قوارير ………ج ٣

 
قوارير .........ج ٣
لوحة للفنانة فهيمة فتاح

القارورة السابعة
البيت المهجور
ليس بيتاً عادياً انه قصر كان يرجع الى عائلة ارستقراطية تتمتع بالغنى الفاحش حيث تمتلك الاراضي الواسعة و المزارع البهية كان هذا البيت عبارة عن محطة استجمام لهذه العائلة فهي على الدوام في سفر و ترحال الى بلاد الغرب و في يوم من الايام كانت لديهم سفرة عائلية على احدى السفن المرموقة الباهضة الثمن حيث استأجروها خصيصاً غير ان القدر قال الكلمة الفصل و اغرق السفينة بمن فيها و ذهب كل شيء ادراج الرياح مند ذاك اليوم و القصر لم يطأه احد و اصبح مهجوراً بعد مرور سنه على حادثة الغرق كانت هي تذهب الى هناك تحمل معها رسالة تكتبها و ترميها داخل القصر الى الان و بعد مضي ثلاث سنوات حكمت الظروف بأنتقالها الى مكان آخر هي و امها الارملة وحيدتين في عالم واسع .
مرت الاعوام بسرعة البرق منذ رحيلها و ابتعادها عن القصر الملاذ الذي تترك فيه اهاتها و حسراتها و املها الضبابي خمس سنوات انقضت على اخر رسالة رمتها في ذلك القصر المهجور حيث استودعت سرها هناك يربض مع النسيان مصيره مصير البيت المهجور .
قرر الناجي الوحيد من السفينة المنكوبه و هو احد ابناء العائلة المالكة للقصر ان يتفقد القصر بعد مضي تلك السنين حيث كان يعاني المرض في تلك الفترة و بعد نقاهته الجسدية و النفسية عزم المجيء الى القصر حيث الذكريات مع العائلة الراحلة بلا عودة و هو تحدي لنفسه للتخلص من تبعيات الحادث و معاناتة في وسط البحر وحيداً متشبث بطوافة حتى وصول النجدة
خطواته تجره نحو القصر الذي فارقه منذ عشرة سنين تطأ قدمه العشب الذي نبت على الطريق طرياً براقاً يشع بالخضرة يمتزج مع الاوراق المتساقطة من الاشجار عند مرور الرياح و هي تغازل اغصان الشجر ، دخل القصر كان كل شيء في مكانه و الغبار يغطي يكسي كل شيء تجول في ارجاء القصر ثم دخل غرفة صغيرة و جد جزء من زجاج النافذة محطم مسبباً فتحة صغيرة في النافذة و وجد تحتها كم من الظروف المغلفة تقدم نحوها و جلس يقلبها كانت بلا عنوان فتح احد الظروف فوجد الرقم ٥ في اعلى الورقة لذلك عرف ان الرسائل مرقمة ثم جمعها جميعاً و وضعها في حقيبته مكملاً مشواره التفقدي .
قضى ما يقارب الخمسة ايام في القصر بعد ان جلب عمال ازالوا الاتربة و الاوساخ و اهلوا البيت للسكن من جديد و خلال هذه الفترة تفقد المزارع و الاراضي العائدة لهم ثم قرر العودة الى المدينة و التفرغ لقراءة الرسائل فربما فيها معلومات تخص العائلة فتح الظروف جميعها و بدأ يرتب الرسائل حسب الارقام و عندما اتم ذلك شرع بالقراءة

١
سوف اسعى اليك و انا خليط من المشاعر المتأججة بنار كرهك لكونك سبب الامي و سبب موت روحي و كياني و انوثتي اكتب اليك بعد ان اقتص الموت من اصحابك و لم يترك لهم اثر في هذه الارض و كأنهم لم يعيشوا ابداً و لم يضحكوا او يمرحوا لقد بددهم القدر فلم تحتضنهم التربة او يقيموا شاهداً عليها و اصبحوا كدقيق في يوم عاصف تذره الرياح بعيداً بلا اثر و اسألك اين اصحابك ذات الجبروت و ارباب الاموال الطائلة و وسامه ابنائها و غنج بناتهم و كبرياء سيداتهم و عظمة رجالهم الذين عاشوا بخديعة العظمة التي لم تكن عظيمة بسبب انه لا عظيم سوى الخالق اين هو صخبهم و حفلاتهم و اساورهم و حليهم و اقداحهم التي ملأت خمراً و نبيذ ربما في ركن من اركانك يعلوها التراب و يعشعش فيها العنكبوت و ها هي صفحة اخرى يطويها الموت كما طوى الطواغيت في هذا العالم ، اكتب اليك اليوم اخبرك انني اليوم اقوى منك و اشجع منك فلم اعد اهابك كما في السابق هذا لانك فقدت روحك الشريرة و ظلام الجبروت و هالة الشؤم و اصبحت بناية جرداء و عرش خاوي بعدما كان يعتليه الظلم و يمظي سيفه على رقاب الفقراء اتيتك من باب الشامتين حيث اقف على اعتابه و اشير الى اثار اؤلائك الممسوخين الذين ملؤك شراً و طغيان و كم شهدت انت على توسلات الفقراء و كم شهدت على دموع الجياع اما الان فأنت تشهد على الصمت الذي يملؤك و سوف اجعلك تبكي حينما اقذف برسائلي كالرجوم .

٢
انا ابنة فلاح يعمل جاهداً لسد رمق عائلته الصغيرة و يطمح لان تكون بنته في احسن تعليم لذلك ادخر كل جهده و كل ماله لتتخطى ابنته عوائق الزمان و تدرس في امان حتى ترتقي في حياتها و تعلمت و تفوقت من نجاح الى نجاح كان طائراً بها الى علياء الامل في رؤيتها تسموا مع المحلقين في فضاء التفوق و حجزت مكانها بين اولاد الذوات و هي ابنة الفلاح الفقير عمل بكل طاقته لجعل حدائقهم تزهوا تزين بها قصرهم بينما يرمون له الفتاة ليقتات عليها و عائلته الصغيرة

٣
طوال الاعوام التي مرت كانوا اولاد الذوات ينالون مني في المدرسة بسبب ملابسي الرثة و حذائي المتهرئ فلم اكن اعبه بهم لاني غازقه في حياتي الدراسية و اعتبرها الفرجة الوحيدة القادرة على اسعاد والدي تحقق ذلك بالجهد الذي بذله من اجلي و قطرة الذل تنسكب من جبينه

٤
امي المرأة الجميلة الرشيقة تساعد ابي و تعمل في ذلك القصر خادمة مطيعة كالنملة الدؤوب
تكنس و تمسح و تزيل الغبار و الاتربة ففي بعض الاحيان سهواً منها تبرز ملامح جسدها فتكون عرضة لعيون السيد الكبير مما جعل منه كتلة من غريزة تلتهب رويداً رويداً

٥
و في ذلك اليوم المشؤوم امر السيد الكبير امي بتنظيف غرفته و ذهبت على الفور ما ان دخلت الغرفة حتى اغلق الباب خلفها و بدأت غريزته بهتك ستر والدتي كم امقتك ايها القصر لكونك تتتستر على شذوذ ساكنيك و النتيجة دفاعاً عن شرفها رمت السيد الكبير بآنية و فجت رأسه النتن ثم هربت و جائت الى البيت ابي لم يكن موجوداً وكانت خائفة حد الرعب ثم جاء والدي و قبل دخول الدار تكالب عليه حراس القصر و اوسعوه ضرباً

٦
هرعت الى والدي و ارتميت عليه احاول ان اخلصه منهم لكنني لم اقدر و صرخت مراراً فصوتي لم يخرج حاولت ان اتكلم لا استطيع ثم رأيت ابي يلفض انفاسه الاخيرة تمتم بكلمات لم افهمها عندها بكيت و صرخت لكن صوتي اصابه الخرس و منذ تبك اللحظة و انا بلا صوت

٧
اقتادوا امي قسراً و هي تصرخ في ليلة ظلماء لم يتركوها و عندما قاومتهم قال لها السيد الكبير سوف تأتين معي طوعاً و الا ستكون ابنتك حِلاً لي فأستبيحها امام انظار حراسي لذلك كوني تحت طاعتي و تعالي معي ذهبت معهم و انا ابكي بلا صوت

٨
اياكِ ثم اياكِ يتسرب خبرٍ بما حدث قالها السيد الكبير بنذالة بعد ان هتك ستر امي و عودتها منكسرة ذليلة مات زوجها و اغتصبت و خسرت ابنتها صوتها و كادت ان تفقد عذريتها ايضاً ثم رمى لها رزمةً من النقود كما يرمي عظمة لكلب و قال هذه ثمن سكوتك و اكراماً مني سوف اقيم مراسيم عزاء تليق بزوجك

٩
مرت سنوات اصارع فيها المي و كوابيسي بفمنٍ لا يتكلم او يصرخ و ام ليست من الاحياء كأن العالم اسدل علينا ستائر سوداء احلام هاجرت مثل الطيور و دموع اغرقت الوسادة كل هذا و انت اصم ايها القصر شاهداً على كل ما جرى لكنك صرت مثلي اخرس بلا صوت فكيف اذكرك بما جرى سوى هذه الرسائل علها تعيد اليك الحياة

١٠
هذه اخر رسالة لك الى الوداع احملك عذاب لا ينقطع الى يوم انهيارك امام كلماتي
الى الوداع

اتم القراءة و كأن العالم اطبق على نفسه كاد يختنق مع دموع حارقة قرر البحث عن الخرساء و مد يد العون و تعويضها عن الالم في رحلة ربما تطول .

القارورة الثامنة
الريشة المجهولة
حينما يأخذ الله نعمة من نِعَمهِ يعطي الانسان افضل منها كما هذه المعاقة التي تكورت اناملها و اختل عقلها فباتت بين الجنون و العوق غير انها تمتلك موهبة الرسم اكتشفتها اختها عندما تركت اوراقها و قلمها و هي تدرس لتعود فتجد تلك المعاقة ترسم وجه اختها بحرفية تامه كانت مفاجئة اشبه بالصدمة بين التصديق و الحلم كيف لها ان ترسم و هي لم تتعلم يوماً او تمسك قلماً اساساً هي لا تعرف القراءة و الكتابة انهامن ضروب المعجزات ٌ او خيال الاحلام لكنها واقع مذهل تكلمت اختها معها عن كيف و متى و ما شعورها لكنها تساؤلات بلا جدوى كونها تسبح في عالمها المبهم الذي لا احد يدخل اليه سواها جربتها اختها كثيراً كانت في كل مرة ترسم وجهاً و بلمسات فنان بارع كان ذلك الوجه يتكلم بملامحه المتقنة رسمت اختها اولاً ثم رسمت جارتها المرأة العجوز التي اغدقتها بالرأفة و الحنية و رسمت وجوه عديدة منها من شاهدتهم في التلفاز رغم انها لم تنظر اليهم الا قليلاً و باتت اختها مقتنعة بموهبتها و خطرت لها فكرة ان تجعلها ترسم بالالوان احظرت لها الالواح و الالوان و الفرش و وضعتها امامها و بدأت ترسم فكانت من المفاجأت التي لا يدركها عقل فقد رسمت لوحات في غاية الروعة عن تفاصيل منزلهم و حديقتهم الصغيرة و رسمت شخصيات كارتونية مطبوعة على علب الحلوى .
تكتمت اختها على ذلك الحدث و تقربت اليها اكثر فأخذتها الى اماكن لطيفة من حدائق الى متنزهات و كلما ذهبت الى مكان رسمت جانب منه .
فكرت اختها كثيراً و كيف ان الله مَنَّ على هذه المعاقة جسدياً و ذهنياً بهذه الموهبة و فكرت كيف ترسم اشياء من واقع ملموس و تختار جانب منه ليس بذي تفاصيل مثيرة او لم يدوم طويلاً مثلاً في احدى رسومها رسمت الشال الذي وقع على الارض و بعد دقيقة رفعته اختها فعلقت تلك الصورة في ذهنها ثم رسمتها مع العلم ان هذا المشهد اختفى بعد دقيقة و لم يكن له وجود الا في ذاكرة هذه المعاقة حتى اخذتها دوامة الحيرة و الابهام و العجز عن تفسير هذه الظاهرة الفريدة من نوعها كما انها اكتشفت انها ترسم من خلال الصوت بعد مكالمه اجرتها اختها مع صديقتها و تطرقها لوصف فستان وجدته معروضاً في احد المتاجر و قفت مذهولة حين رأتها قد رسمت الفستان من الزاوية التي كانت تقف و تتمعن في تفاصيل ذلك الفستان انه لامر رائع و قد اصبحت هناك الكثير من اللوحات تملكت اختها فكرة ان تقيم لها معرضاً و لكن كيف سوف تكون ردة فعل الناس و ما هي التبعيات التي تترتب من ذلك الامر و بدأت نفسها تسري في عالم التميز و التألق من خلال ادعائها بأن هذه الرسومات تعود لها و هي من رسمتها
دخلت الفكرة في رأسها بقوة و ارادت ان تتميز اكثر و ان تخرج عن مألوف الرسم النقلي حيث كانت المعاقة ترسم نقلاً عن الصورة او السمع ، جربت اختها ان تطرح فكرتها تحت سمع المعاقة و ذلك بوصف حالة من الوجد لبنت تبكي و هي تتضرع الى السماء لكن الفنانه المعاقة لم ترسم شيء و مر يومان و هي لم تمسك فرشاة و بعد اليومين رسمت ذلك المشهد بدقة و تفاصيل مبهجة للناظرين استمرت اختها في ذلك الامر حتى احتلت لوحاتها مكانة بين المتذوقين ثم عرضت في معرض ضمني و من الصدف الجميلة ان اللوحات بيعت كلها .
بعد هذه الخطوة انهالت الافكار بطابع غريب و صور متلاحقة و مشوشة تقرئها اختها على مسامع الفنانة المعاقة فتقوم الاخيرة بطبع تلك الافكار يملامح واضحة جداً حتى ان اختها حينما تُسأل عن اللوحة تجيب عن مكنوناتها فكانت هي الافكار و المعاقة هي الانامل التي تمسك الريشة الى ان بدأت المعاقة ترسم اشياء خارج عن افكار اختها مما جعلها لا تعرف تأويل تلك الرسومات و باتت لا ترسم ما تسمع فقط ترسم ما توحي اليها الافكار التي تسبح في عالمها المحصن مما ازدادت اختها بالضغط عليها و وصل الامر الى حرمانها من بعض ما تحب من طعام و حلويات فتطور الامر الى نهرها و تأنيبها فأزداد امر المعاقة سوءً الى ان تركت الرسم فلم تعد تريد الالوان و القماش مرت سنة و المعاقة لم ترسم شيأً و اختها بعد ان اصبحت فنانه مزيفة طبعاً انهالت عليها طلبات المشاركات في معرض فنية تشكيلية و ندوات ثقافية حتى ان احدى لوحات الفنانه المجهولة المعاقة كانت حديث الندوة من تحليل و سبر اغوارها كانت قد وصلت اختها الى القمة و بعدها انهار كل شيء رغم محاولتها هي بالرسم مدركة انها ابشع من ان ترسم ببشاعة .
في يوم بعد مرور السنه اصبحت اختها المعاقة رسمت صورة اختها في ابشع تصوير و تفاصيل مظلمة تبعث بالتوجل لكل من يراها فعرفت اختها حينها انها كرهتها عندما قست عليها و اجبرتها على الرسم و ادركت ان اختها كتلة من المشاعر البريئة و ورقة بيضاء صافية تملى حيث ما يفيض به سمعها فتحرك الفرشاة للرسم من فنانة ذات ريشة مجهولة

القارورة التاسعة
رحلة القدر المجهول

نظرت إلى المرآة قبل خروجي للتأكيد من إن ذقني شديد النعومة لا يوجد و لا شعرة
‎ واحدة كما إن الهندام العسكري متكامل فلا يوجد نقص من الإشارة على (البيرية)وهي غطاء الرأس العسكري والخيط الأحمر على الكتف ,كل شيء على ما يرام وعلى أتم وجه من الأناقة العسكرية .
أخذت حقيبتي كانت ثقيلة جداً لما فيها من كعك وخبز وبعض من البيض المسلوق والبطاطا والسكر والشاي وهو متاع يعينني على أيام الجوع في الجيش خلال تواجدي هناك في الوحدة العسكرية فهي كانت ضمن قطعات الحرس الجمهوري المتواجدة في مدينة الكوت في منطقة الحسينية , ويستغرق وقت وصولي عدة ساعات في الحافلة من مدينة البصرة إلى مدينة الكوت تتملكها الكآبة والحزن والهم فكانت أقدامي بالكاد تخطوا إلى الكراج في( ساحة سعد ) وكنت معتاداً على السفر ليلاً حتى يتسنى لي النوم ولو قليلاً في الحافلة عندما تقطع المسافات في سواد الليل و يخامرني ذلك الشعور الكئيب والتساؤلات لماذا علينا الذهاب إلى الجيش وتحمل الذل في ظل قيادة لا تعرف الرحمة و الضحك على عقول الناس بكذبة الحرس الجمهوري فهو غير جدير بالدفاع عن شبر واحد من الأرض في أيامه الأخيرة, وهكذا كل مرة استغرق في التفكير ولا أنام حتى اصل إلى مدينة الكوت .
ولكن هذه المرة خرجت متوجهاً إلى المرآب وأنا شديد الانقباض حيث لم يكن في جيبي سوى أجرة الحافلة وبعض الدنانير التي بالكاد توصلني إلى مقر الوحدة مما زاد من توتري وقلقي المبرر حيث إذا ما حصل عطل في الحافل أبقى بدون وسيلة نقل لان سواق الحافلات لا يعيدون النقود إلى المسافرين في حال حدوث مثل هكذا مواقف ,لما وصلت إلى الكراج متوجها لموقف حافلات بغداد سمعت دلال الموقف يصيح نفر واحد وننطلق هيا أسرعوا فأسرعت وصعدت إلى الحافلة ومشيت في ممر الحافلة حتى وجدت الكرسي الفارغ بجانب فتاة ملتفة بعباءة و في حجرها شيء وعلى ما أضن انه طفل رضيع فجلست بهدوء ومن خلال لمحة سريعة لوجه الفتاة وجدته شاحب وعيناها منتفختان وكأنها بكت كثيراً وكانت مطرقة نحو النافذة .
منذُ انطلاق الحافلة لمدة ساعة كاملة كنت قد حاولت النوم بوضع البيرية على وجهي فلم أستطيع حتى أن أغمض عيني وخلال ذلك كنت انظر بين الفينة والأخرى إليها فأجدها كما كانت أول مرة و الغريب إن الطفل لم يتحرك ولا حتى بكى , مما أثار حفيظتي , فقلت يجب علي أن اعمل حركة وأكلمها فعهدت إلى حقيبتي كانت تحت قدمي وأخرجت بعض الكعك وتناولت واحدة ثم توجهت لها وقلت تفضلي كلي أدارت علي ومدت يدها وأخذت الكعكة وبالكاد حركت شفتيها متمتمة بكلمة شكر على ما اضن فتناولت الكعكة بنهم فعرفت إنها جائعة جداً ثم أعطيتها واحدة أخرى أخذتها وشكرتني فقد سمعت كلماتها , فقلت(لا داعي للشكر يبدوا انكِ جائعة كلي هنيءً (بالعافية) ) لا اعرف كيف أخذتني على هذه المرأة الرأفة وأحسست أني قريب جداً منها لذا دنوت بجسمي قليلا نحوها و وضعت البيرية على وجهي وأغمضت عيناي وغفوت فكنت بين النائم والصاحي ويبدو حلمت إني أضع يدي على شيء وكنت فعلا واضع يدي على فخذها انتفضت فزعاً بعد أن لمست نعومة العباءة وتوجهت بنظري نحوها وللحال قالت( ماذا تريد مني ؟ ) قلت ( أنا آسف جداً فقد كنت نائم و…)قالت (لا تكمل ..وإن تريد ثمن الكعك أمهلني حتى نصل)قلت( بالله عليكِ لا تأخذيني بذنب فأنا ما كنت اقصد شيء أرجوكِ)قالت (حسناً)أحسست بالخجل فأحمر وجهي واتقد بالحرارة فعاودت القول(أرجوكِ سامحيني )قالت(لا بأس) عندها قلت لها بدافع الشفقة على الرضيع (كيف حال الطفل) وهنا انتفضت وانزوت نحو النافذة وقالت بتردد وارتباك(بببب ب خير) قلت (هل هو نائم) قالت( نعم) , بكت المرأة وضمت ولدها إليها وأخذت تشمه وسط استغراب وقعتُ به وتساؤل حتى إني لم أستطيع صبراً قلت( كيف تسافرين وحدكِ بهذا الليل) قالت( غصب عني)قلت (هل تستطيعين إخباري؟) قالت( ولماذا؟) قلت ( لا اعلم …. ولكني أحببت معرفة ذلك) قالت( وهل تستطيع مساعدتي) قلت (على الرحب والسعى) تبادر في ذهني أن نوع المساعدة هي النقود وبما أني لا املكها يكون الاعتذار أمر سهل ولكن كان قولها لي أربكني (خذني معك …أكون خدامتك ..أرجوك خذني أعيش معك أو مع أي شخص تراه مناسباً ….أرجوك) حالها وكلامها يبين صدقها وتبادرت في ذهني الكثير من الأفكار والظنون السيئة منها أن هذا الطفل غير شرعي فقلت( هل تواجهين مشكلة في الشرف ) قالت (معاذ الله …الله يبعدني عن الفاحشة … هذا ابني …. إنه…..انه…..ميت) كأنها صاعقة نزلت علي فلم ادري ماذا جرى وحصل من طنين وصداع ورهبه ومددت يدي مزيح العباءة فوجدت ذلك الطفل الشاحب ذو الشفاه الزرقاء والعيون الغائرة وهالة السواد تحوط محجريه كدت أصرخ بها ولكن قالت( أرجوك أستر على )
قلت لها( أخبريني بكل شيء) .
في يوم من الأيام جاء أخي من العسكرية وبرفقة زميل له في الجيش ونزل في بيتنا وقمت أنا بخدمتهما فأحبني صديق أخي و لم يدم الأمر طويلا حتى جاء مع أهله وخطبني وتم الزواج برغم المكان البعيد حيث يسكنون في الشمال و نحن نسكن في الجنوب , وبعد الزواج والذهاب إلى هناك ومنذ اليوم الأول وجدت المشاكل والصعوبات أمامي حيث كانت والدته قاسية جداً وهو مدمن على الكحول وشقيقته لها لسان سليط ولكني صبرت حتى صار عندي هذا الولد وفي يوم كنت تعبة جداً فذهبت كي ارضع الولد وتركت شغل البيت فجاءت والدته وأخته وضربتاني حتى أغمي علي ولما جاء زوجي في الليل وهو سكران حد الثمالة فلم يفهم مني كلمة واحدة فضاقت الدنيا بعيني وتذكرت أهلي والعز الذي كنت فيه بكيت كثيراً حتى أجهشت بالبكاء فدخلت علي أخته وأخذت تضربني فدفعتها وأخذت ولدي واستنجدت بأخيه في وسط البيت حال بيني وبينها دافعاً إياها بعيداً عني وقال (أذهبي إلى غرفتي وأنا أصلح الأمور) وعندما جاء دخل الغرفة وأغلق الباب قلت( ماذا تريد أن تصنع) قال( كوني معي وسوف تسعدين أخي لا ينفعكِ)و تهجم علي فلم يكن لدي خيار أخر غير إن أضربة بقنينة زجاجية على رأسه وكان بها حامض (تيزاب أو مية نار) ثم ذهبت إلى غرفتي وأخذت بعض النقود وهربت من المنزل حتى وصلت إلى الكراج الموحد وقررت الذهاب إلى أهلي في الجنوب و ركبت الحافلة ولم اعلم أين وجهتها وانطلقت الحافلة وخلال ساعات وصلت إلى بغداد ثم نزلت وبعد السؤال قالوا لي أن هذه الحافلة سوف تتوجه إلى الجنوب فركبت بها وانطلقت بي حتى وصلت إلى البصرة وهي ليست المكان الذي أريده .
وفي هذه الأثناء وقفت الحافلة في مطعم عند منتصف الطريق في علي الغربي ونزلنا فأخرجت البيض والبطاطا مع الخبز من الحقيبة وجلسنا نأكل والطفل الميت في حجرها

‎بعد فترة الاستراحة في مطعم علي الغربي عدنا ثانيتاً إلى الحافلة وجلسنا في مقاعدنا ونظرت إلى وجهها الصغير الحزين يكسوه صفرة وتبرز شفتاها بلون اسمر داكن ثم قلت لها وكان لا بد من سؤالها وتكراره عليها مراراً( هل حديثكِ صحيح …اقسمي…..اقسمي) فكانت كل مرة تقسم وتقول(أنت أول من اخبره بذلك …و لا اعلم لماذا …لكوني تائهة في هذا العالم القاسي أو لاني ذاهبة إلى حتفي ….فألقى مصير الموت ..الذي أسلمت له كل حواسي ورغباتي ……أو لكي ابرر غلطتي ..أو لعلك تذكرني فتترحم علي وتقول في يوم من الأيام عرفت امرأة قست عليها الدنيا )قلت لها (يا ليت لم تخبريني , ولم اسمع منكِ …لكوني عاجز عن مساعدتكِ ..أتعلمين لقد وجعتي قلبي وزاد انكساره فوق انكسار …أرجوكِ سامحيني فلا نقود لدي و ليس لدي الوقت حتى أوصلكِ إلى بر الأمان) قالت ( لا عليك كتب علي مواجهة البؤس وحدي لا رفيق و لا معين…وسوف اقبل بما كتب علي تكفيراً للذنب الذي اقترفت في حق نفسي …ما كان علي الفرار ) قلت (أرجوكِ أكملي حكايتكِ) .
استطردت بالكلام (عندما مشت الحافلة ذلك الطريق الطويل ونزلت في نفس الكراج الذي ركبت به في هذه الحافلة ) قلت (في ساحة سعد) قالت (نعم……توجهت نحوا سيارات الأجرة ..فقابلني احد السائقين وقال (إلى أين تتجهين أخبرته بأن وجهتي إلى القرية التي أسكن فيها فقال (إنها بعيدة من هنا وستكلفكِ الكثير …وافقت على السعر وانطق بي إلى القرية وكنت لا اعرف إن في البصرة منطقة تعرف بنفس أسم قريتنا وسار بي قاطعاً مسافة طويلة حتى وصل مكان فيه النخيل والأشجار و تشبه حد كبير قريتنا فاستأنست وفرحت بوصولي إلى أهلي وعندما سلكت طريق ترابي ضيق كما في قريتنا حان وقت الغروب وكلما أجد بيت أقول هذا بيتنا ,مشيت كثيراً وحل الظلام فلا بيتنا ولا قريتنا أحسست بأني تائهة وبين يدي الطفل اسقيه من لبني وألفهُ في عبائتي ولكن البرد بدا يشتد فأحسست بأقدامي تتجمد ولا اعرف ماذا اصنع فالبيوت متباعدة بيت عن الآخر والظلام يثير في قلبي الرعب كما إني اسمع عواء الكلاب ونباحها أسرعت بالخطى وشعرت بأبني ترتفع حرارته عندها بدأت ابكي واقرأ المعوذتين وادعي الله أن ينقذني حتى رأيت أمامي شبح يتقدم نحوي في وسط الظلام بين النخيل وحفيف السعف يبعث الموجات في الهواء فتقدمت نحو ذلك الشبح فلما رآني توقف وصاح بأعلى صوت (بسم الله الرحمن الرحيم) أعوذ بالله منك أن كنت جن أو أنس ) قلت (أرجوك أنا تائهة (الله يخليك ارحمني ودليني على الطريق) فتقدم نحوي وإذا هو رجل كبير في السن قال(ما الذي جاء بكِ إلى هنا ومن أين أنتِ ) أخبرته بأني جئت إلى قريتنا في الجنوب وأضعت الطريق قال(يا بنيتي هذه مدينة البصرة وليس مدينتكِ في الجنوب ) كانت صدمة , أنا التي لم ترى غير قريتنا وبيت زوجي في الشمال جار علي الزمان وجعلني أجوب الأرض بغير علم .
أخذني الرجل إلى بيته فكان رحيماً وزوجته من أطيب النساء أوقدوا المدفأة وعملوا الطعام ولكن ابني بدأ بالسعال وضاق نفسه فارتفعت حرارته أخبرت الرجل فقال (يا ابنتي لا يوجد هنا طبيب والمستوصف بعيد جداً ولا يوجد وسيلة نقل, أستهدي بالرحمن وأعملي له كمادات عسى ولعل تخفف عنه الحرارة حتى يحل الصباح فنذهب إلى المستوصف .
مرت الليلة وأنا مستيقظة معه في عمل الكمادات ولكن أحواله سائت كثيراً ومنذ الصباح توجهنا أنا والرجل الطيب إلى المستوصف , وصلنا إلى هناك استقبلنا الممرض وقال لا يوجد طبيب اذهبوا إلى المدينة الطفل تعبان جداً أسرعنا إلى المدينة وكان الرجل جزاه الله الخير يهم في إحضار سيارة , وجاء بسيارة قديمة الطراز ليست بتلك السرعة وانطلقنا مسافة طويلة حتى دخلنا المدينة فتوجهنا إلى المستشفى وللحال عملوا الإجراءات الطبية له فقال الطبيب إن الطفل مصاب بذات الرئة وأخشى إننا في مستشفى القضاء لا نستطيع فعل شيء فقد بدأ بالتسمم الجرثومي لذا سوف ننقلكِ إلى مستشفى ابن غزوان للأطفال بسيارة الإسعاف .
قال الرجل الطيب( يا ابنتي أذهبي وسوف أوافيك بعد أن اذهب إلى البيت وأحضر لك بعض الملابس والأغطية ) ووضع في يدي بعض النقود ثم ذهب وأنا أرسلوني في سيارة الإسعاف إلى مستشفى الأطفال وبعد مرور ساعة أو اقل وصلت إلى المستشفى فأخذوا ابني إلى العناية الفائقة وحاولوا معه الكثير ولكن لا جدوى فقد مات واخبرني الطبيب بان دمه قد تسمم جرثومياً .
بكيت كثيراً واسودت الدنيا بوجهي فلم اعرف ما ذا اصنع الخوف والرعب سكن قلبي ,ولما سلموني جثته طلبوا مني هوية الأحوال المدنية التي تعود له فأخبرتهم انه لا يملك بطاقة فقالوا إذن لا ننظم له شهادة وفاة حتى تجلبي لنا بيان ولادته , فأخذت الطفل وجئت به إلى هنا حيث قررت الرجوع إلى بيت زوجي وأتحمل ما يجري لي .
كانت قصتها حزينة جداً والأكثر نبرات صوتها المحمل بالبكاء والألم الذي سكن قلبها و لاحني سواد الحزن فأكثر الهم هماً وأخبرتها بالتوجه إلى أهلها فقالت( لا أريد الذهاب إليهم فالقدر الذي ساقني نحو المصائب يجب عليه أن يكمل مسيرته بالقضاء علي , وأحسن لي من الانتحار , وسوف اقبل بما يفعلون بي ) .
وبعد نصف ساعة كانت الحافلة قد وصلت إلى مدينة الكوت وحان نزولي فتركتها ونزلت وعيوني معلقة على نافذتها حتى غابت الحافلة , فبقيت أتذكرها وأترحم عليها.

لا تعليقات

اترك رد