شاي عراقي على سماور ايراني


 
شاي عراقي على سماور ايراني

الشاي ، أو الجاي بالجيم الفارسية كما نلفظه يُعتقد أن العراقيين تعرفوا على نكهته في وقت متأخر ، بعض الروايات تقول أنهم شربوه لأول مرة في عهد الوالي العثماني مدحت باشا وبعضهم يقول بعد نهاية الحرب العالمية الأولى قبل أن يتعلقوا به و يصبح جزء من حياتهم الإجتماعية فيطاف به على الضيوف باستكانات أو استكاين على لفظ أهل البصرة و يصبح المشروب الوحيد في مقاهيهم لا تضاهيه قهوة و لا حامض نومي بصره و لا شربت زبيب ونجح في تغيير إسم المقهى أو الكهوة الى الجايخانة نسبة الى الشاي بعد ان طرد القهوة العربية و دلالها منها . و سرعان ما دخل الشاي في عادات و تقاليد العراقيين فتقديمه و الملعقة تتوسط الإستكان لها معنى ، و امتناع الضيف عن تناوله مباشرة عند تقديمه له معنى ، كما دخل في تراث العراقيين و بستاتهم و كادت علاقاتهم الإجتماعية تنتظم على ضوع عطره فتُقسِم البغدادية ألّا تخدّره ولا تقعد قبالته الا أن يجيء المحبوب وتتمعنى ( أي تتامل ) جماله هكذا تقول البستة البغدادية

السماور هو الآلة أو الأداة التي يطبخ بها الشاي يقال أن أصلها روسي و لا زالت محافظة على اسمها في اللغة الروسية و بعض دول شرق أوربا و تركيا و إيران و العراق و دول أخرى مع اختلاف بسيط في اللهجة . دخلت العراق من تركيا ويقال من إيران قادمة من روسيا وهي وعاء معدني يتوسطه انبوب إسطواني يحشى بالفحم ينتهي بفوهة يوضع فوقها إبريق الشاي حيث يسخن الماء ليطهو الشاي المخمّر في الأبريق بواسطة البخار الساخن ، على مهل

من بين الشعوب التي استخدمت السماور برع الإيرانيون بتخمير و تخدير و طهي الشاي على نار هادئة ، بل على بخار الماء وهي عملية تحتاج لصبر و طول أناة . إصبر على الحصرم تأكل عنباً حلواً ، الإيرانيون اشتهروا بالصبر بعكس العراقيين فهم عجولون لا صبر لهم فينتظروا طويلاً ليتذوقوا شاياً حقيقياً حتى صاروا يخلطون الشاي بالماء و يضعوه في وعاء واحد على نار موقده و ليكن شاياً مغلياً لعله يعدل ما تعكر من مزاجهم . مزاج العراقيين متعكر على الدوام ، متعكر طوال الدوام الرسمي رغم انه ينتهي رسميا في الثانية بعد الظهر و فعليا في الثانية عشرة ، متعكر طوال الأسبوع و في عطلة نهاية الأسبوع و طوال رمضان و طوال العيد أيضاً ، بسبب و بدون سبب . قصص الصبر الإيراني لا تنتهي و هي كثيرة لا يعدلها كثرة غير قصص نفاذ الصبر العراقي . الزولية الكاشان مثال معروف على الصبر الإيراني حيث يستغرق نسجها يدوياً سنوات و في عالم السياسة تبرز قصة المفاوضات حول برنامجها النووي الذي بدأ في الخمسينات من القرن الماضي و بعد رحيل الشاه إدعى النظام الجديد توقف العمل بالبرنامج و توقف أبحاث السلاح النووي ( لتعارضها مع أخلاق و مبادئ الإسلام ) لكن مع استمرار الحرب مع العراق تغيرت أخلاق و مبادئ الإسلام فأعيد تشغيل البرنامج و توسع بشكل كبير حتى شمل عدة مواقع بحثية ، مناجم يورانيوم و مفاعل أبحاث و مرافق معالجة اليورانيوم و محطات تخصيب حتى اكتمل مفاعل بوشهر عام 2011 عندما أعلنت إيران انها بصدد إنشاء مصنع جديد للطاقة النويية في دارخوين و نشاطات مكثفة كثيرة أخرى ، موضوع الصبر الإيراني الذي نتحدث عنه يتجلى في صبر المفاوض الإيراني مع مجموعة 5 + 1 لكسب الوقت فكلما اقترب موعد المباحثات يطرح مقترحات جديدة أو يجري تعديلاً على جدول الاعمال أو يعترض على لباس عضوة الوفد المقابل أو يمرض المفاوض و في كل مرة يتأجل الإجتماع حتى كسب الإيرانيون عشر سنوات كاملة كانت كافية لإكتمال المفاعل النووي الإيراني . مقولة الخميني أن قبوله بقرار وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية تعدل تجرع كأس السم صورة أخرى من صور الصبر حيث انتظر الإيرانيين خمس عشرة سنة ( 1988 – 2003 ) كنا خلالها نحتفل كل عام بالنصر في حين كانوا هم يحيكون في الخفاء سجادة التآمر الكاشانية ليلتهموا في نهاية المطاف عنقوداً كبيراً من العنب العراقي الناضج . لو قارنا مفاوضات الجانب الإيراني مع مجموعة 5 + 1 بمفاوضات العراق و الكويت و التي انتهت باجتياحها لعرفنا الفرق بين الصبر و نفاذ الصبر ، ومع القناعة التامة بحق العراق الذي خسر 14 مليار دولار نتيجة سياسة الكويت و الأمارات العربية النفطية المتعمدة بإغراق أسواق النفط العالمية بكميات من النفط خارج حصصها و تجاوز الكويت على أراض و حقول نفطية عراقية إلا أن المليارين و 400 مليون دولار التي طالب العراق الكويت بها تعويضاً عما سرقته من نفط الرميلة لا يمكن مقارنتها ب 850 مليار خسرناها منذ 2003 ناهيك عن خسارة الإنسان و الأرض و السيادة . هذا ما فعله بنا سماور كويتي صغير فما بالك بالسماور الإيراني ؟

قضية تحتاج الى (صفنة) كما يقول العراقيون و الصفنة تحتاج لاستكان شاي سنكين لكن الشاي على سماور إيراني ( يسطر ) الرأس بدل أن ( يكعده ) . انهم يسلقوننا نحن بدل الشاي على بخار ساخن و المصيبة ان البعض منا يستمتع بهذه الساونا لاعتقاده بقدسية النار التي تُنضج جلده

لا تعليقات

اترك رد