قراءة في قصيدةِ ( لا تحزني ) للشَّاعرِ رياض الدليمي

 
قراءة في قصيدةِ ( لا تحزني ) للشَّاعرِ رياض الدليمي
لوحة للفنان اسماعيل نصرة

في معبدِ الحبِّ تراتيلُ قلبٍ معتَّقٍ بالحزنِ واحتفاءٌ بالجمالِ والأنوثةِ ؛ الأنثى الُّلغَةِ / والأنثى الأسطورةِ ، تتصاعدُ أنفاسهُ بخورا مقدَّساً ؛ لترتقي إلى عرش الآلهةِ ، روحٌ قشَّرتها الأحزانُ ، فغدتْ أرقَّ من النَّسِيمِ ، وأحن على الأنثى من الأنثى نفسها ، تبدت لنا في قصيدة الشَّاعِرِ رياض الدليمي . يرشدنا العنوانُ في النََصِ (لا تحزني ) ،إلى سيطرةِ مقولةِ الحزنِ ، يرد فها مقولاتٌ فرعيَّةٌ عدَّةٌ كمقولةِ الأنثى الأسطورة ، واحتراف الحزنِ عبر تحولاته المختلفةِ ، وفلسفةِ الزَّمَنِ والوقتِ . إنَّ التَّجربةِ هي المصدرُ الرئيسُ لشعرِ الشَّاعِرِ ، والحزنُ هو النَّتيجةُ غيرِ المنطقيةِ للحياةِ ، انطلاقا من أنَّ الحبَّ والجمالَ والوقتَ من أجلِ الحياةِ لا يمكنُ أن يتتبعا الحزنَ في الحياة وتظهرُ النَّزعةُ الدَّراميةُ لدى الشَّاعر بإعلانِ ( لا تحزني ) اللفظةُ المشبعةُ بالحزنِ ، وَإِنْ طلبَ من أنثاهُ عدمَ الحزنِ ، ليظهرَ لنا فلسفتهُ في الوجودِ ورفضهِ لمنطقِ الحزنِ الذي لا يتناسبُ مع الجمالِ والحياةِ ، لذلكَ نراهُ في المقطعِ الأوَّلِ محترفاً للمخاضِ وقطفِ الثمارِ ويجيدُ لعبة النِّسيانِ ( الطوفان ِ ) الذي يمسحُ كلَّ شيءٍ وما بينهما ، متناسيا كلَّ الأحلامِ الجميلةِ التي علَّقها على قاماتِ النخيل ( الشخصيات العالية ) أو الصَّغيرةِ (في الوديان) ، فلا فرق في فصولِ الحياةِ ، وتقلباتِ الطقسِ لديهِ ، طالما لا تقدِّمُ تغيراتٍ جذريَّةً في حياتهِ.
يبدأُ الشَّاعرُ بلفظةِ ( محترفٌ) : محترفٌ هو أي اتَّخذهُ حرفة لَهُ واتجهَ نحوه وتركَ كلَّ مهنة غيرها ، ليكسب عيشهُ في الحياة ، فلا تفنيهِ سيوفها وذئابها، وللجني والقطافِ من بساتين الحياةِ ، لم تأتِ هذه اللفظةُ عبثاً بل نتيجةَ ألمٍ كبيرٍ عاشهُ منذُ طفولتهِ ونشبَ أظفارهُ في جسدهِ وروحهِ ، حتى غدا متقناً له واتخذهُ مهنتهُ فهو لا يبالي بالانكساراتِ والهزائم وذلكَ الأسى العميق علَّمه دروسا في التعاملِ مع الخسارةِ ، فهو يعرفُ من أين تؤكلُ الكتفُ ، فلْن يخرجَ من البستانِ خالي اليدين ، وإنَّما يجمعُ في سلالهِ ثماراً طيبةً ومن مدرسةِ الحزنِ تخرَّجَ متفائلا ، لأنه لا يحبُّ اللونَ الأسود وإنما يمزجهُ بالحليب ليكونَ أبيضَ إنَّهُ يمزجُ جميعُ ألوان قوس قزحٍ بالخير والفرحِ من كأس نفسه الجميلة الخضراء ببساطِ الأحلامِ رغم الألم ويرتشفُ خمرةَ جمالها مسحوراً سعيداً ، وتعلمَ كذلك النِّسيانَ (الطوفانِ ) فهو لعبتهُ المفضَّلةُ بعدَ كلِّ موتٍ أو انكسارٍ أو وجعٍ وهذه المفارقة الكبيرة في الاحتراف والإتقانِ ، ثم محاولة النسيان ، تظهرُ الألم المستمرَ الذي لا ينتهي وفي المقطعِ الثاني ينتقلُ إلى الإقرارِ بخيبتهِ من الزَّمَنِ ، من خلال فلسفته عن الوقتِ والزمنِ ، فلا شفاعةَ للشَّمسِ أو للفصول وصيفها ، ولا شفاعةَ للصبرُ الكبيرِ الطويلِ ، وفي المقطع الثالث : يتحولُ الشَّاعرُ في خطابه إلى الأنثى التي لم تتعلَّمْ من تجارب الحزنِ ، كما تعلمَ هو ، وإنَّما حولها الحزنُ إلى عاشقةٍ للرَّبِ ، فهي الأنثى الأسطورة التي تملكُ كلَّ القدراتِ الإلهية والصفاتِ الجمالية في العطاءِ والتغيير ِ فهو لا يستخلصها من التَّاريخِ إنَّها ليست بلقيسَ أو أفروديتَ أو عشتارَ ، وإنَّما ينتجها بنفسه من خلال تجربتهِ وثقافته ، بعد أنْ تعلَّم كيف تنتجُ الأسطورة، فهي : عصفورة مغرِّدةٌ ، وترمز إلى جمال صوتها وهي ترسم تضاريسَ الجنةِ والفردوسِ وتعلِّمُ الكونَ الذََوقَ والترتيب للجنائن ، بخمارها ولون حمرتها وهي الجمال الساحر الذَّي تغارُ منه الشَّمسُ وهي الآلهة التي تصلِّي لله فالصلاةُ لا توقظُ أحدا سواها ، والأنثى الأسطورة عندهُ تحبُّها الملائكةُ وتراقصها وتعلِّمها الدبكةَ الأعجميَّةَ وهي تتماهى مع الألوهة ( لا حدودَ فاصلةٌ مَعَ الرِّبِ ) في القدرةِ والجمالِ والعطاء العظيم والأسطرةُ للأنثى عنده تأتي كذلكَ من خلالِ صبرها عَلَيْهِ وانتظارها لحبه ، رغم حماقاتهِ وانهزاماتهِ ، وفقره المادي ( المفلس ) .
في المقطع الأخيرِ يعودُ الشَّاعرُ إلى الذَّاتِ الشَّاعرةِ الحزينةِ التي رسم فيها الحزنُ أخاديد لا تندملُ ، والتي أورثتهُ إضافة ً إلى إتقان الأحزانِ والتعامل معها بقوةٍ ونسيان اللامبالاة وعدم الاهتمام وقطفِ الشهوة الوقتية بلا تأثرٍ بالفواجعِ والندم الكبيرين ، والنَّص يقدِّمُ لنا تفسيراً لأسطرة الشَّاعِرِ للأنثى من خلال حسن قراءتها ، وصوتها الأبحِ ، ونبضها المتسارعِ وتأوهاتِ صدرها ، وتراتيلِ العشقِ والجمالِ التي تعزفها ، فأشجارُ النَّاي لا تعزفُ إلاَّ لها المغامرةُ اللغويَّةُ وتحولاتِ الدِّلالةِ .
لاشكَ أنَّ الشَّاعرَ باستخدامهِ قصيدةِ النثرِ قد أحسنَ السَّردَ والتَّشويقَ ، وقدَّمَ إمكاناتٍ تعبيريَّةٍ عاليةٍ فالعباراتُ (مرسومٌ تحتَ الجفنِ / والعنق / يخفي الطِّلاءَ / تجاعيدَ وذبولاً وحسرة .) تظهرُ لنا ماهيةُ الوقتِ والعبارات ( محترفٌ هو / بمخاضِ الضلوعِ / وقطفِ الثِّمارِ / يتناسى أسماء الفصولِ / وتقلباتِ الرِّيحِ / يذيبُ الألوانَ بالحليبِ ) توضِّحُ آثارَ الحزنِ على الشَّاعِرِ التي تؤكدُ في النِّهايةِ أنَّ الشِّعرَ هو صناعةٌ لغويَّةٌ قائمةٌ على قدراتٍ هائلةٍ يجبُ أنْ يتمتَّعَ بها الشَّاعرُ وقد استطاعَ الشَّاعرُ أنْ يستمدَّ الكثيرَ من التقنياتِ التعبيريةِ في تجسيدِ مقولةِ الأنوثةِ أهمها الفهمُ العميقُ للأسطورةِ ، الذي مكنه من إنتاجِ أسطورتهِ( ١) الأنثى اللغة / الأنثى الآلهة( كأنَّ الآلهةَ تراقصكِ وتدبكُ قدميكِ) وأولُ ما يلفتُ الانتباهَ ، هو الاحتفاءُ بالحزنِ التي قدمتْ الدلالةَ في إطارٍ تشويقيٍّ يقومُ على التعدادِ لآثارِ الحزنِ ( أنا أتقنُ العبثَ ويذيب الألوان بالحليبِ – يتناسى أسماءَ الفصول.. مخاضُ الضلوع ……. )باستخدامه أسلوب الغائب( هو ) ثمَّ يتابعُ في المقطعِ الثاني بالاهتمام بالوقتْ والزمن ويتابعُ في المقطعِ الثَّالثِ في الاحتفاءِ ، بالأنثى عبرَ الأسلوبِ الخطابي الفخمِ المدججِ بالعباراتِ القويّةِ معتمدا على أسلوبِ التعداد لصفاتها ( تسقينَ سدراً – بصبركَ علي ..بلوعاتكِ – بانتظاراتكِ..) كما يدججُ الشَّاعرُ معانيهِ فيستخدمُ عباراتٍ لا تخلو من طرافةٍ ( فواجع النَّدمِ – جرعاتٍ الصبر – تعزفُ أشجارُ النَّاي – لكِ وحدكِ )
حيويَّةُ الُّلغَةِ : وتأتي حيويَّةُ الُّلغَةِ عند الشَّاعِرِ ، من خلالِ كثيرٍ مِنَ المفرداتِ التُّراثيةِ وإعادةِ تلميعها، عبرَ استخدامها في أسيقةٍ وتشكيلاتٍ دلاليَّةٍ جديدةٍ مثال( مخاض- قامات -يتسلَّقُ -يذيبُ – مغادرة ) ، ومن ناحيةٍ أخرى تأتي الحيويَّةُ في لغةِ الشَّاعِرِ من استخدامه كثيرٍ من الألفاظِ المعاصرةِ والمستمرةُ في الحياةِ الشَّعبيةِ ( تغارُ – يثملُ – تعشقينَ – يشفع – ) أو الألفاظِ المستقاةِ من شفاه العامةِ ( الابح ) استخدام اسم الموصولِ مع الفعلِ وكذلكَ من إدخالِ مصطلحاتٍ جديدةٍ على الشِّعرِ من لغة العصرِ والتَّفجرِ المعرفيِّ كانت محظورة من الدُّخولِ إلى محرابِ الشِّعرِ المقدَّسِ (جرعات – تضاريس – الحليب – دورات – تقلبات ) أمَّا على صعيدِ التَّشكيلاتِ الانزياحيَّةِ فقد برزتْ في إقامةِ العلاقاتِ الجديدةِ ، وإقامةِ التَّشبيهاتِ المبتكرةِ المستخدمةِ في حياتنا المعاصرةِ والصورِ المركَّبةِ المشحونة بطاقاتٍ شعوريَّةٍ عاليةٍ ( الطوفانُ لعبتهُ المفضلةُ ) ( جرعات صبرٍ ) ( فواجعُ النَّدمِ ) الطوفان شيءُ معنوي ويقصد به النسيان واللعبة شيء مادي ، وهذا خرقٌ للأسلوب الشَّائعِ الذي يصاحب كلمة الطوفانِ ( الكبير ) ولكن الشاعر أراد أن يعطيها بعدا آخر محسوسا وكذلكَ جرعاتُ إنَّها شيءٌ ماديٌّ والصَّبرُ شيءٌ معنوي ، لكن الشَّاعرَ أرادَ إضفاءَ بعدٍ كميٍّ على الدِّلالةِ . والحقُّ أنَّ لُغَةَ الشَّاعرُ تزخرُ بالانزياحاتِ اللغويَّة المدهشةِ والتي تحتاجُ إلى فكِّ أسرارها والتِّقاطِ جواهرها لأنَّ اللغةَ هي شخصيَّةُ الشَّاعِرِ وخصوصيته كاملةّ فيها .
قصيدة لا تحزني (2)
محترفٌ هو
بمخاضِ الضلوعِ
وقطفِ الفاكهةِ .
يتناسى أسماءَ الفصولِ
وتقلباتَ الريحِ .
يطأ كل الأوديةِ
يتسلقُ قاماتَ النخيلِ .
يخشى وخزَ الصبّار.
يذيبُ الألوانَ بالحليبِ .
يرتشفُ بشهقةِ مسحورٍ
أعتادَ مُغادرةَ الجناتِ والأمكنةِ .
الطوفانُ لعبتهُ المُفضلةِ .
بعدَ كلّ دمعةِ حزنٍ
وميتةٍ .
تطأطئين رأساً رغمكِ
في كل السنين الغابرةِ .
يا امرأةً
لا تحزني
انه الوقت
مرسومٌ تحتَ الجفنِ
والعنقِ .
يخفي الطلاءُ
تجاعيداً وذبولاً وحسرةً .
وخمار يسترُ ألاعيبهُ .
ليسَ لديهِ شي آخر
سوى دورةِ أَرضٍ
سُكرى
وأوقاتِ صلاةٍ
في الصُبحِ والعصرِ
وعتمةِ ليلٍ .
منْ يشفعُ للوقتِ
شموسا
أم فصولاً
وجرعاتُ صبرٍ
لم نسمعْ خريفاً يشفعُ
وصيفاً انتهى بسدرةٍ .
يا امرأةً لا تحزني
وأنتِ تعشقينَ الربَّ .
عصفورةٌ أنتِ
يثملُ فيكِ الوقتُ
وتغارُ شمسٌ
توقظكِ صلاةً .
الجناتُ رُسمتْ بتضاريسِ وجدُكِ
أَنهارُ خمرٍ ،
وجناتٌ بلونِ عينيكِ
وأخرى
بلونِ خماركِ
وحمرّةُ خدّكِ
تقهقهُ بغمازتيكِ
وألوانكِ الزهرّيةِ
كأنَّ الملائكةَ
تراقصكِ تارةً
وتدبكُ قدميكِ
ألحاناً فارسيّةً
أَراها بتجاعيدكِ
بقلبكِ الموجوعِ
بنبضكِ المتسارعِ
بصوتكِ الابح ،
أغاني وتراتيل عشق
واشجان نايٍّ
لكِ وحدكِ ،
لا حدودَ لها
ولا حدودً فاصلةً لكِ مع الربِّ .
أراكِ
تسقينَ سدراً
بقطافِ سنينكِ
بانتظاراتكِ
بلوعاتكِ
بصبركِ عليَّ .
أنا المهزومُ
.. العاشقُ .. المفلسُ
.. المنفلتُ من دوراتِ الشمس ،
أنا الهائمُ
أتفيءُ بالعبثِ
وشهواتِ الوقت .
المتيمُ بانكساراتِ اللحظةِ
وفواجعِ الندمِ .

إحالات
(١) تحولات الدِّلالة . الدكتور هايل الطالب
(2) قصيدة لا تحزني للشاعر رياض الدليمي

المقال السابقالوطن مذكر ومؤنث ؟!
المقال التالىجروح لا تندمل 
مرام عطية .. كاتبة وشاعرة سوريا حمص ، تولد 1964 متزوجة، ماجستير لغة عربية من جامعة البعث في سوريا، تعمل في حقل التدريس، لديها ثلاث دواوين تحت الطبع. نشرت العديد من القصائد والدراسات في مختلف المجلات والصحف والدوريات....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد