تركيا وروسيا : وجهة نظر حول التطورات الاخيرة في علاقاتهما الثنائية

 
تركيا وروسيا : وجهة نظر حول التطورات الاخيرة في علاقاتهما الثنائية

في التحليل السياسي احسب انني من تلاميذ مدرسة ماركس- ويبر التي تقوم على مبدأ ان الوقائع والمعطيات تنتج العقائد والأفكار وليس العكس ، وان لعبت العقائد والأفكار دوراً في التاريخ فهو دور المحفز للأحداث وليس صانعها ؛البروتستانتية المسيحية في تاريخ الرأسمالية الحديثة هي النموذج . هذا التوجه العام يتطابق أيضاً مع منتجات مدرسة الواقعية السياسية التي اعتقد ان كلاً من اردوغان وپوتين يمكن ان يصنفا في إطارها ؛ في قناعتي المتواضعة أنهما رجلي سياسة ودولة قبل ان يكونا عقائديين .
پوتين لا يقرأ مؤلفات Alexander Dogin حول الأحلام الأوراسية ليستخدمها ككتاب ارشادات Manual Book ولا اردوغان فيما ينسب اليه من التزام بدوغما إسلامية ؛ ولو راجعنا التاريخ السياسي للرجلين سنصل الى هذا الاستنتاج . پوتين ثمرة مدرسة ال KGB التي كانت الأبعد عن الأيديولوجيا في اكثر عصور الاتحاد السوفيتي ايديولوجيةً واردوغان انشق عن معلمه نجم الدين أربكان في عز ” زنقة ” الأخير أواخر التسعينات بعد تنحيته على يد الجيش في انقلاب عسكري صامت ؛ رأى بوتين ان قادة روسيا بعد العهد السوفيتي لم يقدروا إمكانات البلاد جيداً، اما اردوغان فقد رأى ان المستقبل يكمن في مواصلة طريق أوزال – تشيللر وان ما أرسي خلال المرحلة التي ارتبطت بهذين الاسمين لا يجب اضاعته بالسعي وراء احلام إسلامية بعيدة المنال في ظروف تركيا والعالم وفي ظروف الشريعة الاسلامية ذاتها . تابع الرجل ومثله فعل پوتين طريقيهما اللذين سيلتقيان بحكم حتميات كثيرة فصلت فيها بما يكفي في مقالتي ” تركيا وروسيا … المصالح والمصالحة ” نشرت على الصدى.نت .
يتحدث بعض المراقبين عن التناقض في ملفات عديدة بين الطرفين ، ولا احد يستطيع ان ينفي ذلك ولكن : ماهي درجات الاولوية لاي من هذه الملفات في سلمي أولويات تركيا وروسيا حالياً . هذه القضايا وجدت قبل الرجلين وعلى اغلب الأحوال ستظل مفتوحة بعدهما لانها من طراز الملفات التاريخية والاصرار على الوصول الى حل عاجل لاي منها قد يقتضي كما يقال في لغة علم السياسة ، تغييراً جوهرياً في الامر الواقع Status Quo القائم حالياً وذلك قد يعني حروباً تفوق كلفتها اي مردود مادي او سياسي.منتظر ؛ الحكمة والسياسة تقضيان بان أقصى المراد ربما يكون في تحسين موقف كل منهما في هذه وفقاً لرؤية متبصرة تحول دون الذهاب الى حدود الصدام وفي بعضها يقوم الوكلاء بأدوارهم وهم على الأغلب من يدفع الكلفة ؛ اما الملفات الحقيقية التي تمس مباشرةً مصالحهما الحيوية او تهدد أمنهما وهي تقع الى شرقهما وجنوبهما وتحديداً في مناطق الصراع التقليدية في شرق اوروپا والبلقان وفي الآونة الاخيرة سوريا .
لقد قامت روسيا بضم مناطق بشكل رسمي واُخرى بشكل عملي في جورجيا واوكرانيا وهنالك نوايا باتجاه البلطيق ، وفي اي من هذه المناطق التي تجدها روسيا حيوية الى حد استخدام القوة العسكرية لتنفيذ سياستها الخارجية فيها فان تركيا لم تتضرر او تمس اذ لا مصالح تركية حيوية في هذه الأقاليم ولو ان بعض الإجراءات الروسية كانت تتم في فضاءات عرقية – ثقافية تهم تركيا ؛ في إطار علاقات جيدة مع روسيا يمكن لتركيا ان تجد وسائل عديدة للتواصل مع الفضاء العرقي – الثقافي الذي تمثله هذه المناطق بالنسبة لها . ان عمليات التبادل التجاري وانسياب السلع والأشخاص عبر حدود هذه الأقاليم المحاددة او القريبة من تركيا يمكن ان يؤمن لها من المنافع اكثر مما تستطيع تأمينه في اجواء الخصومة مع روسيا ؛ نظرة بسيطة الى الخارطة تجزم بذلك .
لكن للغرب مصالح اخرى ذات طبيعة مختلفة . هنالك سياسات غربية ذات جوهر جيوستراتيجي تفرضها ضرورات فنية مثل مديات الرادارات وتكتيكات نشر الصواريخ وتوزيع شبكات التنصت والتشويش ونشر قوات ردع برية وجوية ، وهذه ليست بالضرورة مما يتعلق بمتطلبات الامن القومي التركي الا بقدر ماتتطلبه عضويتها في منظومات التحالف الغربي وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي NATO . في هذا الإطار يجب ان تكون عضوية هذه التحالفات ذات اتجاهين ؛ فبقدر مايتعين ان تكون تركيا طرفاً في ترتيباتها مع ماينجم عن ذلك من مخاطر فان لها ان تتلقى من الحلف ما يؤمن متطلباتها الأمنية وفق البند الخامس من ميثاقه وبشكل الي ولكن ذلك لم يحصل في عدد من المناسبات خلال الفترة الاخيرة . لقد كان رد فعل الحلف فاتراً حين أسقطت المقاتلات التركية طائرة السوخوي الروسية عام ٢٠١٥ . كما قام الحلف بسحب منظومات صواريخ پاتريوت كانت قد نصبتها عند اسقاط طائرة استطلاع تركية من قبل الدفاعات الجوية السورية . ان ميثاق الحلف يعتبر ان مايتعرض له اي بلد عضو هو خطر مشترك ينبغي التصدي له بصورة جماعية ولم يقل ان المخاطر المشتركة هي مايستدعي ذلك والفرق واضح بين الامرين ، وفي الحالتين المذكورتين لم يكن موقف الحلف متطابقاً مع روح ميثاقه ولا حتى مع نصه تماماً .
هنالك من جانب اخر التسويف الذي يتم فيه التعامل مع تركيا بخصوص انضمامها للاتحاد الاوروپي . ان تركيا هي سادس اكبر اقتصاد في اوروپا فيما يضم الاتحاد ٢٦ دولة يتلقى بعضها العون الاقتصادي من تركيا او يسعى لفرص اقتصادية معها ومتجاهلين ان حجم التبادل التجاري مع تركيا يتجاوز ١٤٠ مليار يورو سنوياً وهو يميل لصالح الاتحاد ، كما ان سجل تركيا في اغلب الملفات أفضل بما لا يقاس من العديد من الدول الأعضاء وبالتالي فتركيا لن تكون عبئاً بل اضافة جوهرية لقدرات الاتحاد ووزنه الدولي ، ناهيك عن التصريحات غير الودية التي تصدر من بعض العواصم الاوروبپية اخرها تصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق كاميرون بان على تركيا ان تنتظر ثلاثة الآف سنة لنيل العضوية والتذكير الدائم بان الاتحاد نادٍ اوروپي مسيحي .
لم يعد خافياً ان احتضان الولايات المتحدة الامريكية لتنظيم ديني إسلامي يدير اصولاً تقدر بحوالي ١٥٠ مليار دولار على مستوى العالم وهو تنظيم ” الواجب ” الذي يقيم زعيمه في الولايات المتحدة بكفالة مجموعة من اتباع اليمين الامريكي المتطرف الذي يطارد منظمة خيرية مثل جمعية الارض المقدسة ويدين أعضاءها بسنوات سجن طويلة فقط لانها تقدم لاطفال غزة معونات إنسانية يعتبرها هؤلاء مساعدات لتنظيم حماس الإرهابي كما يصنفوه . يشفع لتنظيم غولن هذا ان قائده ذرف الدموع في خطب جمعة على ضحايا الإسرائيليين من الأطفال بسبب صواريخ صدام حسين كما يعتبر اعمال المقاومة التي تقوم بها حماس عمليات تمرد ضد ” سلطان شرعي ” ويقوم بأشكال من التامر ضد النظام التركي الذي يقوده اردوغان ومنه التحريض الإعلامي وينفق في ذلك مبالغ طائلة .
ان الامر الملفت للنظر كذلك هي الحملة الإعلامية التي تهدف الى شيطنة تركيا واردوغان شخصياً بواسطة وسائل اعلام غربية في دول حليفة ؛ قد يقال ان الاعلام الغربي مستقل وهذا الكلام من نوع الكلام الموجه للاستهلاك العام ؛ نحن نعلم كمراقبين ان ثمة وسائل اعلام غربية وامريكية تحديداً ذات صلات منتظمة بأوساط صناعة القرار وهنالك من كتاب المقالات والأعمدة ممن عملوا في وظائف لدى الحكومة الامريكية من قبل مثل لاري دايموند و مايكل روبن ، وسبق لهذين الاثنين تحديداً ، وهما يقودان الحملة في الاعلام ضد اردوغان ، ان عملا مستشارين لدى سلطة الاحتلال تحت إمرة بريمر وخرجا من العراق بما خرجا ، وتأتينا هذه الأيام صحيفة التايمز البريطانية بخير مفاده ان برلمانيا بريطانياً نافذاً هو السير ادوارد غارنيير عن حزب المحافظين قد تسلم رشوة لكتابة تقرير سيّء عن حقوق الانسان وحكم القانون في تركيا ، هذه الرشوة تبلغ عشرات الآلاف من الباونات الاسترلينية . لقد اصبح اردوغان ، الرئيس المنتخب من شعبه ، حاكماً اوتوقراطياً وفق بعض الأصوات العالية في الاعلام الامريكي الرئيسي . هذه الأصوات تعلو عندما يراد لها ان تعلو وهنالك قنوات تواصل منتظمة تربط هذه الوسائل باجهزة الادارة وعلى مستويات مختلفة . هذا لايخل بحقيقة استقلال الاعلام لكن فيه مساحات معلومة لوجهة نظر الادارة دون ان تظهر في الواجهة ، وان لم تقدم وجهة النظر هذه فالمقاطعة غير الرسمية .. وهذه أسوأ احلام آية وسيلة اعلام أمريكية رئيسية .
هذا هو موقف الحليف الغربي من تركيا فكيف ينبغي لسياسي متمرس مثل اردوغان اعتبرته صحيفة نيويورك تايمس احد أمهر السياسيين في التاريخ التركي ان يعيد النظر في خياراته . يخطئ من يعتقد ان الانقلاب الأخير في تركيا او ان أضرار اقتصادية معينة لحقت بتركيا وروسيا كانت وراء التغير الدراماتيكي في علاقاتهما التي انفتحت على مصالحة حارة ، ومن الواضح انها ليست مصالحة ذات طابع ظرفي بل أخذت تُنجز بسرعة وفي اجواء احتفالية وكانها رسالة لأطراف اخرى ، واعتقد انها كانت رسالة بقدر ماكانت خياراً ستراتيجياً وليست فقط تغيير في السياسة . في تقديري ان البيئة الاقليمية والدولية قد تبدلت .
في سوريا ، وهي عقدة العلاقات بي روسيا وتركيا حالياً، لم تعد تقديرات الموقف هي ذاتها ؛ غيرت خمس سنوات من الحرب الشيء الكثير وكانت حادثة الطائرة الروسية قد قادت الى الجمود على المواقف القديمة لكن مبادرة الاعتذار الذي قدمه اردوغان الى نظيره الروسي فككت هذا التصلب وأفسحت المجال امام ظهور المتغيرات ؛ أولى البوادر كان اعلان وزير الخارجية التركي مولود چاووش اوغلو على هامش زيارة اردوغان الاخيرة لموسكو ” يجب ان نقاتل تنظيم الدولة الاسلامية سوياً ” وأضاف سفير انقرة لدى موسكو اوميد يارديم انه يمكن للاسد ان يلعب دوراً في عملية التسوية السلمية في سوريا ، ويعتقد معلقون في التايمز اللندنية ان التقارب بين موسكو وأنقرة قد يبعث برسالة إنذار الى الغرب بان نفوذ روسيا في المنطقة يتزايد وان الانفراج بين الجانبين قد يتوسع ليضم ايران أيضاً ، هذا يعني ان ضبط إيقاع الحرب على داعش لم يعد احتكاراً أمريكياً ؛ هنالك بشكل عام توجه للنظر الى المشكلة السورية على انها مأزق مشترك وان من مصلحة الطرفين ، موسكو وأنقرة ، العمل على إنهائه .
بالنسبة لموسكو فان نصراً نهائياً في الحرب العسكرية لايبدو قريباً او حتى ممكناً واثبتت تطورات الموقف خلال الأيام القليلة الماضية في معركة حلب ان الانتصارات قد تتحول الى هزائم وهي بالتالي امام احد خيارين ، حسب بعض المراقبين : اما زيادة التورط العسكري او الانسحاب ، وكلاهما خيار سيّء وقد تكون له تداعيات كبيرة حتى على المستوى الستراتيجي ؛ هنالك خيار ثالث ، لكنه ممكن فقط بتعاون انقرة وهو الإبقاء على وجود عسكري روسي محدود وتوجيهه حصراً لتنظيم الدولة الاسلامية والسعي الجاد لتسوية سلمية لمشكلة النظام ؛ هنالك اخبار حول احتمال تعاون عسكري أمريكي روسي لكن التجربة اثبتت ان الأمريكان نادراً مايشركون أحداً في مخططاتهم الجادة وربما يتم قدر من تعاون محدود في الوقت والمكان وحصراً في منطقة حلب لاستعادة توازن النظام بعد ان أفلتت منه زمام الأمور بشكل كامل خلال الأيام الاخيرة وذلك لايشمل حلاً شاملاً للازمة بسبب اختلاف الأهداف من حيث الجوهر .
في الجانب التركي فانه من الواضح ان اغلب خيوط اللعبة التي كانت تمسك بها في سوريا قد أفلتت من أيديها ؛ قد تستطيع مد المعارضة المعتدلة بتسليح نوعي ، وهو ما يكون قد حصل في معركة حلب الاخيرة ، لكن انقرة تدرك كذلك ان حسم الامر لم يعد متاحاً بالوسائل العسكرية فضلاً عن ان تركيا في موضع دفاع في احد اهم الملفات السورية وهو الملف الكردي . تدرك تركيا ان واشنطن تسعى بشكل جاد لخلق جيب كردي محاذٍ للحدود التركية وقد جرت التهيئة له بشكل جاد وبتصميم أمريكي واضح ، ولذلك لايستبعد المحللون ان تركيا قد تعمل على تسهيل دخول قوات النظام الى المناطق الكردية وانها قد تغير وجهة نظرها بشأن الوجود الروسي في سوريا باعتباره الوسيلة الرئيسية المتاحة في الظرف الحالي للحيلولة دون تفرد الولايات المتحدة بالملف السوري ويبدو ان تركيا عبرت عن الرغبة في تنسيق عسكري مع الروس على الساحة الروسية وقد يشمل ذلك ايران أيضاً التي تشهد مناطقها الشمالية الغربية تحركات انفصالياً كردياً وربما جاءت زيارة ظريف قبل يومين الى انقرة في إطار تنسيق الجهود في هذا المجال .
بشكل عام فانه يمكن القول ان إمكانات ترتيبٍ روسي تركي إيراني ليس بالأمر المستبعد على الساحة السورية حيث تتوافر عناصر هذا الترتيب في الهموم المشتركة بين الأطراف الثلاثة والاهم انهم يشتركون في الرؤية الواقعية للممكنات والمستحيلات في السياسة ؛ يبدو ان جميعهم يتبعون ذات المدرسة الواقعية ، وان الجميع يعرف بان اعادة الوضع السوري الى وضعه قبل السابع عشر من آذار ٢٠١١ امر مستحيل وان رحيل الأسد هو ثمن آية تسوية في نهاية المطاف .
في نهاية الامر يمكن القول ان الجانبين الروسي والتركي يدركان الان وبشكل واضح ان الخصومة قد سببت لهما خسارات مشتركة ؛ ان تركيا هي الشريك التجاري الخامس لروسيا وان زيادة التعاون في هذا المجال سيؤمن جزءاً من الانتعاش الذي يحتاجه الاقتصاد الروسي وهو يعاني من الركود حالياً لأسباب عديدة منها أسعار النفط ، وذات الامر يصح بالنسبة لتركيا التي يصعب عليها تعويض روسيا كشريك تجاري رئيسي ومنفذاً هاماً لصادراتها الزراعية وميداناً لنشاط شركات الإنشاءات التركية ؛ واذا كان الاقتصاد مهماً لهذه الدرجة للطرفين فلا بد من تكييف مناسب للسياسات وربما الستراتيجيات بما يلائم المضي قدماً في تحسين العلاقات الاقتصادية وعلى صعد اخرى مختلفة .

المقال السابقشاي عراقي على سماور ايراني
المقال التالىيوسف شاهين في العراق
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد