محاربة الفساد في تونس مسؤولية الجميع …


 
محاربة الفساد في تونس مسؤولية الجميع ...

يعتبر الفساد افة خطيرة على المجتمع , وهو ظاهرة عالمية تشكو منها كل الدول ولاسيما العالم العربي , لما له من خطر على الأمن الاجتماعي والنمو الاقتصادي والأداء الاداري . فالفساد داء ينهش النسيج الاجتماعي من جوانبه الثقافية والسياسية والاقتصادية , فهو يعد من أكبر التحديات التي تواجه مجتمعاتنا , باعتباره يقوض الديمقراطية ويشوه السياسة العامة للبلاد , كما يدفع الى اساءة توزيع الموارد ويضر بالقطاع الخاص وتنميته , ويلحق أكبر الضرر بالفقراء .
فالفساد لصيق بالطبع البشري وموجود في المجتمعات كلها , بعضها كان أكثر نجاحا في ادراك مخاطره والحد من انتشاره ومحاربته , لكن مع الأسف هذه الظاهرة استشرت اثر التغيرات السياسية الأخيرة التي شهدها العالم العربي , ما يسمى ب” ثورات الربيع العربي ” , كما حصل في تونس , والتى حملت في طياتها امالا في الديمقراطية والشفافية والحوكمة الرشيدة , الا أنه نلاحظ اليوم أن الفساد قد زاد في تونس وتفاقم خلال السنوات التي تلت الثورة , وطال العديد من القطاعات التي من المفروض تكون في منأى عن كل الممارسات اللاأخلاقية كالرشوة والتحيل والاستيلاء على المال العام والولاءات والمعارف …. وليس أدل على ذلك من أن تونس تراجعت الى المرتبة 79 على مؤشر الشفافية الدولية سنة 2014 بعدما كانت في المرتبة 59 سنة 2010 .
وباعتبار الفساد أشبه ببذرة , لا يمكن أن تنمو الا اذا توفرت مجموعة من العوامل الملائمة لنموها , وتكون العقبة الرئيسية أمام الاصلاح والتنمية والاستثمار الصحيح , وسببا مهما لتنامي أعمال المخدرات والارهاب والتهريب والمافيات , فما هي أهم هذه العوامل المحركة لثقافة الفساد واستشرائه في تونس ؟ وكيف يمكن محاربته ؟ وهل حكومة ” الشاهد” ستنجح فيما فشلت سبقتها في اعلان الحرب بلا هوادة على هذا السرطان المخرب أم ذلك مسؤولية الجميع ؟؟؟
لا حديث في تونس في الفترة الأخيرة سوى على الفساد واستشرائه في مفاصل الدولة والمجتمع بعد الثورة , مما جعل رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب , يطلق صرخة فزع مبينا أهم الأخطار المحدقة بتونس اذا لم يتم التصدي بسرعة للفساد الذي سيحولها الى ” دولة مافيوزية ” ويمكن أن ينتج ثورة ثانية يتم خلالها طرد البرلمان وأعضاء هيئة مكافحة الفساد حسب قوله .
وعموما الفساد ظاهرة معقدة ومركبة , وتشمل الاختلالات التي تمس الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقيمي ( الأخلاقي ) . قد يتخذ الفساد أشكالا مختلفة ومتعددة , ومن ابرزها الفساد السياسي ( كاستخدام المال في العمليات الانتخابية ) والفساد الاداري والفساد الاقتصادي والفساد المالي وكذلك المؤسسي حيث يصبح جهاز الدولة نفسه مؤسسة للفساد . ويمكن التمييز بين الفساد الصغير ( وهو الفساد الذي يمارس من فرد واحد دون تنسيق مع الاخرين وينتشر بين صغار الموظفين عن طريق استلام رشاوى ) والفساد الكبير ( الذي يقوم به كبار المسؤولين لتحقيق مصالح مادية ) وهو من أهم وأخطر لتكليفه الدولة مبالغ ضخمة . ومن مؤشرات الفساد التي تظل واضحة المعالم وتتفشى داخل المجتمع هي شيوع ظاهرة الغنى الفاحش والمفاجئ في المجتمع , وظاهرة الرشوة والمحسوبية والولاء لذوي القربى في المناصب والوظائف , بدلا عن الجدارة والكفاءة والمهارة المهنية والنزاهة , اضافة الى بيع الممتلكات العامة لتحقيق منافع ومكاسب خاصة , وانتشار ظاهرة الابتزاز المتمثلة في التعقيدات الاجرائية , الذي يؤدي الى هروب رؤوس الأموال من البلد .
لقد سجلت الهيئة الوطنية المكلفة بمراقبة الفساد في تونس تراجعا في الفساد الكبير مقابل استشراء الفساد الصغير كالرشوة والولاءات والأكتاف والمعارف . وهذا ما أكده تقرير البنك الأوروبي على تفشي الرشوة والفساد في تونس بدرجة أكبر من الاردن والمغرب , وهو من أهم العراقيل التي تواجه الشركات والاقتصاد . كما كشفت مصادر من الجمعية التونسية للمراقبين العموميين من خلال دراسة تم انجازها حول انتشار الفساد الأصغر في تونس , فان التونسيين قد دفعوا 450 مليارا سنة 2013 لتسهيل معاملاتهم وهو ما يعبر عنه ” الخموس والعشور “وورقة العشرين دينارا والخمسين دينارا . فحسب منظمة الشفافية المالية , فان نسبة الرشوة في تونس مرتفعة , حيث حوالى 27 % من التونسيين دفعوا رشوة وشاركوا في عملية فساد تتمثل في دفع رشاوى صغيرة تتراوح بين خمسة دنانير وخمسين دينارا , لتسهيل معاملاتهم اليومية مع العديد من القطاعات . ورغم نظرة التونسي الى هذه الظاهرة كشكل من الانحطاط الأخلاقي وخرق لأحكام القانون , فانه يرى أن الرشوة تسهل المعاملات اليومية , والنفاذ الى الخدمات الادارية . ويبدو أنه لا يوجد أي قطاع في منأى عن الرشوة والفساد . فما هي الأسباب لانتشار هذه الظاهرة واستفحالها في تونس ؟
اذا كانت الأسباب كثيرة ومتشعبة , فان الفساد حسب ما يرى المحللون والخبراء , يكثر بعد الثروات نتيجة ضعف الدولة وأن الفترات الانتقالية من شأنها أن تشجع على كل ما هو غير منظم , فهي فترات تتسم بعدم الاستقرار وضعف الدولة وانعدام المراقبة وتهميش دور السلطة القضائية وفقدان العدالة وعدم معاقبة المسؤولين الكبار الذين تورطوا في عمليات الفساد ونهب المال العام , اضافة الى تراخي الحكومات المتعاقبة وتخاذلها في معالجة المسألة وغياب الارادة السياسية في مكافحة هذه الظاهرة .
ولا غرو في ذلك أن اثار الفساد في تونس بعد الثورة , حالت دون تحقيق تنمية شاملة داخل المجتمع , مما يدل على ذلك تقارير المنظمات الدولية والوطنية حيث أصبحت تونس تحتل مرتبة متقدمة في مؤشرات الفساد وهي مصنفة من بين الدول الأكثر فسادا في العالم , بسبب عدم قدرة الدولة على اختراق المجتمع وبسط سيطرتها في ادارة العلاقات الاجتماعية بين المواطنين ووجودها القانوني , وأيضا عدم قدرتها على تحصيل الموارد وعلى رأسها الضرائب , حيث حدث العديد من التهرب الضريبي , اضافة الى عدم محاربة الاقتصاد الموازي الذي لا يحقق أي قيمة مضافة للاقتصاد , بل يحقق منفعة شخصية للعاملين به , وهو اقتصاد لا يخضع للرقابة الحكومية , ولا تدخل مدخلاته ومخرجاته في الحسابات الوطنية , وأصبح حاليا يمثل 50 % من الناتج المحلي الاجمالي حسب الوزير المالية الحالي , ويضم المتهربين من الضرائب والرسوم الجمركية , مما يترتب عليه ضياع أموال طائلة من خزانة الدولة ويؤدي الى اعاقة عملية التنمية وبالتالي يمنع من خلق قطاعات منتجة , مع استمرار ارتفاع الأسعار ومعدلات الفقر والبطالة والامية وتدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية , وزيادة حدة التفاوت الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء , وهو ما انعكس بالسلب على تركيبة المجتمع نتيجة تركز الثروة في يد فئة قليلة من الأفراد , وهو ما يمثل خطرا على المجتمع الذي تم تقسيمه من خلال اضمحلال الطبقة الوسطى التي تخلق التوازن . وهذا ما أكده الخبير الاقتصادي حسين الديماسي , أن تونس أصبحت تضم أكبر نسبة من الأثرياء في شمال افريقيا بعد الثورة , وأغلبهم كونوا ثروتهم من التهريب والمضاربة والاحتكار خاصة بالمواد الغذائية , اضافة الى عملية تبييض الأموال .
ونتيجة لهذا الوضع , ظهرت العديد من السلوكيات غير المحمودة لدى التونسي مثل الرشوة والسرقة , وخطورتها لا تتوقف عند ذلك , بل تكمن في هدم القيم والأخلاق , وتحويل مبادئ العلم والمنافسة الى صفقات , وهذا أدى الى غياب الوعي واللامبالاة وعدم الاكتراث , وجعل الفساد عادة نتيجة لذيوعه بشدة في المعاملات اليومية , وبالتالي ترسيخ ثقافة الفساد عوضا عن ثقافة النزاهة والشفافية . فكيف يمكن مواجهة هذا السرطان المدمر والمفقر للمجتمع التونسي وخاصة ان أغلب الحكومات المتعاقبة التي رفعت مكافحة الفساد شعارا , عجزت على ارساء مقومات الشفافية والحوكمة الرشيدة ومقاومة اللوبيات والتصدي لها , ناهيك أن رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد , أعتبر خلال جلسة عامة بالبرلمان لمنح الثقة من عدمها (30 جويلية 2016) , أن محاربة الفساد ليست بالأمر الهين وهي أصعب من محاربة الارهاب !!! وهل حكومة الشاهد ستنجح في مقاومة الفساد وقلعه من جذوره ؟؟؟
وفي انتظار ما تحمله الأيام القادمة للبلاد من امال أم خيبات , باعتبار مقاومة الفساد ظلت في دائرة القول والوعد أكثر منها اتجاها نحو الفعل والتطبيق , فلا بد من وضع سياسات تقوم على محاربة الفساد , وهي مسؤولية الجميع , فنجاح الدولة في اقتناص وهزيمة الفساد , لا يكفي له تشريعات وحدها مهما كانت كثرتها , ولا التحريات مهما كانت دقتها بل ولا حتى المحاكمات مهما بلغت شدتها , لأن كل ذلك حالات بعينها أو مجهودات فردية , بل يجب أن تتضمن استراتيجية واضحة المعالم لمقاومته , والترويج لهذه الثقافة , ووضع البرامج الثقافية والاعلام وبرامج التعليم , وأن تكون هناك خطوات واليات لاتخاذ التدابير التي تمنع حدوثه وتكشف عن وقوعه , مع دعم وتعزيز هيئة مكافحة الفساد بكل الامكانيات ومنحها مجالات زجرية واسعة للضرب بقوة على أيادي المفسدين مهما كان موقعهم ونفوذهم ,فالحيتان الكبيرة ماتزال ترتع في البلاد دون حسيب أو رقيب ولا من يتجرأ على مس مصالحهم وتهديد نفوذهم المالي الذي امتد ليصبح سياسيا أيضا , والا سيذهب الأمر كله في خبر كان وعندئذ نقول ليته كان بعد فوات الآوان.

لا تعليقات

اترك رد