في فهم ما تبقى من السياسيين – الجزء 2

 
في فهم ما تبقى من السياسيين - الجزء 2

كل الأطراف العاملة في الحقل السياسي العربي المعاصر بحاجة إلى إعادة التأثيث من الداخل وإعادة النظر في مبادئها وقيمها وتصوراتها الواقعية والمستقبلية، فهي بحاجة إلى بناء جديد لمفاهيم تضمن تطبيقا دقيقا في الواقع العربي للنهوض بالفرد والمجتمع.

الجسم العربي فككته الحروب والصراعات المذهبية. فمنذ الإستقلال لم تستطع النخب السياسية بناء دول حديثة أو بناء أحزاب سياسية وطنية قادرة على تحمل مسؤولية البناء الداخلي فكريا واقتصاديا واجتماعيا وأيضا بناء نظريات ومشاريع سياسية قومية – وطنية تستطيع الصمود أمام التغيرات والصراعات الدولية والإقليمية.

كل النخب السياسية التي قادت السلطة في الوطن العربي لم تنجح في احتواء الصراعات الداخلية، لم تنجح في إيجاد صيغة توافقية للتعايش السلمي بين مكونات المجتمع. غلبت الإيديولوجيات و الإنتماءات الضيقة على المصلحة العامة.

المشكلة أننا لا نستورد نخبنا من الخارج، إنهم أبناء جلدتنا وأبناء هذا الوطن، والمفسدون هم من هته التربة ونشئوا في هته البلاد. لكنهم يفتقدون للحس الوطني وللوعي السياسي الهادف الذي يخدم الوطن والمواطنين قبل كل شيء.

أغلب السياسيين إما فاسدون أو معارضين وضعوا أيديهم في أيدي أعداء الوطن. فأين الخيانة وأين الوطنية في كل ما يحصل؟ وهل هناك درجات في الوطنية والخيانة؟ من وجهة نظري ليس هناك مستويات وسطى أو نقط تلاقي. فإما وطنيا أو خائنا؟

كيف يمكن الوثوق بأناس يمولهم ويرعاهم الغرب في أن يحكموا البلاد؟ في نفس الوقت ضاع الإنسان العربي بين الاضطهاد وحلم التحرر وأصبح يتشبت بكل خيط أمل حتى ولو كان غير واضح المعالم.

لست قاسيا على النخب السياسية إنما أحمل عقم عمل واشتغال آلياتها كل مآسينا، لا أستبعد دور الجماهير في النكبة، ولا دور المثقفين وعبيد السلطة في النكسات. تراجع دور المثقف الملتزم واضح على الساحة العربية وتنصله من التزاماته المجتمعية ووقوفه في صف المفسدين من أجل امتيازات شخصية. لم أقصد ذكر سوى مساوء هته النخبة وعبيدها من المثقفين لكني لم أجد من المحاسن ما يمكن ذكره. لعل كل هته المراوحات في تاريخنا البئيس تعكس تعثرا في مسار بناء المواطن والدولة معا، وتلكؤا في صنع الدولة الحديثة بفعل عوامل شتى، إنها تعكس أيضا عسر الدخول في مخاض الدولة القومية الديمقراطية.

إنني أحاول تخطي المعالجات الفكرية الفوقية السطحية وأسعى إلى ملامسة آليات عمل واشتغال السياسة والسياسيين. أني أحاول تشريح الآليات والسيرورات التي تتحكم في الثقافة السياسية العربية وتجعلها دوما متوترة وممزقة بين عدة أقطاب متعارضة. المسألة ليست مسألة اختيارات ومواقف سياسية بل العمل على إيجاد صيغ تعايش جماعية صارمة تعكس نظرة المجتمع الجادة نحو مستقبل أفضل، أحيانا نبدو وكأننا أمام حتمية تاريخية صارمة لا سبيل من الهروب منها وأحيانا يبدو وكأننا أمام خيارات فردية وقبلية تختزل المصلحة العامة في خيارات فردانية ضيقة.

التاريخ السياسي والثقافي لكل مجتمع يصنعه المثقفون الجادون وتحكمه القناعات الإيديولوجية ويتوقف مساره فقط على حسن عمل واشتغال النخب السياسية.

لا تعليقات

اترك رد