنية الشعرية هي فنية السهو”( ). والسهو لحظة جمالية يغيب فيها الوعي لحظة الانشداه إلى ما هو ممتع ومثير جمالياً؛ وهذا يؤكد حقيقة قلما لمسها النقاد، وأشار إليها برتليمي وهي أنه:” كلما كان بيت الشعر جميلاً رناناً مشعاً بالإيقاع ابتعد عن منفعته الجمالية أو الشاعرية الإبداعية الحقيقية، وباختصار، كلما شغل بيت الشعر نشاطاتنا السطحية قلت نسبة احتمال دخوله في المنطقة الشاعرية للروح. فالإعجاب شيء والسحر شيء آخر، لأن العظمة تسطع وتبهر ليكون لها تأثيرها الكامل من حيث لفت النظر فحسب، ولا بد من وقت أطول ومكان أوسع لكي تنتشر الموجات الغامضة الهادئة، الساكنة للترنيم الشاعري .. إذ ليست المعجزة إطلاقاً هي بيت الشعر نفسه، بل هي شبكة من أبيات تسمح للتيار الشاعري أن يسري”( ).
ومن هذا المنطلق، فإن الإبداع الشعري جمالياً لا يخلد كمؤشر على التناسق، والانسجام فحسب، وإنما كمؤشر على الرؤيا الشعرية المنظمة للكلمات، والعبارات، والجمل بشكل لائق، أو رائق فنياً، في أتون نسيج لغوي محكم ومتناسق من العلاقات، والروابط الفنية المحكمة، وتبعاً لهذا؛ فإن:” التناسق الجمالي بين أجزاء البناء اللغوي للنص الشعري، وتآلف تلك الأجزاء وتناسبها هو لب الإيقاع ، فلكل حرف أو كلمة موضع في المجموع، وأساس من أسس الحركة الإيقاعية، والكل يؤدي عمله الخاص به، والمرتبط بما يسبقه، أو بما يليه من كلمات؛ ومن هنا، تعمل أجزاء النص الشعري لصالح المجموع، وعلى هذا الأساس، فإن جمالية الإيقاع لا ترتبط بمقاييس ثابتة يقوم على الخطأ والصواب، كما في الوزن الخليلي الذي يقوم على الصحة والاعتلال، لأن الإيقاع لا يقوم على قوانين محددة يمكن من خلالها أن يقيس الناقد جماليات القصيدة .. وعلى هذا، فإن المعنى الشعري والموقف الوجداني والقوة الإبداعية يشتركون معاً في تحقيق الإيقاع، وتقييم عناصره وتفضيل دلالاته( )،والإيقاع الذي تقصده الناقدة ليس الإيقاع الصوتي فحسب،وإنما الإيقاع الروحي للكلمات في شحن القصيدة بهذه السخونة الجمالية، والحس التعبيري البالغ الأثر والتأثير.
وتأسيساً على ما سبق، يمكن أن نعد الرؤيا الجمالية ريشة المبدع في ارتياد فضاء الكون محطماً تصاميمه، وتشكيله المعتاد، بتصاميم جديدة تسمو فيها الروح والمخيلة فوق مادية الأشياء، ومنطقية علائقها ، يقول الناقد الجمالي( جيور جيودي شريغو) :” سيتحرر الفن من خلال الفلاسفة والشعراء المحدثين”( ).لأنهم الأقدر على تشكيل العالم لانتزاع الجوهر أو الكشف عن ماهية الأشياء، وجوهرها الأصيل ؛ فالفن ما هو إلا رؤية الجوهر، أو الكشف عن روحانية الوجود وعصارة الأشياء ، ولا يمكن للفن أن يرتاد السطح دون العمق، إذ ثمة إشعاعات جمالية يوجهها الفن إلى متلقيه؛ وهذه الإشعاعات لا تعطينا كليتها ، وإنما تمنحنا جزءاً من الرؤيا، لنتابع فاعلية الكشف، والبحث الجمالي عن كنه ما يخفيه العمل الإبداعي الأصيل؛ لهذا، فإن الكثير من علماء الجمال لا يقفون على الشكل الجمالي، بوصفه منجزاً فنياً نهائياً؛ وإنما يبقى في طور التوالد، والنمو، والتكاثر المستمر؛ وهذا ما أشار إليه بول كلي في قوله:” لا يجوز أن ننظر إلى الشكل بوصفه إنجازاً نهائياً باعتباره نتيجة نهائية، بل يجب أن ننظر إلى الشكل بوصفه سفر تكوين ونشوء ، بل هو تكون صيرورة ،وكينونة.حسن اعتبار الشكل حركة فعلاً . حسنٌ هو الشكل اليومي المتغير. حسنٌ هو اعتبار الشكل هدوءاً ونهاية. حسنٌ هو التشكيل. سيئٌ هو الشكل. الشكل : نهاية، موت، والتشكيل حركة في فعل. التشكيل فعل حياة”( ).
فالذي يمنح الشكل الفني جماله واتزانه الرؤيا الجمالية الخلاقة التي هي مثار الإدهاش في إنجاز أي عمل إبداعي مثير أو مؤثر فنياً، وهنا نتساءل:
هل الرؤيا الجمالية خاصية إبداعية تتعلق بالمبدع؟! أم بالمتلقي؟! أم بكليهما معاً؟! .ماهي مقومات الرؤيا الجمالية الفاعلة أو المحرضة للإحساس الجمالي و الخبرة الجمالية؟ ومتى ترقى الرؤيا الجمالية وتستمد خاصيتها المؤثرة؟! وما هي السبل المؤدية إلى تغذيتها في المبدع أولاً والمتلقي ثانياً؟!
نقول:
إن الرؤيا الجمالية وليدة إحساس جمالي أولاً، وخبرة جمالية ثانياً، ونفس مشبعة نبضاً وإحساساً دافقاً بالأشياء الكونية المحيطة بالذات؛ ومن هنا، فالمبدع لا يستمد رؤيته الجمالية من فراغ، وإنما من حصيلة خبرات، وتجارب، ومعارف وجودية، وكونية سابقة وعميقة في الآن ذاته؛ تذهب مباشرة عبر منتجه الجمالي، لتتغلغل إلى مشاعر وأحاسيس المتلقي، ليس لاستساغتها فحسب، وإنما ليتفاعل معها؛ وبقدر ما تحقق الرؤيا الجمالية خاصيتها الإبداعية بوصفها محرضاً إبداعياً للخلق والتأثير، تزداد درجة إثارتها عمقاً وأثراً في المتلقي، وترقى الرؤيا الجمالية في كليهما معاً.
والمبدع- من منظورنا الجمالي- هو القادر برؤيته الجمالية على بلورة الحدث الفني الفاعل، أو المؤثر الذي يستثير الرؤيا الجمالية، بل ويحفز منتوجها في العمل الإبداعي المنتج، خاصة عندما يختار الحدث الفني المؤثر رؤيوياً، يقول الناقد الجمالي( كيتس):” إن الفن قد يكون الطريقة الوحيدة التي تتوفر لدينا لتجميد اللحظة ووقف تدفق الزمن”( ). وهذا؛ لن يتحقق إلا عبر الرؤيا الجمالية التي تمثل قناة الاتصال الحقيقية بين المبدع والمتلقي، فالرؤيا الجمالية هي التي ترسم الأشياء، وتبلور حيزها الجمالي المؤثر لاستثارة الرائي أو المشاهد إلى ماهية العمل الفني، ومنتوجه الإبداعي المؤثر؛ وهذا يدل أنه: “حين تجابهنا أحداث غنية بالمعنى في الحياة، فإننا نفقد الإرواء إذا أوقفنا الحدث؛ ومع ذلك فحالما نقوم بالعمل، فلا بد للحظة المرتوية أن تمر. إن الفن يقوم حقاً بوقف الحدث، ويجعل اللحظة أزلية نسبياً”( ).
وهذا يعني أن لحظة الإرواء الدسمة جمالياً هي لحظة تفاعلنا مع العمل الفني الإبداعي، واستكناه لغزه الإبداعي، ورؤيته الجمالية؛ ولحظة الإرواء، أو إشباع هذه هي لحظة التلقي الجمالي للعمل الإبداعي المؤثر؛ إنها لحظة الاستثارة، أو التأثير التي يبثها المبدع في منتجه الجمالي؛ ولهذا قال أحد الرسامين واعياً بهذه القيمة:” أود لو أنني في أحد الأيام أمسك بلحظة من الحياة في جمالها الكامل ذلك سيكون اللوحة المطلقة”( ).
وهذا يدلنا على أن اللحظة الجمالية التي يؤطرها العمل الإبداعي المثير، هي لحظة روحية تنبع من عمق الذات، وهذه اللحظة هي لحظة الإحساس بمحايثتها الجمال، أو تحثثها الحقيقة، أو التمتع بما يحايثها ولو وهماً؛ فاللحظة الجمالية هي لحظة شعورية فردية أو فردانية؛ ومهمة الفن بوصفه فناً جمالياً هي الارتقاء بهذه اللحظة جماليا،ً والكشف عنها؛ أو لذة الارتحال في الكشف عنها والتمتع بمغامرة الاكتشاف هذه، يقول الناقد الجمالي( برغسون):” ليس للفن أي هدف آخر، سواء أكان رسماً أم نحتاً أم شعراً أم موسيقى، سوى الكشف والإماطة عن الرموز المستفادة عملياً في التعاليم الاجتماعية التقليدية، وباختصار ، الكشف عن كل ما تستره الحقيقة عنا”( ). ومن هذا المنطلق ؛ فإن الرؤيا الجمالية هي لحظة محايثة، أو اكتشاف للحقيقة المسكونة في أعماقنا؛ والتي تلمع فجأة من ركام المؤتلفات والمتغايرات الوجودية ، وهذا يعني أن لحظة الإحساس الجمالي هي لحظة مقاربة، أو محايثة لهذه الحقيقة المجهولة الغائرة في أعماقنا، وهي لحظة فردانية خاصة تشع من خبراتنا الشخصية، وإحساسنا الفردي؛ وهذا ما بينه عالم الجمال (برغسون) في قوله:”إن الفن دائماً يذهب نحو الفردانية، فهو يبدو بكلمات أخرى” إرسالاً للذات الفردية، أو القدرة على استحضار الذات الفردية في عرض مناسب وموافق”( ).
والمبدع الحقيقي هو الذي تتوافر- لديه- حقائق الرؤية الجمالية، أو موروثات الخبرة الجمالية. تلكم الخبرة التي تجعل المبدع الجمالي هو الأقدر على استحقاق هذه اللحظة، والتحليق بها من فردانيتها أو شخصانيتها إلى كليتها وعموميتها، ومن لحظتها الآنية العابرة ؛ إلى لحظتها السرمدية الخالدة ؛ فالفن هو المُخَلَّص لهذه اللحظة؛ والباعث لحيويتها على الدوام ، يقول عالم الجمال ( جيمس) :” إن ما هو آتٍ أهم مما هو واصل فعلاَ”( ). والمبدع الجمالي بوصفه مبدعاً يستثير الخيال؛ ويرسم بريشته الفنية دفقات مشاعره، رسماً دقيقاً يناوش حس المتلقي الجمالي فهو الأقدر على ممارسة هذا الفعل الجمالي، الذي يجعله بتواصل مستمر مع ما هو إبداعي ومؤثر جمالياً بالمتلقي على الدوام. ولا تظهر معالم هذه الجمالية إلا من خلال المهارة في تحسين سلوكنا وسلوك الآخرين، وذوقنا وذوق الآخرين الفني ،لنتحثث ما هو جميل ومؤثر فنياً ، وهذا ما صرح به قائلاً:” ينبغي أن ينظر إلى الفرد كظاهرة نشاطية؛ ومع التأثير المشترك للنشاطات الأخرى يستطيع الفرد أن يحسن من خصوصيته”( ).
وتبعاً لهذا؛ فإن نشاط المبدع جمالياً يتحدد بمستوى نشاطه الإبداعي، ومنجزه الفني، ومدى حيازته لتميزه وتفرده جمالياً ، وبقدر ما تزداد أسهم الرؤيا الجمالية ارتفاعاً، وسموقاً تزداد خصوبة المنتج الجمالي؛ وتظهر دلائله ومؤشراته الجمالية بتنوع وكثافة داخل المنتج الجمالي.
2- فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد ( أولئك أصحابي):
تمتاز قصائد( أولئك أصحابي) لحميد سعيد، بالقوة الرؤيوية الخلاقة التي تتضمن مرجعية جمالية، سواء في التخييل الفني الشاعري المؤثر،أم في القدرة على تفعيل الأحداث بمتغيرات السرد،وشعرية الحوار،وهذا يعني أن كل فواعل الحساسية الجمالية متوفرة في البنية التركيبية لهذه القصائد،وأبرز فواعل هذه الرؤيا الجمالية في متون هذه القصائد ما يلي :
1)دهشة الحدث وبلاغة الرؤيا الشعرية جمالياً
إن أبرز ما يحرك الرؤيا الشعرية جمالياً في قصائد( أولئك أصحابي) دهشة الحدث وفواعل السرد،من تنشيط الأحداث، وإبراز متخيلها الشعري البالغ الإيحاء والتأثير،ومثالنا على ذلك قصيدته(تجليات الماء)،وفيها يتمثل الشاعر شخصية (إيهاب) بطل رواية(موبي ديك)لهيرمان ملفل،وفيها يرتقي الشاعر بالحدث والرؤيا إلى أوج التفاعل جمالياً مع الموقف الشعري والحدث الروائي جمالياً، أي إن الفكر الجمالي أو المتخيل الجمالي هو ما يرتقي بالحدث والمشهد الشعري إلى أوج التكامل، والتفاعل الشعري في تأكيد حضور الشخصية الروائية، والتفاعل معها، إحساساً،ونبضاً وشعوراً،ولهذا؛ تنتقل الشخصية الروائية من جلمودها الصخري الذي تعيشه في زمن الرواية، لتعيش نبض الشاعر وأحاسيسه، ونبض الرؤيا الجمالية وفواعلها في تعميق الموقف، والحدث الروائي في زمن القصيدة،لتحيا الشخصية الروائية في القصيدة بفاعلين: فاعل الرؤيا الروائية،والحدث الروائي المباشر،وفاعل الحدث الشعري، والمتخيل الشعري الذي يحرك الشخصية والحدث جمالياً ورؤيوياً؛ وهذا ما يضمن شعرية القيمة الجمالية للحدث، والرؤيا، والمشهد الشعري؛ في نسق هذه القصيدة،على شاكلة قوله:
“أنتَ الذي لمْ يَرَ البحرَ..
هذا الذي يتراءى لكَ الآنَ..
ليس الذي كنتَ تبحثُ عنه
إنَّ دمَ السيّدِ الجميل.. يشهدُ للسيِّد ِ الجميلِ
بما.. مَدَّ موكبُهُ الأبيضُ المهيب ُ..
من ألَقٍ حيثُ كانَ..
كلُّ البحارِ تفتحُ خلجانها..
ليدخُلُها الموكبُ الأبيضُ المهيبُ.. وتغلقُها..
دونَ ما أنتَ فيهْ
إذْ توهمت.. إن الرياحَ التي اختطفتكَ إليهِ..
سَتُسْلِمُهُ..
أَسْلَمَتْكَ إلى عُزْلَةِ.. تتوارى بعيداً عن الماءِ”(17).
قد يتساءل السائل: أين هي خصوصية الرؤيا الجمالية؟! وفاعلية الحدث الشعري في هذا القول الشعري،وأين مكمن الدهشة الجمالية في الحدثين الروائي والشعري؟؟!. وهل هذه القيمة الجمالية مرجعية في قصائده؟! أم أنها طفرة في بعض القصائد وتغيب في بعضها الآخر؟.
إن فواعل الحدث الشعري جمالياً تتبدى في الفكر الجمالي الذي أنتجها،وشكَّل مفاتيح رؤاها بتضافر أحداثها، ومتخيلها الشعري الجديد،ولهذا؛ تعيش شخصيته البطلة(شخصية إيهاب)عالمه الشعري،وتعيش عالمه الوجودي؛ بمتنفس الإحساس الباطني الروحي المتعلق بهذه الشخصية، وشخصياته الروائية مجتمعة، وما إحساسه بها إلا إحساس المتمرد الثائر على وجودها، ليجتمع معها بإحساس الحياة نفسه ولاشيء سواه،ولهذا جاء قوله):إنَّ دمَ السيّدِ الجميل.. يشهدُ للسيِّد ِ الجميلِ بما.. مَدَّ موكبُهُ الأبيضُ المهيب ُ..من ألَقٍ حيثُ كانَ..)،ذا متخيل شعري يجمع الشخصية بالواقع،ويجمع الواقع بالمتخيل الروائي؛ بمنتوج فكري جمالي،يؤكد تفعيل الشخصية بالحدث الشعري- الروائي المتخيل،ولهذا؛تتفاعل الأحداث في القصيدة بسيرورة جمالية تؤكد عمق منتوجها الرؤيوي الجمالي ،كما في قوله:
والسيّد ُ الجميلُ.. مازالَ موكبُهُ الأبيضُ المهيبُ..
يدخُلُ أَيَّ البحارِ يشاءْ
لِمَ هذا الغباءْ؟
حاولتَ أنْ تجعلَ الماءَ مقبرةً
وحاولَ أن يجعل الماءَ.. مملكةً ساحٍرهْ
في موانئ باردةٍ..
بانتظاركَ كلُّ الذين ضيّعتهم في المياهِ البعيدةِ
حيثُ اقتفيتَ ما كنتَ تَحسَبُهُ حُلُماً..
ومن أجلِ وهمٍ تلبَّسَ روحكَ..
ها أنتَ .. في هذه المدينةِ..
لا أحدٌ من أباطرة الموتِ..
مِمَّن خلعتَ عليهم بُرودَ العواصِفِ..
يَسأَلُ عنكَ”(18).
إن الشاعر- هنا- لا ينقل لنا الحدث نقلاً مباشراً،ولا نقلاً وصفياً تتابعياً؛ بقصد تعقيد الحدث، والرؤيا الشعرية معاً،وإنما ينقل الحدث بعين الحدث الموجه،أو الحدث المخصوص بعناية؛ لتحريك الشخصية رؤيوياً؛ بتتابع معرفي جمالي في مؤثرات الحدث الشعري،ولهذا، يتحدث إلى الشخصية الإيهابية،بوصفها الشخصية المواجهة له، أو الشخصية الحاضرة بقوة في الخطاب الموجه الذي يكشف عن عمق منتوجها الجمالي، فالشاعر هنا،يحرك الشخصية بقوة المواجهة، وحضور الشخصية الروائية، كجزء من شعرية الحدث، والموقف الروائي والشعري معاً،وأبرز مشيرات المنتوج الجمالي لنواشط الحدث وقوة الشخصية قوله:( ها أنتَ .. في هذه المدينةِ..لا أحدٌ من أباطرة الموتِ.. مِمَّن خلعتَ عليهم بُرودَ العواصِفِ..
يَسأَلُ عنكَ”؛هنا يواجه الشاعر الشخصية مواجهة العارف بتفاصيلها، وأحداثها، ورؤاها،وكأن كل ما يوحي بالشخصية من قول، أو فعل،مرده إحساس الشاعر،وما يسقطه على الشخصية من أقوال، وأفعال،ولهذا، تبدو المواجهة أكثر من واقعية والإحساس بها أمراً ممكناً، ومحايثاً، ومدركاً للمتلقي،ولهذا؛ تتنفس شخصياته الروائية الوجود الواقعي، أو الحدث الواقعي لا الروائي فحسب،وهذا ما يكسبها حضورها الواقعي والرؤيوي معاً في مضمار القصيدة،ولهذا؛ يحرك الشخصية على أكثر من محور،أو موقف،أو تجربة،أو حدث،أو مشهد،وتتحرك الأحداث بحراك النبض الشعوري، وحراك المتخيل الشعري المرافق لإحساس الشاعر بالشخصية الروائية، ومواجهتها إبداعياً وشعورياً،ولهذا، جاءت الرؤيا في جل قصائده، ذات خصوصية جمالية، ومنتوج جمالي في الارتقاء بالشخصية وأحداثها الواقعية والمتخيلة عبر كثافة الأسئلة الموجهة،وإكسابها حراكها الجمالي الموحي،كما في قوله:
لا أَحَدٌ في الجوارِ ..
مُذ أَسَرتكَ المياهُ البعيدةُ.. غابَ الحوارْ
أَتُرى.. هلْ ستحلمُ ثانيةً أنْ تكون ؟
لتصعدَ من ومضةٍ..
كَشَفتْ كلَّ ما خَبّأتهُ القُرونْ
تعودُ إلى الماءِ..
من غير أن يتراءى لك الموكبُ الأبيضُ المهيبُ..
مُقترِناً بدم السيّد الجميلِ
تُعيدُ إليك الضفافُ البعيدةُ.. صَفوَكَ
كُن حَذِراً منكَ
إيّاكَ أنْ تتمادى.. كما كنتَ
للماءِ هذي القراءة.. يفتحُ أبوابه للمُحبّينَ
لا توقظ الموت ثانيةً.. ليمدَّ يديه إليهْ”(19).
إن دهشة الحدث الشعري لا تكمن في الحبكة الروائية،ولا محركات الحدث الروائي،وإنما في حركة الحدث الشعري، ومغريات المتخيل الشعري،وعمق ما يصيبه الشاعر من إيحاءات، وفواعل محركة للشخصية الروائية،بكثافة الأسئلة،ومواجهة الشخصية بلسان الحاضر المباشر،وخطابها الموجَّه بعناية صوب أحداث الرواية،ومسقطاتها المكتسبة من واقعه الوجودي،واغترابه الداخلي،وإحساسه بها،ولهذا،تتعدى الشخصية واقعها الروائي،وتعيش تجربة الشاعر بتوجيهاته، وأحاسيسه، ونصائحه،وتقاطعاته الوجودية ،لتكون جزءاً من عالمه الذي لا غنى عنه،ومن مقتطعات مشاهده اليومية،وصوره المرئية المباشرة لا المتخيلة فحسب،كما في قوله:( كُن حَذِراً منكَ .إيّاكَ أنْ تتمادى.. كما كنتَ .للماءِ هذي القراءة.. يفتحُ أبوابه للمُحبّينَ لا توقظ الموت ثانيةً.. ليمدَّ يديه إليهْ)؛وهنا،يشعرنا الشاعر أن شخصياته الروائية واقعية،يواجها بالنصائح حيناً،والحديث إليها بشكل مباشر حيناً آخر؛وهذا ما يمنح الحدث سخونته الواقعية، والحوار طزاجته، وحرارته، وموحياته، ومجرياته المعيشة،وهذا ينم على منتوج جمالي في إبراز المتخيل الشعري،وإثارة بعض القيم الفاعلة النشطة في تجسيد المواقف الشعرية، بحساسية جمالية مرهفة، وشاعرية في الرؤيا لا تغيب عن جل قصائد هذه المجموعة. والقيم الجمالية التي تفرزها في رؤاها ومنتوجها الجمالي خاصة في المتخيل الشعري، وما تبثه على مستوى التقنيات الأخرى، كالسرد، والحوار، والقص الشعري، والحبكة الوصفية،وتتابع الأحداث،والمواقف الشعرية الأخرى؛ ولهذا، فمكتسباتها الشعرية عديدة لا تقف على دهشة الحدث وفواعله النشطة،وإنما على منتوج الموقف والحساسية الجمالية في تفعيل الأحداث، وإبراز المتخيل الشعري، بمتنفس جمالي واقعي معيش؛ ولهذا، جاء قوله بليغاً في تعضيد موقفنا وإحساسنا المصيب ببلاغة منتوج هذه الشخصيات إبداعياً على المستوى الوجودي ،إذ يقول:” إن ما يجمع بين شخصيات – أولئك أصحابي – هي الرؤية الجمالية التي حاولت من خلالها كتابة قصائد المجموعة، وهذه القصائد تنفرد كل واحدة منها بموضوعها ، وهو حاصل تفاعل عاملين، فضاء الرواية التي تمثلتُ أحداثها أو أـشخاصها أو بطلها، إنْ كان هذا الوصف يعبر حقاً عن الشخصية التي تمثلتها في عدد من القصائد دون غيرها من الشخصيات ، والرؤية التي حددت طبيعة التمثل للأحداث والأشخاص .لكن ، لكل شخصية رمزيتها، وموقفها من الحياة ، سواء كان هذا في الرواية أو في الواقع، إذا افترضنا إن بعض شخصيات الروايات التي اخترتها، هي شخصيات واقعية ، قبل أن تدفع بها مخيلة الروائي إلى صورتها في الرواية ، وهذا سيتكرر في النص الشعري، لأن النص الشعري في – أولئك أصحابي – لا يمكن أن يشتغل خارج فضاء الرواية التي تمثَلَ أحداثها أو أشخاصها، حتى وإن اختلفت أدوات الشاعر عن أدوات الروائي، واختلفت مخيلة الشاعر عن مخيلة الروائي.إن شخصية –القبطان إيهاب – في رواية – موبي ديك – في سيرتها أو في رمزيتها ، تختلف عن شخصية الصياد العجوز – سانتياغو – في سيرتها أو رمزيتها، حتى علاقة الأول بالبحر ، مملكته العظيمة، وبمخلوقاته وأسراره ، تختلف عن علاقة الثاني بالبحر، فضائه الساحر ومكوناته، ولكل منهما ، أخلاقياته ، بل لكل منهما مصيره .
وما أشرنا إليه، من اختلاف بين شخصية القبطان إيهاب والصياد العجوز ، يمكن أن نجده في شخصيتي – مدام بوفاري – وشخصية – الليدي شاترلي – وإذا كان لكل منهما علاقة جنسية مع عشيق ، دافعها الجسد الفتي، فإن لكل منهما مبرراتها السايكولوجية أيضاً، ولكل منهما ما يميزها سلوكاً واستجابات .لقد كانت علاقتي بهم جميعاً، على اختلاف مكوناتهم واختلاف حضورهم الرمزي ، لا تختلف عن علاقة إنسان اجتماعي ، تفرض عليه الحياة الاجتماعية ، أن يلتقي بنماذج إنسانية مختلفة، من النساء والرجال، وأن تشكل هذه اللقاءات ، علاقات ، ذات طبيعة مختلفة أيضاً.
في الحياة مثلاً، يمكن للمرء أن يتحدث عن جار أو قريب أو زميل عمل أو سفر، وقد يتحدث عن امرأة متمردة وأخرى منضبطة ، وما إلى ذلك من نماذج إنسانية.
إنهم جميعاً، يشكلون محيطه الاجتماعي ويكونون عاملاً مؤثراً في تجربته الحياتية ، أما أولئك الذين تمثلتهم في قصائد هذه المحاولة، في تنوعهم، فإنهم مصدر غنى وفعل حيوية لتجربتي الوجودية”(20).
وصفوة القول: إن دهشة الحدث وبلاغة الرؤيا الشعرية جمالياً في قصائد( أولئك أصحابي) تتحدد بمثيرات الرؤيا ،وفاعلية الحدث البانورامي المحفز للشعرية؛ لهذا ،تتفاعل الأنساق الشعرية في خضم هذه القصائد،وتتفاعل الرؤى لتؤكد شعريتها ،وشعرية منتوجها الدلالي المؤثر.
2)بلاغة الموقف،وفواعل الرؤيا الشعرية جمالياً:
تمتاز قصائد( أولئك أصحابي) بمنتوجها الإيحائي الجمالي المتحرك، أو المتحول،أي تمتاز بمتغيرها الإبداعي، وأفقها الإبداعي المتطور،تبعاً لكل قصيدة من قصائد هذه المجموعة،فالمتغير الجمالي في قصيدة(تجليات الماء)يختلف تمام الاختلاف عن المتغير الجمالي في المنتوج الرؤيوي لقصيدة قيامة(مدام بوفاري)، وهذا يعني أن الحراك الجمالي في هذه القصائد كتلة من التأملات والتفاعلات والاستبصارات المعمقة في الفضاءات الوجودية لهذه الشخصيات،ومن ثم يختلف مردود الموقف رؤيوياً وجمالياً، بتفاعل الموقف والرؤيا معاً، في خلق نص شعري مزاوج، أو متزاوج بين الحدثين الشعري والروائي معاً؛ ولهذا، لا يجد القارئ أي تشابه في هذه القصائد رؤيوياً إلا في منتوجها الجمالي، وفضاء متخيلها الإبداعي النشط، أو الفاعل في إنتاج الرؤيا الشعرية،وإبراز متنفسها الإبداعي المؤثر عبر تنشيط السرد والحوار، وخلق القوى الفاعلة في المشاهد المتحركة، التي تتنوع بتنوع الموقف الشعري،وكثافة الأحداث المتعلقة به، أو الأحداث الملصقة بالشخصيات من الخارج(الميتانصي)، أو الداخل نصي( الفاعل النصي)،ودليلنا أن الشاعر لا يحرك الشخصية إلا بالموقف الشعري الجديد، والمتخيل الشعري المكتسب من السياق النصي الجديد، الذي وضعت فيه هذه الشخصية الروائية أو تلك؛ولهذا؛ فغنى شخصية (مدام بوفاري) في قصيدة (قيامة مدام بوفاري)لحميد سعيد،ليس فقط من جوها الروائي المكتسب، وإنما من حراك الموقف الشعري الذي أكسبه الشاعر لهذه الشخصية، وعمق متخيلها الإبداعي، فهو لم يقلد السيد فلوبير في منتوج الشخصية الروائية،وتحريكها بإحساس القارئ،وإنما بإحساس الخيال، وخصوبة المخيلة الإبداعية المنتجة،ولهذا، يصعب الإحاطة بمغرياتها الإبداعية على مستوى المواقف، والأحداث، والرؤى المتخيلة، وكما قلنا: إن منتوج شخصياته الروائية ينهل من فضاء متغيرها الوجودي، ومتخيلها الشعري؛ ولاشيء سواه؛ولعل أبرز ما أكسبه الشاعر لشخصيته الروائية،شخصية (مدام بوفاري) هو إحساسه بها تقديساً، واحتراماً لدورها الوجودي، وعالمها المفتوح، وإحساسها بالحياة،فهي تمثل له الطاقة الخلاقة في مواجهة الحياة، والثبات بقوة أمام جبروتها، وسطوتها اللامتناهية؛ ولهذا،فقارئ هذه القصائد يوافقنا الرأي أنها ذات خصوبة إبداعية في الحراك الرؤيوي،على مستوى دورها، وإحساسها، وعالمها الحر المنفتح، وللتدليل على بلاغة الموقف في تفعيل هذه الشخصية في قصيدة(قيامة مدام بوفاري) لحميد سعيد، نأخذ قوله:
“إنَّ ” إيما” امرأةٌ من عسجدٍ وعاجْ
لَيِّنَةٌ..
كأَنها غُيَيمةُ بيضاء من عطور الشرقِ.. ترتدي عباءةً من الديباجْ
مُترفَةٌ كزهرة القطنِ..
متى التقَيتَها..
تلاعبَتْ بكَ الظنونُ مثلما تلعبُ بالنوارس الأمواجْ
هي التي تفتحُ بابَ العشقِ.. إنْ شاءتْ
وتُدني من وعود الجسد الغامض.. مَنْ يحومُ حولها من الرجالْ
حتى إذا ما احترقوا بجمرها الخِصْبِ..
نأتْ بنفسها .. عمّا يظلُّ باحثاً عنها من الرمادْ
على صدى خُطاها .. أو على وقع خطى جوادها الجميلْ
تَقافَزُ الجنادبُ
وتصعدُ السناجبُ.. إلى أعالي السنديان..
وتُطِلُّ غابةٌ عذراءْ
بينَ يديها يقفُ المساءْ
مُكللاً بالماء”(21).
إن حضور الموقف الشعري، وخصوبته جمالياً يتأتى من منتوج المخيلة الإبداعية المدهشة،في الإحساس بالشخصية، والتفاعل معها، وجوداً وإحساساً،والتفاعل مع مجريات الأحداث، والرؤى الجديدة التي تبثها على لسانها الحالي،لتحكي اغتراب الشاعر من خلال اغترابها،وواقع الشاعر من خلال واقعها،صحيح أن الواقع الروائي شيء، والواقع الشعري واقع مناقض أو محايث له،لكن في تلاحم الواقعين أو تزاوج الواقعين تتمثل شعرية الموقف الروائي الجديد الذي تطرحه القصيدة، وهنا،استطاع الشاعر أن يزاوج بين واقع شخصيته الروائية(مدام بوفاري)، والواقع المتخيل الذي طرحته القصيدة،من خلال وصف الشخصية وصفاً شاعرياً يتجلى من خلاله إحساس الشاعر الجمالي بالشخصية،وتوصيفها، وفق هذا المنظور الجمالي، والإحساس بالموقف الجديد، ففي كل تمفصل وصفي يحيط بالشخصية الروائية تظهر بلاغة الرؤيا الشعرية، وفواعلها الجمالية النشطة التي تعبر عن عمق مخيلته الإبداعية التي توافيه من ذاكرة متقدة، تنبض بالحساسية الجمالية وعمق الخيال ،كما في هذا الوصف: (لَيِّنَةٌ..كأَنها غُيَيمةُ بيضاء من عطور الشرقِ.. ترتدي عباءةً من الديباجْ مُترفَةٌ كزهرة القطنِ..متى التقَيتَها..تلاعبَتْ بكَ الظنونُ مثلما تلعبُ بالنوارس الأمواجْ)؛ فالشاعر هنا ،لا ينقل الحدث، ويجسد الموقف الروائي بحذافيره، ولا يشكل المشهد الفوتوغرافي الذي كانت عليه شخصيته الروائية،ولكنه يصنع الموقف الجديد،والرؤيا الجديدة الخلاقة،ولهذا،تزداد إثارة الموقف الشعري جمالياً من خلال عمق المتخيل الشعري،وبلاغة الرؤيا الجمالية في إصابة مردودها الإيحائي، والحدث الجديد، والمشهد المتحرك، ولهذا ،تتنوع مغريات القصيدة من فواعل الإحساس بالشخصية الروائية، والإحالات الجديدة التي يكسبها لها في السياق الجديد،بأوصاف شعرية تؤكد رشاقة السرد،والحبكة الشعرية المزدوجة من إحساس الشاعر، وملصقات الحدث الروائي والشعري معاً،كما في قوله:
“في كُلِّ عامٍ يصلُ الشتاءْ
إلى فراشها في أولِّ الليلِ..
وإذْ يراها في بهائها الضاري
يُقيمُ مهرجان الدفء.. ثمَّ يغلقُ الأبوابْ
وإذْ يعودُ الصيفْ
تطلعُ من معطفها الزيتي.. غصناً يافعاً
فيملأُ الأمداءْ
بنزقٍ مُكابرٍ.. وفتنةٍ بيضاءْ”(22).
لابد من الإشارة بداية إلى أن جمالية الموقف الشعري تتحدد من جمالية الرؤيا الشعرية، ومتخيلها الشعري المتقد،وحراك الشخصية الشعرية، والحدث، والمشهد الشعري،وبمقدار تلاحم هذه العناصر، وتفاعلها في المشهد الشعري، يزداد الموقف الشعري عمقاً، وإثارة، وشاعرية؛ وتتأكد -من ثم- فاعلية الرؤيا الشعرية،وإصابتها المغزى البعيد، أو الموقف المراوغ؛ ولهذا،فإن تفاعل الأحداث في القصيدة يأتي من إثارة الرؤية المتخيلة،والإحساس الجمالي بالشخصية،بتضافر التوصيفات الشعرية، وتفاعلها المثير،كما في هذه الصور الناضجة إحساساً ورؤيا:( وإذْ يعودُ الصيفْ تطلعُ من معطفها الزيتي.. غصناً يافعاً فيملأُ الأمداءْ بنزقٍ مُكابرٍ.. وفتنةٍ بيضاءْ)؛إن قيمة الحدث والموقف تتحدد من عمق المتخيل الشعري وقيمه، ودهشة الصورة المقترنة بالشخصية،فالشاعر لا يترجم إحساسه الجمالي بالشخصية الروائية بالقص السردي الباهت، والنقل الفوتوغرافي البلاستيكي للأحداث،وإنما بالصور الدافقة بالجمالية،وعمق الإحساس،على شاكلة قوله:
أنّى تكون في طريقها إلى مواسم الشذى..
يَتَّسعُ الفضاءْ
تَخْرُجُ من صورتها التي انتهت إليها..
فتضيعُ في متاهةِ الأقوالْ
أَليسَ من حقيقةٍ سوى الذي يُقالْ؟!
إنَّ ” إيما” امرأةٌ..
يُدركها الرضا إذا عشقها الرجالْ
وهي امرأةٌ..
تولَدُ إذْ تٌحِب.. وتموتُ حينَ لا تُحَبُ..
وهي نجمةٌ ..تُضيء في مدارج العشقِ..
ويخبو ضوؤها في جفوة العُشّاقْ”(23).
إن شعرية الصورة أسهمت في تفعيل الموقف والحدث الشعري، وبدت الصور الدافقة الحساسة نقطة تمفصل المشهد الشعري، ومكمن إثارته،فإيما ليست تلك الشخصية الروائية الساكنة، أو المنقولة وصفاً جامداً لأحداث ومواقف، ورؤى منقضية ليس إلا،وإنما هي الشخصية الحية في القصيدة،تحكي إحساسه الجمالي بها ونقل تفاصيل الحدث بمنظوره الشعري،وحساسية الموقف الشعري الجديد، فكل ما تحمله القصيدة يقع تحت مجس الرؤيا الجمالية، والمنظور الجمالي، والمخيلة المتقدة التي يمتلكها الشاعر،وهذا ما يضمن للقصيدة شعريتها، ووقعها الجمالي الآسر؛ ولو دقق القارئ في تفاصيل السرد الوصفي لتأكد له أن شعرية القصيدة تنهل من هذين المعينين( منهل الوصف الجمالي/ ومنهل السرد الوصفي التصويري الشائق)، ومن تفاعلهما في متن القصيدة تطرح موقفها الجمالي ورؤيتها البليغة، وحدثها المؤثر،ومنتوجها الإيحائي الثر،كما في قوله:
فكلُّ امرأةٍ ” إيما”، وكلُّ رجلٍ لابد أن يعشقها يوماً..
ستنطوي السنينْ
وهي لا تكفُّ عن مدِّ الذين يقرأون عنها..
بالذي يزيدُ من حرائق الخلافْ
بينَ ولايتينْ
ولاية الخيال.. وولاية الأعرافْ
في مخطوطةٍ.. كتبها الرحّالةُ الشريفُ مولانا المدينيُ..
يقولُ فيها..
حيثما نزلتُ في مشارق الأرض وفي المغاربِ..
وَجدتُها..
أنّى أكون في المطارات وفي محطّات القطارات وفي الموانئ
كأنها ..تُقيمُ في كل زمانٍ..
بانتظار رجلٍ.. سيأتي”(24).
هنا ،ينقل لنا الشاعر على لسان المروي الأثر الذي تركته(إيما)(مدام بوفاري) في العالم،من حضور لشخصها، ووجودها المتحرر الثائر،لتجسد واقعها الروائي والوجودي الحر المفتوح الذي شكلته بثورتها وعصيانها على الأعراف والتقاليد؛ وكأن الشاعر يزاوج بين واقع الشخصية وواقعه،وواقع الرواية وواقعه، بمتخيل شعري جمالي تتفاعل فيه الأحداث، والمواقف، والرؤى في إبراز منتوج الرؤيا الجمالية، والخلق الفني،بمنعرجات بعيدة عن هيكيلة الحدث التقليدي، والمشهد الفوتوغرافي الساكن.
وبتقديرنا: إن شعرية هذه القصائد تكمن في هذا الانفصال الحاد بين الموقف الشعري، والموقف الروائي؛ والحدث الشعري، والحدث الروائي،والمشهد الشعري والمشهد الروائي، بتضافر نسقي عجيب يتأكد من خلاله عمق الرؤيا، وبلاغتها في خلق عمل فني تشتغل جميع فواعله الإبداعية، على إثارة الموقف، وتعزيز الرؤيا الجمالية، ومنتوجها الإيحائي،دون أن تغيب عنها بلاغة الكشف، وعمق الإحساس،وشعرية الموقف، وحساسية الصورة المقترنة بحرارة المشهد، وطزاجته الشعورية،وكأن هذه القصائد تتجاوز زمنها الروائي، لتدخل زمن الشاعر، وتعيش طقوسه، ورؤاه الآنية بكل ما تحمله من احتراق شعوري، واغتراب مرير تظهر آثاره في ثنايا القصيدة بين الفينة والأخرى.
وصفوة القول: إن بلاغة الموقف،وفواعل الرؤيا الشعرية جمالياً تتحدد في قصائد( أولئك أصحابي) في إثارة المشاهد المتحركة،والأحداث المتداخلة التي تفعل المشهد الشعري، وقيمه،ورؤاه الكاشفة عن بواطن الشخصية الروائية،ومتعلقاتها النفسية والوجودية العميقة،وهذا ما يحسب لها على المستوى الإبداعي.
3) حركية المشهد وبانورامية الصورة المتحركة:
لا شك في أن حركية المشهد ودينامية الصورة من أبرز موحيات الصورة وتنامي مردودها الجمالي في قصائد ( أولئك أصحابي)؛لاسيما إذا أدركنا أن قصائد (أولئك أصحابي) مغرية في إثارة الصور المتحركة، التي تشتغل على دينامية الحدث الدرامي أو البانورامي المحتدم، وتنوع المواقف، والرؤى، والأحداث، والمشاهد المتعلقة بالشخصيات الروائية، فالمواقف متشعبة تبعاً لمنظورات الشاعر المواربة وأحاسيسه المتناقضة، ومنظوراته المغايرة،فالشاعر لا يوظف الشخصية الروائية إلا ليبث من خلالها اغترابه، ومشاعره، ومنظوراته الجمالية سواء في كشف الشخصية، وبواطنها الداخلية؛ وما تخفيه من رؤى وأحاسيس عميقة، أو بإدخالها عالمه الشعري؛ لتشتغل على بانوراما الحدث، والمشهد، ودينامية الصور المتحركة،ولهذا؛ فحراك المشاهد الشعرية يتأتى من حراك الشخصيات،وحراك المواقف، والأحداث المتعلقة بها؛ وتنوع الأدوار، والرؤى الجديدة التي يكسبها لها النسق الشعري؛ ولو دقق القارئ في مغريات الفكر الجمالي على مستوى حركية الصورة، والشخصية، والأدوار الجديدة المسندة لأدرك أن كل شخصية من شخصياته تسبح في فضاء الصورة المتحركة، والمواقف المصطرعة بين الواقع الوجودي/ والمثال، أو بين ما تطمح إليه الشخصية في عالمها الفكري أو الرؤيوي المتوخى أو المأمول تحقيقه، وما تجدها في واقعها؛ فيحدث الانفصال أو الشقاق الحاد، أو الانفصال التام بين الواقع/ والمثال؛وهنا، تزداد الحبكة الروائية قوة ودرامية في تكثيف المشاهد،وإثارة محركها الجمالي المؤثر،فلا يبدو الحدث أحادياً ولا المشهد بسيطاً سطحياً،وإنما ينطوي على آفاق لاحصر لها من الإيحاء، والتأثير والتكثيف الدلالي .
وإن من يتتبع مغريات الفكر الجمالي في إبراز فواعل الرؤيا الشعرية على مستوى المشاهد وبانورامية الصورة؛ لأدرك أن لكل قصيدة مشاهدها المتحركة الخاصة بها، وقدرتها المراوغة على نقل الحدث من إطار الواقع الروائي، وإدخاله عالمه الشعري؛ وهذا ما يرفع سوية الرؤيا الشعرية في قصائد(أولئك أصحابي) جمالياً؛ ففي قصيدة(جحيم أنَّا كرنينا وفردوسها) لحميد سعيد يتمثل فيها شخصية”أنّا كارنينا” بطلة رواية” أنا كارنينا” لتولستوي،وفيها تكتظ بالصور الدرامية، والمشاهد المتحركة، التي تشتغل على المنتوج الرؤيوي الجمالي في تفعيل الشخصية الروائية، وتعزيز الأحداث، والرؤى الجديدة المقترنة بها، كما في قوله:
“أَنّا..
يقولُ لها.. وتقتربُ التي كانت تُرينا من مفاتنها الثريَّةِ..
ما يُذكِّرُنا .. بأَنّأ
كانتْ المقهى القريبةُ من إقامتنا.. ببطرسبرغْ
تتركُ مقعدين..
لها.. ولامرأةٍ ستأتي ذاتَ يومٍ
مَنْ سيجرؤُ أنْ يُذكِّرها بماضيها..
ويسأَلُها..
لماذا أَسْلَمتكِ ظنونُكِ السودُ المُريبةُ.. حيثُ كُنْتِ..
إلى العواصفِ..
رافقتكِ إلى النقيضين .. السعادةِ والشقاءْ
كانَ المساءْ
مُخاتلاً..
والقادماتُ من الضواحي أو من المدنِ البعيدةِ..
بانتظار الليلِ..
يَغْمُزْنَ التي باعت صفاءَ الروحِ بالوهم الجموحِ”(25).
لا بد من الإشارة بداية إلى أن حركية المشهد وبانورامية الصورة تتحدد بعمق المنتوج الجمالي للرؤيا الشعرية، ومتعلقاتها في توظيف الشخصية، بما يحقق لها التكامل، والتفاعل، والإثارة الجمالية؛ وهنا، في هذه القصيدة تشتغل قنوات الرؤيا على توظيف الفضاءين الروائي والشعري معاً في تفعيل الحدث والموقف الشعري الجديد ؛ وكأن الشاعر يعيد منتوج الرؤيا، بحساسية الصورة، وحركية المشهد الشعري المتنامي بفواعله الرؤيوية النشطة،ودهشة الصورة، ودليلنا أن الشاعر يرسم الأجواء المتخيلة المحيطة بالشخصية الروائية(أنا كرنينا)، ورسم التفاصيل الجزئية ،لوضع المتلقي في جو الرواية،وجو الحدث الروائي؛ والشعري الجديد،وفق الحركة المبثوثة التالية:(كانتْ المقهى القريبةُ من إقامتنا.. ببطرسبرغْ تتركُ مقعدين..لها.. ولامرأةٍ ستأتي ذاتَ يومٍ مَنْ سيجرؤُ أنْ يُذكِّرها بماضيها..)؛وهذا يعني أن الشاعر يرسم التفاصيل السردية، ليرتقي فجأة بقفزة نوعية مفاجئة تسعى إلى تحريك النسق السردي، بالصورة البانورامية المتحركة والمشهد المتحرك،كما في قوله:
“البومُ يزقو في حقولكِ.. بعدَ أَن رحلَتْ
وأنتِ..
تحاولينَ الجمعَ بين سريرِ عشقكِ والقنوطْ
هذا السقوطْ
أَملى على اللغّةِ اختياراتٍ تفارقُ ما تودُّ الروحُ
ما أَبقى على الوجه الصبوحْ..
من فتنةِ بيضاء.. كُنّا نَستَدِلُّ بها..
إليكِ..
وما تسلَّلَ من نفاقْ
إلى فراشكِ.. أَغْلَقَ الأعماقَ..
كان فضاؤها .. وطناً جميلاً
إنَّ أقداراً يَمُدُّ لها الغموضُ.. يَداً
تُفَرِّقُ بينَ ما خَبَّأتِ من قلَقٍ..
وما عانيتِ من حُرَقٍ..
تُقَرِّبُ بينَ جمركِ والجليدْ”(26).
لا شك في أن شعرية الصورة في مثل هذه القصائد ليست شعرية تشبيهية بلاغية كما هو معتاد عند البلاغيين وعلماء اللغة،وإنما شعرية الصورة، بحركتها، وتموجها الاهتزازي والرؤيوي الصاخب، المتاخم للشخصية الروائية، في إثارة المشهد، والكشف عن نوازع الشخصية الروائية، وأجوائها،وطقوسها، ومداخلها وبواطنها العميقة،فالشاعر يرسم بريشة جمالية، بواطن شخصياته، لتحكي معاناته بإحساسه المحاوِر لها تارة، والمتحدث على لسانها تارة أخرى، بلسان الحضور مرة؛ وبلسان الغائب أو الغياب مرة أخرى؛وهذا ما يجعل المشهد متحركاً، والصورة دينامية رشيقة في متابعة الشخصية، في تطوراتها، وزخم الأحداث، والمواقف والرؤى المتعلقة بها،كما في قوله:( “البومُ يزقو في حقولكِ.. بعدَ أَن رحلَتْ وأنتِ..تحاولينَ الجمعَ بين سريرِ عشقكِ والقنوطْ هذا السقوطْ)؛وهنا، تزداد قيمة الحضور للحدثين الروائي والشعري، وتزداد دينامية الصورة عندما يتحدث الشاعر إلى الشخصية الروائية، ملتصقاً بأجوائها، ورؤاها، وكأنه التقاها في الواقع، وعاش معها تجربته الاغترابية،مفصحاً لها عن مشاعره، وبواطنه، وجراحات اغترابه ، إذ يقول:
“أَنّا..
أَكادُ أشكُّ إنّي قدْ عرفتكَ..
والتقينا في بلادٍ ما رآها غيرُنا..
نحنُ الذينً نُقيمُها أنىّ نَشاءْ
وكُنتِ مُشرِقَةً.. تحفُّ بعطركِ الأقمارُ
يهفو الساهرونَ إليكِ
فِتنَتُك المُحَنًّكَةُ .. التي تهبُ البهاء ضراوةً..
روحٌ مشاكسَةٌ..
تُبادٍلُ عتمةَ النزقِ المُراوِغِ بالحبورْ
أَنّا..
سمعتكِ تسأَلينْ
مَنْ أَنتِ ؟!
أَسأَلُ صاحبي في ليل بطرسبرغ..
في المقهى القريبةِ من إقامتنا
وقدْ تَبِعتْكِ .. عاصفةٌ من الرغباتِ..
مَنْ هي َ؟
لا أَكادُ أرى سوى فِتَنٍ.. تُطِلُّ كما الغيوم السود..
مِنْ جَسَدٍ يغصُّ بما تبقى من وقارْ”(27).
هنا،يدمج الشاعر عالمه بعالم شخصيته الروائية، ليعيش متنفسها الإبداعي،ويحقق فواعل المشهد الواقعي لا المتخيل،وهنا؛ يتحدث الشاعر إليها بلسان الحضورن والتمثل التام، ليعبر عنها تعبيراً مرئياً معاشاً لا تعبيراً شعرياً متخيلاً؛وهنا،ترتقي الصورة،لتجاري حراك الشخصية،والحدث،والموقف الشعري،كما في قوله: (وكنت مشرقة تحف بعطرك الأقمار. يهفو الساهرون إليك)؛ وهذا يعني أن فواعل الرؤيا الجمالية حاضرة بقوة في حوار الشخصية، ودينامية الصورة، والمشهد المتحرك الذي ينقل الشخصية الروائية من سكونيتها في الرواية، إلى حيوات أخرى أكثر غنىً وفاعلية في تفعيل الحدث، والموقف الشعري، كما في قوله:
وبغُربتينْ..
في الروح والجسد المنافقِ..
لا يُحيطُ بمائها المُرِّ المُرائي..غيرُ ما يهَبُ الخرابْ
تتوالدُ الظلماتُ في اللغة المُريبةِ..
كلُّ مَنْ فُتِنوا بها.. ندموا
ومن حاموا على لآلاء فضتها.. تَلَبَّسهم سُعارٌ
واستباحوا ليلَ فتنتِها.. كما تغدو الذئابُ
وبغربةٍ أخرى.. تُفارقها حرائقها..
ويجفوها الصحابُ”(28).
لا بد من الإشارة إلى أن حركية المشهد، وبانورامية الصورة المتحركة من مغريات الكثير من هذه القصائد التي تنفتح على خضم واسع من الإحالات، والمتعلقات، والأحداث الملصقة بالشخصية الروائية،ليعيش الشاعر متنفسها الإبداعي والوجودي الحافل بالدلالات والرؤى المتداخلة،فالشخصية الروائية لا تغتني إلا بمتعلقاتها من أحداث، ورؤى، ودلالات جديدة مكتسبة من سياقها الشعري،وهنا يعبر الشاعر من خلال احتراق شخصيته الروائية عاطفياً، وتفجرها الحيوي الوجودي الجامح عالمه الوجودي المأزوم،ليحكي من خلال غربتها، غربته الوجودية، وصراعه المأزوم؛ أي إن شخصيته الروائية تعيش بمتنفسين إبداعي وجودي شعري جديد،ومتنفس روائي مرجعي لا غنى عنها في دفع عجلة الرؤيا الجمالية، صوب التطور، والتنامي الجمالي الموحي الذي يمتد امتداد الشخصية الروائية في حراكها المشهدي المتتابع،كما في قوله:
” المستحيلُ..
أن يسجُنَ الشهوات في ما تفتري..
جَسَدٌ جميلُ
أو يغلق الأبوابَ دون عواصفٍ .. وجعٌ نبيلُ
الحبُّ..
أن يقفَ الزمانُ..
وليس بعض الوقت .. يقصرُ أو يطولُ
الحبُّ..
أن تتجدّد الغاباتُ والفلواتُ والأنهارُ والأمطارُ..
والأفكارُ والأشعارُ.. والضحكُ الخجولُ
الحبُّ..
أنْ تدنو البحارُ من المُحبِّ .. إذا دنا منها..
تُرافقهُ إلى أحلامهِ.. وتنامُ حيثُ ينامُ”(29).
إن الانتقال في محاكماته الرؤيوية من طابع المحاور إلى طابع الكاشف الحكيم عن عالم شخصياته الروائية يجعل هذه القصائد مكثفة الرؤى والدلالات،والمنتوجات الرؤيوية الصاخبة في مدلولها ومنتوجها الإيحائي المؤثر؛ وهذا يعني أن كثافة الدلالات يتأتى من كثافة المرجعيات المصاحبة لحراك الشخصية على مستوى الأحداث، والمشاهد،والرؤى المبثوثة على لسان الشخصية الروائية، أو على لسان الشاعر المروي ، أو على لسان الواقع المتخيل الذي يحيط بالشخصية؛ ويثير حساسية الموقف الشعري؛ وهنا؛ يتحدث الشاعر في جو تفصيلي عن مفهومه للحب في سياق؛ يشع بالدلالات، والرؤى المراوغة والمنظورات المماحكة للشخصية الروائية، بتلاحم شعوري مع موقف شخصيته الروائية،وموقفه الوجودي، ومفهومه لهذه المؤولة الخطيرة في الحياة والوجود،فالحب أساس الوجود، وأساس الحياة،ولا غنى لأي كائن للتعبير عن إنسانيته، وهويته الوجودية بعيداً عن هذه المؤولة الضرورية في الحياة،وكأن محاورة الشاعر لشخصيته الروائية محاورة ذهنية كاشفة عما يستبطنه في وجوده من مشاعر وأحاسيس محتدمة،عبَّر من خلالها عن واقعه وغربته الوجودية، ولهذا، يصعب فصل تجربة الشاعر عن عوالم شخصياته،لأنها تشكل حيواته الوجودية بمعالمها الوجودية والإبداعية الخاصة؛ وهذا التلاحم بين عالم الشاعر وأجواء شخصياته هو ما يمنح هذه القصائد الفاعلية الجمالية والرؤيوية الخاصة في خلق مظاهر الاستثارة والتأثير.
وصفوة القول:
إن حيوية المشهد، وبانورامية الصورة المتحركة- في قصائد( أولئك أصحابي)- تتأسس على شعرية الرؤيا الجمالية،في تكثيف الأحداث، وإثارة المشاهد المتداخلة، والرؤى المتعلقة بالشخصيات الروائية، لتكون هذه القصائد ذات مخيلة متقدة في الاستثارة الجمالية، والمنظور الرؤيوي الجمالي المتطور؛ ولهذا؛ يصعب على قارئ هذه القصائد أن يعيش بعيداً عن تجربة الشاعر الاغترابية،فهي انعكاس لوجوده الراهن، وغربته الداخلية، ودليلنا أن المتخيل الجمالي المحيط بشخصياته الروائية مفتوح بانفتاح الرؤى المحيطة، بالشخصية، وكثافة الرؤى، والأحداث وملصقاتها في خلق التجاذب الجمالي بين شكل القصيدة، ونبضها الرؤيوي من العمق النصي الذي تبثه القصيدة على المستويات والقنوات الرؤيوية كافة؛ وهذا يعني أن خصوصية هذه القصائد تكمن في خصوصية المنظورات الجديدة التي أضافت إلى فضائها الإبداعي الشيء الكثير،وهذا ما جعلها ذات غنى في المردود الرؤيوي- الجمالي في تعزيز شعرية القصيدة، والانفراد في هذا التميز، والتخليق الإبداعي المؤثر.

نتائج أخيرة:
1- إن جمالية الرؤيا-في قصائد أولئك أصحابي- ترتكز على عمق المخيلة الإبداعية المنتجة في تفعيل الشخصيات الروائية،بما يؤكد تفرد الشاعر في نقل الشخصية من جمودها وتحجرها الروائي إلى حراكها الرؤيوي المكثف الذي يضج بالمداليل، والرؤى الجديدة التي تهب الشخصية الروائية، حراكها في السياق الشعري؛ وكأنها من منتوجاته الرؤيوية المتخيلة لا من منتوجات الرواية التي استقطبت منها هذه الشخصيات،ودليلنا أن تنوع الرؤى هو دليل غنى هذه الشخصيات في نسقها الشعري، وتنوع موحياتها ومحركاتها الإبداعية.
2- إن القيمة الجمالية العظمى لهذه القصائد تتأتى من محركات الأحداث والمشاهد، والصور الجديدة التي أضافها إليها السياق الشعري؛ فغنى هذه الشخصيات ليس من غنى الأحداث الروائية كما هو متوقع، وإنما من غنى الأحداث، والرؤى، والإحالات الجديدة التي أضافها النسق الشعري لهذه القصائد،وهذا ما منحها التميز، والاستثارة، والفاعلية، وقوة التأثير.
3- إن فواعل الرؤيا الجمالية في هذه القصائد تتأتى من فواعل التقنيات الجديدة التي أضافها الشاعر، وتنوع أشكال الخطاب،تارة على لسان الشاعر المروي ،وتارة على لسان الحضور،وتارة على لسان الغياب،وتارة متحدثاً إلى الشخصية ،وتارة ناقلاً عنها ،وتارة،متحدثاً عن عالمه ووجوده واصطراعه الوجودي ،باختصار تمثل هذه القصائد بانوراما تشكيلية في مردودها وإحساسها الجمالي وحركية اللحظة الشعرية المتمردة في شكل الخطاب والمشاهد والأحداث المحيطة بالشخصية؛ وهذا ما يضمن غناها وتميزها الفاعل.
4- إن من أبرز فواعل الرؤيا الجمالية ومحفزاتها الشعرية في قصائد( أولئك أصحابي) اعتمادها المشاهد المتحركة الصاخبة التي تضج بالأحداث البانورامية المحتمة؛ وهذا يعني أن قيمها الجمالية رهينة اهتزاز مشاهدها وزوغانها المشهدي على مستوى الصور والمشاهد والرؤى الجديدة المكتسبة في نسقها الشعري.
وأخيراً: إن جمالية الرؤيا وبلاغتها في أي منتج فني أو أدبي لا تتحقق بتمامها إلا بتكامل وتفاعل أنساقها ووحداتها ومضمونها،وحركية أنساقها، ومشاهدها ومدلولاتها، وشخصياتها، وإحالاتها الجديدة ،ومتعلقاتها الملصقة بها؛ مما يعني شعرية الحدث والموقف الجمالي المؤثر.ولهذا تشتغل هذه القصائد على أوتار الرؤيا وفواعل الحدث النشط والمشهد البانورامي المحتدم المؤثر.

لا تعليقات

اترك رد