فلسفة الاستعلاء

 
فلسفة الاستعلاء

ما أن تمد رأسك خارج نافذة الوعي بسنتمترات قليلة، إلا وتصطدم بفم يشتكي إما منك أو يشكو لك. وما أن تمد يدك لتتصفح الانترنيت إلا وتعثرت عيناك بخبر حزين. وحول هذا الخبر يتجمهر المشتكين، وبعض الصفحات تجد فيها من فتح مناحة ونساء ينثرن على رؤوس الكلمات التراب. وما أن تدخل إلى مكتبك في العمل وقبل أن تلقي بجسدك على الكرسي، حتى تهب بوجه مسامعك عاصفة الشكوى من المدراء ومن صاحب العمل ومن أنظمة الشركة والقوانين الجديدة التي أصدرتها الإدارة العامة. ما أن تفتح الإيميل الخاص بالعمل إلا وتجد أكثر من عشرين خطاب، جميعها شكوى موجهة إما إليك بشكل مباشر، أو إلى من يعمل تحت إدارتك.
الشكوى تحاصرك من كل مكان. في الشارع، في العمل في التلفاز، على مواقع التواصل، ولا مفر منها إلا بخلل يصيب العقل، أو بفقدان ذاكرة الوعي، أو أن تصبح لغة الكون الذي تقطن فيه غير مفهومة بالنسبة لك؛ وحتى هذا لا يحدث إلا لذو حظ عظيم. أن يُصاب المرء بالزهايمر هي نعمة تأتي لصاحبها؛ لكنها تكون نقمة لمن يعيشون معه. إذن ليس أمامك سوى خيارين: إما أن تنخرط في فريق المشتكين وتتمرن معهم؛ لتكون بلياقة عالية وتتأقلم على الروح المعنوية الهابطة، وتلبس الأسود مثلهم كونه الزي الموحد لفريق كثيري الشكوى. وإما أن تتعلم “فلسفة الاستعلاء” على الشكوى وهذا يتطلب جهداً أعظم ولياقة فكرية كبيرة؛ إذ أنك اللاعب والمدرب والجمهور والمشجع وعليك أن توفق ما بين هذه الصفات لتعيش في فلسفة الاستعلاء والتعالي على الأحزان واليأس وتشفى من داء الشكوى الذي أصاب أكثر من ثلثي كوكب الأرض.
فلسفة الاستعلاء، هي أن تمشي بكعب الأمل العالي، تطقطق به على بلاط الحياة بصخب متجاهلاً صراخ المتذمرين من الحياة، الذين يمشون بأحذية اليأس الواطئة ويتمرغون على رمل الاحباط. لا شيء يفعلونه سوى الجلوس على قارعات المصائب بوجوه بائسة وشاحبة كوجوه الأموات. معاطف أرواحهم مهترئة، قلوبهم بيوت مهجورة من النبض، ولا دبيب للحياة فيها. الاستعلاء هو أن تكون في رفعة وعلو عن مستوى سطح الهموم اليومية التي من شأنها أن تعكر مزاج قلبك وتلوث فضاء عقلك بسحابات اليأس ورائحة الاحباط النفاذة. فلو نظرت للمشتكي من بعيد وبهدوء سوف تكتشف؛ بأن الإنسان كثير الشكوى هو مثل متسول كاذب، الجميع صار يعرف بأنه يضع عصابة كاذبة على رأسه، ويلف يده السليمة بالجبس؛ حينها نرى بأن الجميع لم يعد يبالي بدعائه الرتيب، ولا توسلاته الباهتة، يمرون من أمامه دون اكتراث ولا تحرك كلماته ذرة من مشاعرهم. هي ذاتها الصورة المقربة لكثيري الشكوى؛ هم طوال الوقت يتذمرون ويشتكون، يعيشون بطاقة سلبية وينشرون السلبية على من حولهم. كثيرون هم كثيري الشكوى في حياتنا الواقعية، وفي العالم الافتراضي على مواقع التواصل. محبطون من النصر، يائسون من وصول وفود من السماء تحمل للكون النور وبشائر الأمل. يقفون بوجه الأحلام، يعارضون أحزاب الحب ويرجمون جمهور السلام. يشتكون من كل شيء ولا يفعلون أي شيء. يشتكون للآغراب وعابرو السبيل، يشتكون للمسافرين الذين يلتقون بهم في محطات سفر عابرة، ولا أدري ماذا يجنون إلا التذمر منهم والملل من عزف شكواهم. كثير الشكوى هو شخص فضولي متطفل يرغب في معرفة تفاصيل كل شخص يلتقيه، الراتب وايجار السكن، العمولات، وبناء على معرفته لتلك التفاصيل يبدأ بمعزوفة الشكوى وإنكار نعمة الله عليه، يصور حاله أنه البائس الوحيد على الأرض، يشتكي من الجيران ومن الحكومة ومن الوظيفة ويلعن الوطن. هذا النوع من البشر صناع السلبية لا تقدر على تجاوزهم إلا حين تعلم روحك كيف تعيش بفلسفة الاستعلاء عليهم. وأن تدوس بطرف كعب الاستعلاء على شكواهم وتهملها وتتركهم في كوكبهم الشحيح من الألوان وأرضهم القافرة بلا زرع ولا مطر. وامشي إلى أناس يعيشون في عالم الحلم، أولئك الذين يجلسون على عشب الأيام ينسجون أحلامهم بخيطان زاهية، ويرسمون آمالاً تفتح شهية خيالك لتسرح في عوالمهم الجميلة لتسمد روحك منهم الطاقة المشرقة كما تتغذى الأرض من أشعة الشمس تتغذى مشاعرك من أشعتهم المتوهجة بالطموح. يفعلون أكثر مما يتكلمون، يشعرون بأن لهم حصة في الحياة ولا يشتكون لو تأخرت عنهم حصتهم، لا يشعرون بأن شيء قد تأخر لأنهم منشغلون في تحقيق أحلامهم الأولى. الشكوى في غير محلها إهانة لكبرياء صاحبها، كثرة الشكوى تخلق الملل وتولد النفور من كثير الشكوى، الروح في طبعها تهوى النور وتكره الظلام، الروح ليست كالنفس ميالة للسوء والاحباط؛ الروح هي الحياة والحياة لا تكون بلا روح عاشقة للحياة. نحن نشتكي لا محالة، خُلق البشر ليبوح كل واحد منهم للآخر؛ والبوح الجميل والفضفضة كأنها موسيقا خفيفة ما بين فصلين، أنا أبوح لك ما بداخلي وما يعتريني من هواجس مبهمة لا أشتكي لك. الشكوى بغير محلها مذلة وأخيراً لا تشتكي للناس جرح أنت صاحبه، لا يؤلم الجرح إلا به ألمه. لن يشعر بألمك إلا أنت “فـــ عش بفلسفة الاستعلاء على الشكوى”

المقال السابقتركيا بين محورين!
المقال التالىالجبوري سرق الجمل بماحمل… والقضاء بدد الامل
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد