تركيا بين محورين!

 
تركيا بين محورين!

يقول المثل الشعبي ( احاكيك يابنتي واسمعك ياكنتي)، ومصدر المثل، وليس المقصود منه، ان الانسان يجد نفسه احيانا، ولاسباب كثيرة غير قادر على الكلام مع الاخرين بشكل مباشر، فيلجأ الى الاساليب غير المباشرة، لكي يوصل ما يريد، وهذا يجعله قادر ايضا على التنصل مما اراد قوله، اذا ما جاءت الرياح بما لاتشتهي سفنه!

واجهت تركيا، منذ اكثر من عقدين، تحديات ستراتيجية، صارت تهدد امنها القومي ووحدة اراضيها، وكونها دولة ذات ماض امبراطوري طويل وتعرف الاعيب السياسة ومحركاتها الكبرى، لذا كانت تشم الخطر على مسافة بعيدة وتستعد له مبكرا، وحين يداهمها تكون هي متهيأة للمواجهة. فبعد احداث اب 1990 كان موقف تركيا لافتا، اذ قال احد كبار مسؤوليها اثناء الازمة، ان الكلام عن قوة العراق العسكرية مبالغ فيه، وهي غمزة واضحة مفادها ان الحديث عن تهديد العراق للسلام العالمي اكذوبة يراد منها شيء آخر! ويستطيع المتابع ان يجزأ موقفها على مراحل، فهي تدرك ومنذ بداية الاحداث ان العراق استدرج الى فخ كبير، وان الهدف الحقيقي، تفكيكه، واقامة كيان كردي في شماله، وعليها ان تستعد لمواجهة غير مباشرة، قادمة مع اميركا، التي اخذت لاحقا، تعمل على اعادة ترتيب اوراق المنطقة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، الذي صارت دوله تتزاحم على ابواب الناتو تنتظر الاذن بالانضمام اليه! وايقنت ايضا ان اهميتها الستراتيجية لاميركا ولدول حلف الناتو بشكل عام لم تعد كما كانت، وان واقعا جديدا سيفرض تحدياته عليها. كون المشروع الاميركي الذي نظّر له فرسان العولمة، سيأكل من جرفها كثيرا، وستدفع ثمنا باهظا ان لم تقم باجراءات استباقية، بدات بالعمل مع الحلف الدولي الذي اقامته اميركا ضد العراق في العام 1990 لادراكها ان تداعيات الحدث ستكون كارثية عليها، ان لم تكن مع الاميركان وهم يخططون للعراق (الجديد)، وهكذا، وما ان انتهت الحرب بتدمير العراق وانسحاب مؤسسات الدولة العراقية من المحافظات الشمالية، كما توقعت، احتضن الاتراك القادة الاكراد واخذوا يراقبون كل حركة منهم بحجة دعمهم، بغية احتواء مشروعهم، ولكي لايرتب الاميركان عليهم استحقاقات قاسية، تتمثل باقامة دولة كردية في شمالي العراق موالية لواشنطن، تلهب جنوب تركيا الشرقي وتدخلها في مازق دموي، شبيه بالمازق العراقي الذي بدا في العام 1961 بعد ان تغيرت الخارطة الجيوسياسية نتيجة لثورة تموز 1958 وانتهاء المعادلة الدولية القديمة في المنطقة.

في العام 2003 ايقن الاتراك ان الاكراد في المنطقة، دخلوا المرحلة الاخيرة من المشروع الاميركي الجديد، لذا عملوا على احتواء الاقليم الكردي العراقي بعد ان تعاملوا معه كامر واقع، فاشتغلوا بذكاء على احتوائه اقتصاديا ومن ثم سياسيا، لاسيما مع السيد مسعود البارزاني، كون تكتل السليمانية، بشقيه الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير، التي ولدت من رحمه، مرتبطان بعلاقة ستراتيجة قديمة مع الايرانيين، مثلما هم في خلاف قديم مع الاربيليين. وقد نجحت الدولتان، ايران وتركيا في استيعاب الاقليم الكردي وتحجيم تاثيره عليهما او على الاكراد في بلديهما، لكن (الربيع العربي) بما جاء به من تداعيات خطيرة على المنطقة التي تفككت عراها اجتماعيا وسياسيا، بفعل الاعداد الكبير لهذا المشروع الخطير، والذي اتى على سوريا وبات يهددها بالتفكك، جعل الاتراك يوقنون ان اللعبة مضت الى البعيد، وان ماتقوم به اميركا من خلال دعمها لاكراد سوريا، يعني البداية الحقيقية لنهاية المسرحية الارهابية، الداعشية، التي ستكون ابرز مخرجاتها تغيير خرائط المنطقة، وان الدولة الكردية القادمة ستكون هي الحليف البديل لتركيا، او هكذا فهمت تركيا الامر، وظلت تناور مع الاميركان سواء في (كوباني) او في (منبج) مؤخرا، من دون جدوى حقيقية تتجاوز الوعود الكلامية، ما يعني ان اميركا ماضية في مشروعها الذي لن يوقفه اويخفف من خطورته الاّ الالتجاء الى المحور الروسي الايراني، وهو ماتوقعناه سابقا، حيث تلتقي مصالح الايرانيين والاتراك في مفاصل عدة، اهمها مسالة الدولة الكردية، وان ما كانت تفعله تركيا في تكتيكاتها مع الاميركان على حساب الروس والايرانيين في سوريا، كان في جزء كبير منه، ليس بالضرورة، لان تركيا عضو في الناتو، بل على امل ان تخفف من ركضة واشنطن باتجاه هدفها هذا، لكن ذلك لم ياتي بشيء ملموس للاتراك، الذين استشعروا الخطر القادم المتمثل باستجابة الادارات الاميركية لرغبة اسرائيل في تفكيك المنطقة بدفع من اللوبي الصهيوني، وهذا ما جعلهم مضطرون لتغيير ستراتيجيتهم ولو جزئيا، لتخويف الاميركان بانهم ذاهبون الى المعسكر الاخر لحماية مصالحهم.

زيارة اردوغان الى موسكو ولقائه بوتين، جاءت في هذا السياق، مثلما جاءت زيارة وزير الخارجية الايراني جواد ظريف الى انقرة في السياق نفسه، لتنسيق المواقف باتجاه حل في سوريا، يضمن للاطراف الثلاثة مصالحها في المنطقة ويبعد عنها خطر المشروع الاميركي، لان الجميع باتوا يدركون ان الغول الاميركي سيتركهم جميعا بالعراء اذا ما اندفع بوحده في المنطقة من دون عائق ستراتيجي مضاد، يستخدم ولو تكتيكيا الى حين!!

المقال السابقفي فهم ما تبقى من السياسيين – الجزء 2
المقال التالىفلسفة الاستعلاء
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد