الطفولة في العراق، نحو الهاوية

 
الطفولة في العراق، نحو الهاوية

واجه الشعب العراقي بكافة فئاته و أطيافه الكثير من التحديات و الصعوبات و المعاناة خلال عصور و حقب زمنية مختلفة و متباينة، لكن ربما كانت هذه المعاناة أكثر شدة و ضراوة خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية، ربما إبتداءا من الحرب العراقية الإيرانية و بعدها حرب الكويت و ” تحريرها” و من ثم الحصار الظالم الطويل، وصولا إلى الإحتلال الأمريكي البريطاني الإيراني عام ٢٠٠٣، و إمتداد لما بعد ذلك وصولا ليومنا هذا ..

و لا يخفى عليكم كم تؤثر هذه الظروف الصعبة المعقدة على نفسية و سلوكيات الإنسان الإعتيادي، فكيف الحال مع الأطفال الصغار الذين لم يكتمل نموهم و مستويات فهمهم و إستيعابهم لما يدور حولهم، و يمكننا القول أن أجيالا عديدة سابقة و حالية، و أجيال أخرى مستقبلية من هؤلاء الأطفال لم يحصلوا على الأغلب على الحد الأدنى من المستلزمات و الشروط الإنسانية و الطبيعية التي تفترضها الكثير من المنظمات الدولية، و هذه الأجيال المظلومة تهدد بشكل مباشر مستقبل هذا البلد، فأطفال اليوم هم رجال و نساء الغد، و إذا كان أطفال الأمس و اليوم لا ينشأون في بيئة مناسبة صحية صحيحة، و لو بالحد الأدنى، فهذا يعني أن رجال المستقبل و نسائه سيكونون غير مهيأين لا نفسيا و لا سلوكيا و لا علميا و لا إجتماعيا و لا دينيا للقيام بمهامهم و ممارسة دورهم في بناء البلد و حمايته و الدفاع عن أرضه إن إستوجب الأمر ذلك ..

الأطفال في كل دول العالم و منذ نعومة أظفارهم يحتاجون إلى رعاية و توجيه و متابعة، يتقاسم هذه المهام الأهل في البيت و المدرسة و العائلة الأكبر و المجتمع في الشارع و المنطقة، و المجتمع الأكبر في البلد ذاته، و الدولة أو الحكومة في أي بلد يكون لها دور القيادة و التوجيه و توفير المستلزمات، ففي الدول المتقدمة نلاحظ أن معظم الإنتخابات المحلية أو العامة يسيطر عليها دائما شعارين رئيسيين، هما التعليم و الصحة، و التعليم تسخر له الجهود الكبيرة و الإمكانات اللازمة لتوفير هذه الخدمات للجميع و بشكل اساسي الأطفال، كذلك فأن الإعلام له دور هام في المتابعة و التوجيه فيما يتعلق بالأطفال و حقوقهم و ما يتعرضون له من مخاطر و أذى و عنف أسري أو خارجي إلى غير ذلك، و لكم أن تتخيلوا مدى توفر هذه الأمور و المستلزمات في العراق اليوم في ظل التردي العام في السياسة و الإقتصاد و الخدمات و الصحة لجميع فئات الشعب، و لا شك الأطفال سيكونون اول الضحايا لما يحصل هناك ..

ضمن هذا السياق، أصدرت المنظمة الدولية للطفولة، اليونيسيف، قبل عدة أسابيع تقريرا يلخص الأحوال الإنسانية و المعاناة البشرية في العراق، حيث بين التقرير أنه كما في الثالث من شهر تموز السابق، كان هناك ما يقارب من ٣،٣ مليون شخص من المهجرين و اللاجئين، و حوالي ٧٧٨ ألف من العائدين إلى مدنهم و مناطقهم في العراق، نصفهم تقريبا من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٨ عام ، و هنا أود الإشارة إلى أن هذه الأرقام على الأغلب متحفظة جدا، و أن أعداد الضحايا من الكبار و الأطفال أكبر كثيرا كما أوردته دراسات و تقارير أخرى ..

و أشار التقرير، إلى أن الصراعات و المعارك قد إحتدمت و تصاعدت خلال النصف الأول من عام ٢٠١٦، و يتوقع تزايد حدة المعارك و الصراعات خلال الفترة القادمة تحت غطاء تحرير عدد من المناطق التي يسطر عليها ما يسمى بتنظيم داعش، و هذا يهدد بتزايد أعداد اللاجئين و المهجرين و الجرحى و القتلى، و تعمق و تعقد المعاناة الإنسانية و البشرية في العراق، علما أنه فقط خلال شهري مايس و حزيران الماضيين إضطر ما يقارب من ٨٥٠٠٠ شخص بضمنهم حوالي ٤٠٠٠٠ طفل، إضطروا لترك أراضيهم و مناطقهم و بيوتهم و النزوح إلى مناطق أخرى في ظروف إنسانية بالغة السوء و الصعوبة، و بشكل خاص في مناطق الرمادي و الفلوجة ..

و أشار التقرير إلى أن الأحوال الإنسانية و المعاناة البشرية تتفاقم و تتعقد في العراق بشكل عام، مع وضع خاص و مؤلم و محزن فيما يتعلق بالأطفال دون سن ١٨ عام و الذين يشكلون نسبة كبيرة من المتضررين، بشكل خاص فيما يتعلق بتوفير المواد الغذائية و المياّه النظيفة و الظروف الصحية العامة لهم، كذلك فأن هناك خطر كبير يتهدد هؤلاء الأطفال فيما يتعلق بتوفير خدمات التعليم و التدريس المناسبة لهم في ظروف بالغة السوء و التعقيد، آخذين بنظر الإعتبار أن المنظمة تعاني غالبا من نقص الموارد المالية و شحة التبرعات و التخصيصات مما يؤثر سلبا على نوع الخدمات و الفعاليات التي توفرها للمهجرين و اللاجئين العراقيين ..

كذلك يشير التقرير إلى معاناة اللاجئين و المهجرين من شحة و نقص الخدمات الطبية و الصحية و شحة المواد الغذائية المتاحة لهم بكافة أنواعها، و هذا ما يؤثر سلبا على الأطفال بشكل خاص، و صحتهم العامة و نموهم و تعرضهم للإصابات و الأمراض ..

و بين التقرير إلى أنه لغاية يوم ١٢ من شهر تموز ٢٠١٦، فأن هناك عجز بنسبة تقرب من ٤٠ ٪ في التخصيصات المالية التي تحتاجها المنظمة لتنفيذ برامجها لمساعدة الأطفال اللاجئين و المهجرين في العراق، و أن هذا العجز يهدد بإستمرار معاناة هذه النسبة الكبيرة من الأطفال، و يهدد مستقبلهم و ظروفهم الصحية و المعيشية ..

ما يشير له التقرير مهم و خطير، خاصة إذا عرفنا أن هذه الظروف و المعاناة مستمرة و بشكل مضاعف و غير مرشحة للإنتهاء و التوقف بل ان المستقبل القريب و المتوسط فيه كثير من الغموض و الكثير من التهديدات لأرواح المواطنين في العراق في الكثير من المناطق، و بشكل خاص للأطفال ..

في تقرير آخر للمنظمة تحت عنوان ( الثمن الباهض الذي يدفعه أطفال العراق – العنف و الصراعات تدمر و تحطم أطفال العراق )، يتصدر التقرير صورة بنت عراقية عمرها ٥ سنوات، هربت و تهجرت هي و عائلتها من الصراعات و القتال في مدينة بيجي، و إضطرت للهروب عبر طريق طويل ملئ بالمخاطر عبر سوريا و تركيا قبل الوصول إلى منطقة كردستان العراقية، و هي قصة و صورة مبكية و محزنة جد ..

و لكم إن تتصوروا أطفال بهذا العمر يجبرون على ترك بيوتهم و جيرانهم و مدارسهم و أصدقاءهم، و يفرون هربا من القصف و المعارك و تجاوزات الميليشيات المختلفة، و من ثم يضطرون لإستخدام المشي و ربما ركوب الحيوانات و السير لأيام طويلة ليلا و نهارا، في الحر و البرد، تحت أشعة الشمس و المطر و الغبار، بهدف الوصول إلى غايتهم النهائية، و يكونون من المحظوظين لو وصلوا إليها سالمين هم و أهاليهم و من معهم، و غالبا ما نسمع أن البعض من الأهالي أو الأطفال يموتون في هذه الطرق الطويلة، و ربما يفقد بعض الأطفال أهاليهم ، و لكم أن تتصوروا حجم ألمهم و معاناتهم و حزنهم ..

يؤكد هذا التقرير على أن العراق الآن يعتبر من أكثر الأماكن خطورة في العالم على الأطفال، حيث يعاني الأطفال هناك منذ حوالي ٤٠ عاما من الحروب و المعارك و الحصار و الصراعات الدموية و الصراعات الأثنية و الطائفية التي دمرت البلاد و شردت العباد ، و كان الإحتلال و ما تبعه الشعرة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون، حيث تسبب كل هذه الأحداث إلى إنحدار معدلات النمو و التطور في البلد إلى مستويات مرعبة و مخيف لم يعهدها البلد سابقا، و في مجالات و قطاعات عديدة و مختلفة ..

و يبين التقرير أن ظروف ما بعد الإحتلال، و التطورات الأخيرة في الأوضاع الأمنية و الإقتصادية و السياسية و العسكرية في العراق، جعلته يفقد كل فرصة في إمكانيات تحقيق الأهداف التنموية التي حددتها الأمم المتحدة للأطفال، و خاصة ما يتعلق منها بزيادة أعداد الطلاب المسجلين في المدارس، و تقليل أعداد الوفيات من الأطفال ما قبل الخامسة من أعمارهم، و توفير المياه الصالحة للشرب لهم ..

و هنا أود التأكيد على موضوع المدارس، فبعد أن كان التعليم في العراق من بين الأفضل عالميا، و تمكن العراق من القضاء على الأمية بين الكبار، الآن نحن نهئ الأحوال لأجيال قادمة من الجاهلين و الأميين و المعقدين و ربما حتى المجرمين و القتلة و المنحرفين، و يكفينا أن نطالع عدد من الصور لعدد من مدارسنا اليوم في العراق، فنحن نسمع عن مئات المليارات تسرق من الموازنة طوال هذه الفترة بعد الإحتلال، و في نفس الوقت نرى أطفالنا يجلسون على الأرض في مدارسهم بدون رحلات، و ربما صفوف بدون سقوف و أباوب، و لكم أن تتخيلوا نتيجة ذلك ..

واحدة من الجوانب المهمة التي يركز عليها التقرير، هي الجوانب النفسية و السلوكية للأطفال و تأثيرات هذه الظروف في العراق عليها، حيث يشير إلى أن حوالي ٧٦ ٪ من الأطفال المهجرين من مناطق النزاعات و المعارك و العنف في العراق الذين يستقرون الآن في منطقة كردستان العراقية يعانون من حالات بكاء و صراخ متواصل غير طبيعية، كما يعاني عدد كبير منهم من حالات فزع و حزن و تراودهم أحلام مرعبة و مخيفة ، و بعضهم ظهرت عليهم بوادر تصرفات عنف و إعتداء على الآخرين نتيجة تفاعل الظروف التي مر بها ..

من الجوانب الأخرى التي بينها التقرير عن معاناة الأطفال، إضطرار عدد كبير من الأطفال و نتيجة للتهجير القسري و المفاجئ أن يفقدوا أهاليهم، و هذا ما يسبب معاناة كبيرة لهم إن لم يجدوهم لاحقا، قد تطول مدى الدهر، كذلك فقد إضطرت الظروف الصعبة التي يمر بها اللاجئين و المهجرين إلي إرسال أولادهم لايجاد فرص عمل تساعدهم للعيش و تعزز أوضاعهم الإقتصادية، و هذا ما قد يسبب تعرض هؤلاء الأطفال إلى مخاطر كثيرة و عنف و إعتداءات، و كذلك على الأغلب إبتعادهم عن المدارس و التعليم، مما يتسبب في خلق جيل جاهل غير متعلم ملئ بالعقد و المشاكل السلوكية و النفسية و ربما الإجرامية ..

لا أدري إن كانت جهة معينة في العراق تطلع و تهتم بمثل هذه التقارير، و تحاول إتخاذ أي إجراء بشأنها، و الله أعلم متى يمكننا و كيف نقيس كافة النتائج السلبية التي يواجهها أطفالنا، و كيفية معالجتها أو التقليل من مخاطرها و آثارها على أقل تقدير، و لابد أن نعطي هذا الموضوع أولوية متقدمة في الدراسة و البحث، فهو أشبه بقنبلة موقوتة سرعان ما تنفجر لنرى أجيالا من أطفال اليوم، قد بلغوا و معظمهم معقدين و منحرفين و مجرمين و جهلة و أميين، و من اللله العون و الرحمة ..

المقال السابققوارير ………ج ٣
المقال التالىمحاربة الفساد في تونس مسؤولية الجميع …
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد